"الحجّ الأصغر" للصوفيين في جبل حميثرة المقدّس

"الحجّ الأصغر" للصوفيين في جبل حميثرة المقدّس

آلالاف يشدّون الرحال إلى بقعة مباركة على أرض مرسى علم، يبتهلون ويكبّرون. في كل عام ينتظرون خير يوم تشرق فيه الشمس على الأرض، يوم يباهي الله ملائكته بعباده. يظنون أن وقوفهم في وادي وجبل حميثرة هو مشهد يضاهي وقوف حجاج بيت الله الحرام على جبل عرفة، فيمنون أنفسهم بأن يكونوا من الفائزين بالتوبة والغفران. هم دراويش أبي الحسن الشاذلي الذين أتوا ليحجّوا الحجة الصغرى.

تبدأ الشعائر الصوفية بحضور مريدي ومحبّي الشيخ في ذكرى مولده، ثم يصعدون جبل حميثرة يوم الوقفة، تزامناً مع ما يفعله حجاج بيت الله الحرام من وقوف في "عرفة"، ويتناوبون على زيارة ضريح الشاذلي مرددين عبارة "مدد يا شاذلي". وبعد طلبهم المدد يطلقون أمانيهم ودعواتهم، ويبنون ما يُشبه البيوت من حجارة الجبل، معتقدين أنهم بهذا العمل يبنون لأنفسهم بيوتاً في الجنة.

14315891_10210103534362179_388224045_o

الجبل "المقدّس"

وتأتي قدسية الجبل ممّا ذُكر عن صعود الشاذلي إلى قمة حميثرة من أجل الاختلاء والتعبّد. ولذلك يقضى زوار الشاذلي يومهم بعد صلاة الفجر في صعود الجبل، ثم يكوّنون حلقات الذكر الليلية في ضريح الشيخ للصلاة والدعاء، وبعدها ينحرون عدداً كبيراً من رؤوس الماشية.

وتنظّم كل طريقة صوفية موكباً يدور حول الجبل وينتهي عند مقام الشاذلي، ومن أشهر هذه المواكب موكب الطريقة الشاذلية التي تُعِدّ محملاً كبيراً يركبه شيخ الطريقة ويتحلّق حوله أتباعه ثم ينتهون بعد الطواف في حميثرة إلى مقام الشيخ. ثم تبدأ حلقات الذكر والمديح النبوي، وتنتشر الساحات حول الضريح، فتجد ساحة الحاجة زكية، والساحة الأحمدية، وساحة الأشراف، وساحة السادة الرفاعية، والمرغنية، وأولاد الشيخ عبد السلام، والسلمانية، والبرهامية الشاذلية.

الشاذلي، مُعلّم المرسي أبو العباس

وُلد العارف بالله أبو الحسن الشاذلي، القطب الصوفي، عام 571 هجرية، وتتلمذ في صغره على يد الإمام عبد السلام بن مشيش، في المغرب، فكان له أثر كبير في حياته العلمية والصوفية، ثم رحل إلى تونس، إلى جبل زغوان، حيث اعتكف للعبادة، وهنالك ارتقى منازل عالية في الفكر الصوفي ودرس على يد أبي سعيد الباجي، ولُقّب بـ"تاج الأقطاب" و"الشيخ الأواب".

ثم رحل الشاذلي إلى مصر وأقام في الإسكندرية، حيث تزوج وأنجب أولاده شهاب الدين أحمد وأبا الحسن علي، وأبا عبد الله محمد وابنته زينب. وفي الإسكندرية صار له أتباع ومريدون، وانتشرت طريقته في مصر بعد ذلك، وانتشر صيته على أنه من أقطاب الصوفية في العالم أجمع.

خلال رحلته إلى الحج، طلب من تلميذه المرسي أبو العباس، أن يُحضر فأساً ومقطفاً، وحين سأله تلميذه عن سر إحضارهما قال الشيخ الشاذلي مقولته الشهيرة "عند حميثرة سوف ترى". وتوفي هنالك ودفنه تلميذه بعد أن حفر له قبره بالفأس التي احضرها معه.

وقد توفي في ليلة 22 من ذي القعدة سنة 656 هجرية، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن في وادي حميثرة، 150 كيلومتراً داخل الصحراء الشرقية غرب مدينة مرسى علم في جنوب البحر الأحمر. وقال عنه أبو العباس: "اليوم مات الشيخ أبو الحسن الشاذلي ودفن بحميثرة فُغفر لمَن دفن اليوم من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تعظيماً وإكراماً له".

14247883_10210103549122548_446739419_o

انتقاد للطقوس الصوفية

يتهم الكثيرون أتباع الطوق الصوفية بالشرك. ويقول الشيخ ناصر رضوان، مؤسس ائتلاف أحفاد الصحابة وآل البيت، عن ظاهرة "الحجة الصغرى" إن هذه الممارسات تُعدّ نوعاً من حج الضرار الذي يجب التصدي له وإيقافه، مشيراً إلى أن هذه الموالد تمارَس فيها طقوس شركيه لا تمت إلى دين الإسلام بصلة.

