حكام المسلمين وكنائس الأقباط... تاريخ وردي أم تفرقة وتمييز؟

حكام المسلمين وكنائس الأقباط... تاريخ وردي أم تفرقة وتمييز؟

بعد سنوات عديدة من الجدل حول حرية الأقباط فى بناء دور عبادتهم، أقر البرلمان المصرى نهاية الشهر المنصرم، قانوناً جديداً لتنظيم بناء الكنائس. الإضافة الجديدة للقانون، مقارنة بما سبقه من لوائح، تعطي محافظي الأقاليم المصرية حق الموافقة على بناء أو ترميم الكنائس، بعد أن كان الحصول على الموافقات الأمنية لازماً في ما مضى.

أيد القانون الكثيرون وعارضه كثيرون. فحرية بناء دور العبادة لأقباط مصر من عدمها، تمثل نقاشاً بالغ التعقيد، يتطلب العودة في تاريخ القطر لأكثر من ألف عام، وتحديداً منذ الفتح العربي - الإسلامي لمصر على يد جيوش عمرو بن العاص عام 641.

ذلك التاريخ يلزمه العشرات من المراجع والدراسات، لفهم وحصر أوضاع الأقباط في مصر بشكل عام. يحاول هذا المقال تقديم عدة نماذج توضح حياة الأقباط تحت حكم عدة خلافات وممالك وسلطنات وجمهوريات مسلمة، سنية كانت أو شيعية. وهو التاريخ الذى يمكن أن نقوم بتقسيمه إلى عدة فترات أهمها:

فتح عمرو وولاية الخلفاء الراشدين

أعطت معاهدة عمرو بن العاص أهل الذمة، وهم أقباط ويهود مصر، الذين ارتضوا بدفع الجزية "الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم"، بحسب ما نقل المؤرخ البريطاني ألفريد باتلر عن الطبري في كتاب "الغزو العربي لمصر". لكن المعاهدة لم تحدد أي قوانين خاصة في ما يتعلق ببناء دور العبادة.

وقد فرض عمر بن الخطاب على غير المسلمين، ممن يعيشون بدار الإسلام، أن يرتدوا ألواناً بعينها وعمماً وأوشحة مختلفة عما يرتدى المسلمون، بحسب الباحث الأمريكي كيرت ڤيرتموللر المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط فى كتابه "الهوية القبطية وسياسات الأيوبيين في مصر". واشتهر أقباط مصر بارتداء اللونين الأسود و الأزرق فقط في حقب تاريخية لاحقة. كما حظر بن الخطاب على غير المسلمين ركوب الخيول والتبشير وممارسة عباداتهم بالطرق العامة، وحظر استخدام أجراس الكنائس.

لكن محظوراته هذه لم تطبق حرفياً، فتُرك الأمر طبقاً للأهواء الشخصية لكل وال، بينما حث الخلفاء الراشدين ولاة مصر على جمع أكبر قدر من الجزية.

تحت حكم الأمويين

شهدت ولاية عبد العزيز بن مروان لمصر (685 – 705 م)، نوعاً من السلم والازدهار عاشه الأقباط. لا سيما على مستوى رجال الدين وصفوة العائلات الثرية منهم. وبدأ العديد من الأقباط في معاونة المسلمين في الحكم في زمن الأمويين وتقلدوا بعض المناصب التي كانت قبل ذلك حكراً على المسلمين.

من أشهر تلك الامثلة أثناسيوس بار الذي عمل سكرتيراً ومعلماً لعبد العزيز، وكان المسؤول عن جمع الجزية، بتكليف مباشر من الخليفة عبد الملك بن مروان.

كما سمح عبد العزيز للأنبا يؤاناس الثالث، ومن بعده الأنبا إسحق، بإنشاء كنائس وأديرة جديدة، طبقاً لباحثي التاريخ آيريس حبيب المصري ومورييل ديبييه، فازدهرت الحياة الدينية القبطية بمصر بشكل عام.

بالطبع ذلك الهامش من الحرية لأقباط مصر فى بناء كنائسهم كان له ثمن باهظ. تطلب توفيرهم للأموال اللازمة لبنائها، بالإضافة إلى تقديم هدايا أو تبرعات سخية من أجل كسب ود الولاة، و ذلك في زمن أثقلت فيه الجزية كاهلهم.

