"الصلح بالإكراه": حين يُخيّر مسيحيو مصر بين القبول بالحكم العُرفي أو التهجير

"الصلح بالإكراه": حين يُخيّر مسيحيو مصر بين القبول بالحكم العُرفي أو التهجير

بناءً على خبر عن علاقة عاطفية بين فتاة مسلمة وشاب مسيحي، أو شائعة عن بيت يرغب مُلاكه في تحويله إلى كنيسة يعلوها صليب كبير، قد تتحول قرية أو منطقة بأكملها إلى حرب شوارع. إحراق منازل وسحل مواطنين أو تعرية سيدات. هكذا تبدأ الأحداث الطائفية في مصر.

مع تكرار هذه الأحداث، أصبح السائد عقد جلسات عرفية من العائلات المسلمة والمسيحية، يحضرها كبار القرية، رافعين شعار "الصلح خير"، ويتم الصلح بالتراضي. لكن الأمر تغير كثيراً في العقد الأخير، فأصبحت هذه الجلسات حكراً على مجموعات بعينها، إما قريبة من مؤسسات الحكم المحلي، أو الحزب الحاكم السابق، أو صاحبة نفوذ مالي وقبلي في المنطقة. ولا يسمح بأن تنتهي الجلسة من دون أن يتنازل المجنى عليه عن حقه الدستوري في اللجوء إلى القضاء. وترهيب المسيحين وتهديدهم بالتهجير، أو خطف ذويهم إن لم يوافقوا على التصالح.

وقد لعب أعضاء الحزب الوطني المنحل هذا الدور قبل ثورة 25 يناير، ثم تحول إلى أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية بعد الثورة. وعاد مرة أخرى بعد عزل محمد مرسي، إلى كبار العائلات وأعضاء مجلس الشعب السابقين. فقد غلبت الرغبة في استخدام سياسي لهذا النوع من الجلسات لتحقيق شعبية سواء عند المسؤولين أو لدى الأهالي.

"يعقوب": خيرونا بين القبول بالصلح أو اختطاف وقتل أولادنا

يحكي يوسف مينا يعقوب، 45 عاماً، أحد المتضررين من الأحداث الطائفية الأخيرة في عزبة أبو يعقوب، في منشأة الذهب القبلية التابعة لمركز المنيا، أن البداية كانت عندما طلب أحد المستثمرين تأجير منزل من فرد يدعى "رضا خليل"، لتجهيزه كحضانة للأطفال. والبيت يقع في أول البلد، وبجواره أربعة بيوت مُلاكها مسيحيون، وبيت واحد لأمين شرطة مسلم.

ويضيف: "بعد أن اتفق الطرفان على تأجير المنزل، قام المستأجر بتجهيزه بالألعاب وأجهزة الكمبيوتر وكل المستلزمات الخاصة به، تمهيداً لافتتاح الحضانة وإعلام الناس بها. لكن الجار الذي يعمل أمين شرطة، أشاع في القرية أن المنزل سيتم تحويله لكنيسة، مدللاً على صحة كلامه بأن غالبية أهل الشارع مسيحيون ويتكتمون على الأمر حتى لا يعرف أحد ما يخططون له".

ويقول: "فوجئنا بعدد كبير من المسلمين الذين خرجوا من المساجد عقب صلاة الجمعة يهتفون لا إله إلا الله، وتوجهوا إلى مقر الحضانة وحطموها هي والبيوت المجاورة لها، واستولوا على أجهزة الكمبيوتر والكراسي والألعاب ثم أشعلوا فيها النيران".

ويضيف: "عشنا ساعات من الرعب والفزع، هربت السيدات والأطفال من أسطح المنازل إلى البيوت المجاورة، خوفاً من أن تطالهم النيران. إلى أن استجابت الشرطة لاتصالات الناس وجاء اثنان من العساكر فقط. أخبرانا أن مدرعة من الشرطة في الطريق لاحتواء الموقف". لفت يعقوب إلى أن الشرطة حضرت بعد حدوث خسائر كبيرة في البيوت، وتم القبض على عدد من المتهمين ومعهم أصحاب المنازل المُعتدى عليهم وقضوا يومين في الحبس.

بعد الحكم على المتهمين بالحبس 15 يوماً على ذمة القضية، أصدر النائب العام قراراً بتخلية سبيلهم من دون كفالة، مع تعهد عدم التعرض للمجنى عليهم. وتم تعيين حراسة على المنزل سبب الأزمة (الحضانة). بدأ الضغط على الأهالي بالرضوخ للجلسات العرفية، خصوصاً أن البعض كان يتلقى تهديدات بأن كل فرد من المتهمين سيتم اختطاف عشرة أفراد من العائلات المسيحية بدلاً منه، وسيقتلون الأطفال أيضاً.