في المقابل، ينفي الشيخ مصطفى زايد، المنسق العام لائتلاف الطرق الصوفية، الاتهامات التي توجّه إلى  الصوفية من شرك ومحاكاة الحج بالوقوف على جبل حميثرة وتسمية هذا اليوم بـ"الحج الأصغر".

ويلفت إلى أن ما يحدث هو زيارة الضريح ثم الصعود إلى قمة الجبل "لرؤية المكان الذي كان يصلي ويتعبد فيه سيدي أبو الحسن الشاذلي، كما يعتبره البعض فرصة للتنزه والتقاط صور مختلفة لهم من أعلى الجبل".

وأضاف زايد أنه لا يشترط تواجد مريدي الشاذلي في يوم عرفة، فبعضهم يسافر منذ بداية ذي الحجة وآخرون يفضّلون قضاء العيد، مضيفاً أن أهالي الصعيد يعتبرونه "مولداً أسرياً"، فيأتي كل شخص ومعه أفراد أسرته ويقضون وقتهم في التعبد والصلاة ولكن أيضاً في الاحتفال مع العائلة.

كرامات الشاذلي: كلّم الله والتقى الخِضر

في كتاب "المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي" لشيخ الأزهر الأسبق الدكتور عبد الحليم محمود، جاء أن الله زاد المدينة المنوّرة تشريفاً وتعظيماً حين زارها الشاذلي الذي كانوا ينادونه "علي". وقال إن الشيخ وقف على باب الحرم من أول النهار حتى نصفه، عاري الرأس، حافي القدمين، يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما سُئل عن ذلك قال: حتى يؤذن لي، فسمع النداء من داخل الروضة: "يا علي، ادخل".

ويذكر الشيخ محمود أن أبا الحسن كلّم الله على جبل زغوان، بعدما قرأ سورة الأنعام، حتى بلغ إلى قوله تعالى: "وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها" فأصابه حال عظيم، وجعل يكررها ويتحرك، وكان كلما مال إلى جهة يميل الجبل نحوها، وما كانت حياته على الجبل إلا على نباتات الأرض وأعشابها، ونبعت له عين يجري منها ماء عذب، ثم بدأت الملائكة تحفّ بأبي الحسن، بعضها يسأله فيجيبه، وبعضها يسير معه، ثم تأتيه أرواح الأولياء زرافات ووحداناً تحف به وتتبرك به، حتى كلّمه الله فقال له: يا علي، اهبط إلى الناس ينتفعوا بك.

وبحسب كتاب شيخ الأزهر، فإن الشاذلي قال عن نفسه: "لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يكون في غد وبعد غد إلى يوم القيامة". كما ادعى بأنه التقى بالخضر في صحراء عيذاب وكلّمه، إذ يقول: "لقيت الخضر في صحراء عيذاب، فقال لي: يا أبا الحسن أصحبك الله اللطف الجميل، وكان لك صاحباً في المقام والرحيل".

رؤية أنوار مكة من أعلى حميثرة

يعتبر الزاحفون إلى ضريح الشيخ الأواب أن الطقوس التي يمارسونها ليست شركية. لقد ولدوا في بيوت ووجدوا آباءهم يشدّون الرحال إلى الوادي حيث يوجد الضريح والجبل. ويقولون إن ماء عيذاب له مذاق ماء زمزم، برغم الشكوى من أن المياه هنالك لا تصلح للشرب، ويعتقدون أنها مباركة بعدما غُسل بها "الشاذلي".

وتروي حُسنة المحمدي، خمسين عاماً، أن رحلتها إيمانية خالصة، وأنها تحرص عليها من العام إلى العام برغم مشقة السفر من الصعيد إلى مرسى علم، مؤكدة أن والدتها أوصتها بشراء خروف وذبحه كل عام كما كانت تفعل هي، بعد أن كانت لا تنجب وسافرت إلى ضريح الشيخ فدعت الله من أعلى الجبل أن يرزقها الذرية الصالحة ونذرت ذبيحة إن تحقق لها ما تمنت، وبالفعل حملت، فظلّت تنحر الخراف عاماً تلو الآخر، وقبل وفاتها أوصت ابنتها باستكمال ما كانت تفعله.

وأضافت المحمدي أن الرحلة متعبة وصعود الجبل ليس بالأمر اليسير، ولكنها تصر عليها وتدعو أن يعينها المولى على الوصول إلى قمة الجبل وبناء بيت من الحجارة أعلاه، مشيرة إلى أنها تظل تسبّح وتصلي حتى ترى أنوار مكة من أعلى جبل حميثرة، على حد قولها.

أما عن الطواف حول الضريح، فتؤكد أنه ليس طقساً لتقليد الطواف حول الكعبة، فأي فرد يزور مقام ولي يدور حوله ويقرأ الفاتحة ويدعو وأحياناً ينذر شيئاً لله إن تحقق مراده.

وقالت: "نعم نقول لبيك اللهم لبيك، ولكن يوجد مَن يمكث في منزله ويلبي طوال يوم عرفة وهذا ليس كفراً كما يقولون عنا، ونطوف حول الضريح كما نفعل في كل الأضرحة ونتبرك بالماء الذي غُسل منه الشيخ الذي كلم الله".

كلمات مفتاحية
الحج الصوفية مصر

التعليقات

المقال التالي