وجاءت خلافة عمر بن عبد العزيز (717 - 720 م)، لتجلب الشقاء على الأقباط، بعد فترة ساد فيها استقرار أحوالهم نسبياً، تحت ولاية من سبقه من خلفاء الأمويين.

اتسمت ولايته بالنمو الكبير، وانعكس ذلك على مصر. لكن عبدالعزيز، الذي لُقب "بخامس الخلفاء الراشدين"، تبنى سياسة تهدف إلى تحويل الأقباط إلى الإسلام.

فحفيد بن الخطاب، الذي عُرف بورعه الديني، عزم على تطبيق عدد من المحظورات ومظاهر التفرقة السالف ذكرها بشروط جدّه. ويضيف لوك ياربروه، أنه خيّر الأقباط بين الإسلام للحفاظ على أمنهم وممتلكاتهم، والهجرة وترك أرض مصر. كما أمر بعدم قبول شهادة الأقباط، ومنعهم من طرق أجراس الكنائس، وألزمهم بارتداء أزياء  وألوان بعينها، ما دفع العديد منهم إلى اعتناق الإسلام.

أقوال جاهزة

شارك غردمعضلة أقباط مصر التاريخية من أجل بناء الكنائس والحفاظ عليها

شارك غردالنقاش حول حرية بناء الكنائس في مصر يتطلب العودة لأكثر من ألف عام، منذ الفتح الإسلامي لمصر على يد عمرو بن العاص


وبالطبع، إذا كان الخليفة يرغب في تحويل جميع رعاياه إلى الإسلام، فلنا أن نفهم أن بناء كنائس لم يكن حتى محل نقاش أو تفكير خلال فترة حكمه.

هكذا ظل مصير أقباط مصر بين السلم والاستقرار أحياناً، والبطش والاضطهاد أحياناً أخرى، طبقاً للأهواء الشخصية لكل وال وخليفة حتى نهاية الخلافة الأموية. كذلك طبقاً للتغيرات السياسية تحت حكم العباسيين، حتى رسخ الفاطميون مقر خلافتهم بمصر ليشهد المسيحيون نوعاً من الازدهار، على الأقل في بداية عهد الفاطميين.

الفاطميون والأيوبيون

انتهج الفاطميون المذهب الإسلامي الشيعي المعروف بالمذهب الإسماعيلي، وبالتالي كانوا أقلية تحكم غالبية من المسلمين السنة، ما خفف وطأة تشددهم في التعامل مع الأقباط من جهة، وأدى إلى اعتمادهم على الأقباط في تولي بعض مقاليد الحكم من جهة أخرى. ففي عهد الخليفة الفاطمي الأول، المعز لدين الله (969 – 975 م.) سُمح ببناء الكنائس، وتم ترميم الكنيسة المعلقة، وحماية الأقباط من بطش بعض جماعات الشباب المسلم بالدلتا، كما تؤكد المؤرخة المصرية آيريس حبيب المصري وڤيرتموللر. وازدهرت حياة الأقباط الدينية والسياسية والفنية والاجتماعية في مصر خلال حكم المعز ومن بعده ولده العزيز.

اختلط الأمر بعض الشيء في عهد الحاكم بأمر الله (996 – 1021 م.)، فقد بدأ ولايته بالتسامح مع الأقباط خلال السنوات السبع الأولى من حكمه، قبل أن تتغير سياساته بشكل عام.

فطبقاً لشيخ المؤرخين المصريين تقي الدين المقريزي، في كتابه "اتعاظ الحنفا بأخبار الخلفا"، الذي يؤرخ لفترة حكم الفاطميين لمصر، أمر الحاكم الأقباط أن يرتدوا صلباناً خشبية ثقيلة حول أعناقهم بالإضافة لفرض اللون الأسود كزي موحد لجميع الأقباط. كذلك أمر الحاكم بتدمير عدد من الكنائس والأديرة، وأخذ محتوياتها وتشييد مساجد محلها، حتى أن معظم فترات عهده تميزت بنشر الرعب والخوف في أوساط الأقباط، الذين تحولت أعداد كبيرة منهم إلى اعتناق الإسلام أو التظاهر به جهراً خوفاً من بطش الحاكم بأمر الله.