أقوال جاهزة

شارك غردخبر عن علاقة بين مسلمة ومسيحي أو شائعة عن بيت يتم تحويله إلى كنيسة... وتتحول منطقة بأكملها إلى حرب شوارع في مصر

شارك غردإما القبول بالصلح مهما كانت شروطه أو الرحيل: هكذا يواجه المسيحيون في مصر الانتهاكات التي تطالهم


حضر بعض رجال الدين في القرية جلسة الصلح، التي اضطر المسيحيون إلى قبولها، بعد أن تخلت الدولة عن تطبيق القانون وعقاب المخطئ. يوضح يعقوب أن خوفهم على أبنائهم وبيوتهم أجبرهم على الرضوخ لمطالب الأهالي بالتصالح مع المجرمين. وفي نهاية الجلسة، كان الحكم بتعويض كل فرد من أصحاب البيوت بعشرة آلاف جنيه فقط، وهو مبلغ لا يكفي إصلاح ما أفسدته النيران أو إعادة بناء ما تم هدمه.

"صليب عبد الملاك": الصلح يتم تحت التهديد ووعود بتعويضات لا نحصل عليها

أما موسى صليب عبد الملاك، 65 عاماً، فمصيره لا يقل بؤساً عن سابقيه من ضحايا الأحداث الطائفية. كان يعمل بنّاءً حتى وهن جسده، ولم يعد قادراً على العمل، فاشترى ماكينة لخياطة "الخيش"، ليتم هدم منزله في قرية أبو يعقوب، وتسُرق ماكينته، مورد رزقه الوحيد. ومنذ نحو ثلاثة أشهر، لا مأوى له ولزوجته سوى الرصيف.

يشكو عبد الملاك من فرض الصلح عليه في إحدى الجلسات العرفية، التي تزعمها كبار القرية وجاءت بمباركة بيت العائلة. وكانت الجلسة تدور حول الأمان أو اللجوء إلى القانون. "كنا مخيرين بين حياتنا وأولادنا، أو الحصول على حقوقنا بموجب تحقيقات النيابة والمحاكم". مضيفاً أنه حين رفض الصلح، قيل له إن هناك تعويضات مالية ليعيد بناء منزله، ويصلح ما أتلف، ويشتري دراجة بخارية بدلاً من التي سرقت خلال حرق المنازل، لكنه لم يحصل على أي مبلغ من المتفق عليه.

اقترض بعض المبالغ لإعادة بناء منزله، إلا أن مجلس المدينة طالبه بدفع غرامات بسبب وجود مخالفات إشغال طريق بدون ترخيص. كان لا بد أن يدفع المبلغ أولاً قبل إعادة البناء، حتى لا يصدر ضده قرار إزالة. لذلك يفترش هو وعائلته الآن مكان منزلهم المهدم.

وأكد أن جلسات الصلح تحدث أحياناً تحت التهديد، ولا يملك المجنى عليهم سوى الرضوخ والموافقة على التنازل عن المحاضر. لافتاً إلى أن الإحساس بالظلم وعدم الأمان، يولدان الكراهية والعداء، وينذران بمزيد من الصدامات والعنف.

"كمال زاخر": مشاركة رجال الدين في الجلسات العرفية تخريب لمدنية الدولة

من جانبه، قال المفكر القبطي كمال زاخر إن الجلسات العرفية غالبها ينتهي بالضغط على المجنى عليه بقبول الصلح، ما يؤدي إلى تكرار الأحداث الطائفية بسبب تأكد الجاني بأنه لن يعاقب. مؤكداً أن الحل يكمن في اللجوء إلى القضاء ودولة القانون. وهذا يساهم في حل تلك المشكلات بشكل جذري، مطالباً رجال الدين برفض المشاركة في تلك المهازل، لأن دورهم يكون مخرباً لمدنية الدولة وتأكيداً لفشل رجال الأمن في تأدية دورهم.

وأضاف زاخر لرصيف22، أن بيت العائلة الذي أسسه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بقرار من الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء الأسبق في أغسطس 2011، تأسس ليكون منصة لتفعيل الوحدة الوطنية في البلاد  وتجديد الخطاب الديني.

وبيت العائلة هو هيئة تشكلت من قيادات قبطية ومسلمة، لترسيخ الوحدة الوطنية وتفعيل قيم المواطنة، والارتقاء بمستوى الخطباء والدعاة.