العجيب في الأمر أن الحاكم عاد مرة أخرى لتغيير سياسته تلك خلال السنوات الأخيرة من حكمه، وسمح بإعادة بناء الكنائس، وترك الحرية للعديد من الأقباط الذين أسلموا خوفاً، في أن يعودوا للمسيحية من دون عقاب. وذلك قبل أن يختفي تماماً في ظروف لا يعلمها أحد حتى الآن.

في عهد صلاح الدين الأيوبي

كان صلاح الدين الأيوبي وزيراً للفاطميين منذ عام 1169، لكنه خرج عن حكمهم ليستقل ويبدأ الدولة الأيوبية كدولة سنية الإسلام.

كان الأيوبي حريصاً على إعادة نشر المذاهب السنية على حساب أقباط مصر لترسيخ قواعد دولته. فأمر ببناء مدارس سنية محل الكنائس القائمة، وأقال من الأقباط والمسيحيين الأرمن من تقلدوا مناصب في دولة الفاطميين. كما منع الكنائس المتبقية من أن تزين بألوان زاهية، وأمر بتغطية واجهات بعض الكنائس بالطين الأسود وحرق الصلبان.

بالطبع مثل تلك السياسات حضت العديد من المسلمين على كره الأقباط، ما دفعهم هم أيضاً إلى حرق الكنائس من دون أمر مباشر من صلاح الدين، علماً بأن تلك الحقبة شهدت توافد الحملات الصليبية على الشرق، ما زاد من مشاعر الريبة والكراهية تجاه المسيحيين الشرقيين بشكل عام.

ولاية الدولة العثمانية

دخل العثمانيون إلى مصر عام 1517، عندما تحول أقباط مصر من غالبية وقت الفتح الإسلامي، إلى أقلية تبلغ 10 أو 15% من تعداد السكان. لم يعط العثمانيون الأقباط أي صفة رسمية كدين أقلية، ولم يتم التعامل معهم باعتبارهم أهل ذمة، وهو اعتبار لم يسع إليه أقباط مصر في ذلك الوقت، الذين عاشوا في تسامح نسبي من قبل العثمانيين.

وجاء حكم محمد علي إلى مصر، ليجلب معه المزيد من التكامل، فسُمح للأقباط بشكل رسمي ولأول مرة منذ الفتح الإسلامي، ببناء كنائس، كما طُلب الأقباط للالتحاق بالجيش.

سار أبناء محمد علي على نهجه، وأُنشأ المجلس المالي لإدارة شؤون الأقباط في عهد الخديوي إسماعيل (1863 - 1879 م.) وبدأوا في إقامة مدارس مختلفة كرد فعل لدخول المبشرين البروتستانت والكاثوليك لمصر. كما بدأت الشخصيات القبطية العامة والسياسية في الظهور، حتى صار بطرس غالي رئيساً للوزراء في عهد الخديوي عباس حلمي، الذي حكم بين 1892 - 1914 م.

المعضلة القائمة

على الرغم من الصورة الوردية التى تُرسم في تاريخنا العربي عن تكريم الحكام المسلمين لأقباط مصر وإنصافهم، نجد أن التاريخ مليء بالحوادث والفترات، التى عانى فيها الأقباط من التفرقة، التي جاءت بألوان وأشكال مختلفة. وهذه الحال هي الخلفية الطبيعية للجدال الذي لا يزال قائماً حتى يومنا هذا، بما يتعلق بحقوقهم كأقلية.

فبالرغم من ذلك التقدم، الذي حدث على مستوى تنظيم بناء الكنائس، وإشراك الأقباط في الحياة السياسية والاجتماعية في القرن التاسع عشر، إلا أن القرن العشرين، شهد سن العديد من القوانين التي أعادت بناء الكنائس إلى عهد "خفض الصلبان"، أو حتى منعها. لكن نظرة واحدة إلى تاريخ الأقباط في مصر، توضح أن الأمر يحتاج لتغيير كامل في الثقافة الدينية والاجتماعية والسياسية للدولة، حتى يمكن في يوم ما التخلي عن تلك القوانين التمييزية وغير المرضية في الوقت نفسه.

التعليقات

المقال التالي