وأكّد زاخر أن هذه الهيئة فشلت في تحقيق الغرض منها، وأصبح وجود أعضائها يقتصر على حضور جلسات الصلح، وإطلاق التصريحات التي تؤكد أن الوطن نسيج واحد ولا شيء يستدعي القلق.

وأشار إلى أن وفداً من بيت العائلة كان حاضراً في أحداث الكرم، وقرية يعقوب بالمنيا، وغيرها من الحوادث الطائفية، واعتمدوا على الجلسات العرفية لحل الأزمة.

باحث قبطي: الصلح العرفي بوابة للهروب من تنفيذ القانون...

وقال الباحث اسحاق إبراهيم إن بعض المواطنين يلجؤون إلى هذه الجلسات كأسلوب لحل النزاعات وتسوية الخلافات، خوفاً من تطوراتها، وخلق مزيد من الاحتقان. لافتاً إلى أنه لعب أدواراً مختلفة، من المشاركة الشرفية، مروراً بعقد الجلسات بمقار أقسام الشرطة أو مديريات الأمن، انتهاءً بالرعاية الكاملة والمشاركة في صنع قرارات الجلسات. وفي بعض الجلسات، صدرت قرارات مخالفة للقانون، تتضمن انتهاكات واضحة لحقوق الطرف الأضعف. موضحاً أن بعض القيادات الأمنية والعسكرية لجأت خلال تولي الجيش حفظ الأمن إبان ثورة يناير 2011، إلى قيادات سلفية لإقناع الجانب المعتدي بوقف الاعتداءات، مع تقديم ضمانات بعدم الملاحقة القضائية.

ويقول إبراهيم أنه أجرى دراسة بعنوان "في عرف من؟"، تبين من خلالها أن النيابة العامة كانت تقبل بنتائج الجلسات العرفية، وتصدر قراراً بحفظ التحقيقات في غالبية القضايا الطائفية. وهذا ما يعد إهداراً لحق أساسي من حقوق الانسان. مشدداً على أنه لا يعارض وجود آليات اجتماعية على النطاقين المحلي والقومي، تساعد في تطويق النزاعات. فهو يرى مثل هذه التدخلات هامة ومطلوبة، شرط أن تبقى هذه الأشكال متجاورة مع وسائل التدخلات القانونية، التي يتمتع بها المواطنون.

وتابع أن هذه الجلسات تحولت إلى ما يشبه النظام القضائي، الذي يصارع نظام العدالة الرسمي. وأصبح الصلح العرفي، بوابة للهروب من تنفيذ القانون، لما تتضمنه من فرض الجانب صاحب الحضور القبلي والعشائري القوي لشروطه.

وأوضح أن بعض القائمين على منظومة العدالة، اشترك في هذا المسلك، بعدم تطبيق القانون، والقبول بمحاضر الصلح العرفي، من دون النظر في خطورة الجرائم المرتكبة، التي وصلت إلى القتل وحرق ونهب الممتلكات العامة والخاصة، ودور العبادة، وغيرها من الأفعال المجَرَّمة في قانون العقوبات المصري.

وذكرت دراسة صادرة عن "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، أن الجلسات العرفية تعاملت بطريقة سطحية مع مظاهر وأسباب النزاعات الطائفية. فبدلاً من البحث عن جذور المشكلة على النطاق المحلي، ومحاولة حلها، اكتفت بمحاولة إطفاء نار الاعتداءات، ولو مؤقتاً، دون النظر في وضع شروط لعدم تكرار تفجر الأوضاع مرة أخرى. ولم تجرِ أي أنشطة ثقافية أو اجتماعية أو سياسية تساهم في خلق أرضية للاهتمامات والحوار المشترك بين المواطنين.

وأكدت أن قرارات بعض الجلسات تضمنت شروطاً جائرة وغير معتادة، منها ما ألزم أهالي قرية في محافظة المنيا عدم الخروج من منازلهم، حتى للعمل أو شراء متطلبات، لمدة 15 يوماً. أو تلك التي عيّنت لجنة من الخصوم لبيع ممتلكات عائلة مسيحية، حُكم بتهجيرها من قرية شربات في محافظة الإسكندرية.

كما صدرت قرارات أخرى تمثل انتهاكات جسيمة لحقوق كفلتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والدستور المصري، وذلك في حضور مسؤولي الدولة. منها حرية الدين والمعتقد، وممارسة الشعائر الدينية، والرأي والتعبير وحماية الملكية، واللجوء إلى القضاء، بما يمثل تقنيناً للتمييز المجتمعي، وتطييفاً دينياً للمواطنين.

كلمات مفتاحية
المسيحية مصر

التعليقات

المقال التالي