هل تؤيد القتل الرحيم أم تعارضه؟ حسناً، إليك التالي...

هل تؤيد القتل الرحيم أم تعارضه؟ حسناً، إليك التالي...

لويزا كلارك بطلة فيلم Me before you فتاة عشرينية فقيرة تعمل لدى عائلة ثرية. مهمتها رعاية الابن المشلول الشاب الثلاثيني ويل تراينر، الذي يعاني من شلل رباعي كلي. يقع ويل ولويزا في الغرام، لكن هذا الحب لم يثن ويل عن السعي لإنهاء حياته، كما لم يثنه رفض والديه ومعارضتهما. أنهى ويل حياته بعد ستة أشهر، بعد أن ينال الموافقة على طلبه من الحكومة السويسرية.

في المقلب الآخر، يعرض الفيلم الهندي Guzaarish قصة رجل مشلول اسمه هرتيك روشان يتقدم بدعوى قضائية لدى حكومته للسماح له بإنهاء حياته، بسبب الآلام  التي يعيشها. لكن طلبه يرفض من قبل القضاة أكثر من مرة، معللين ذلك بأن رغبات الإنسان وأمنياته لا يمكن أن تعلو فوق القانون الهندي، الذي يجرم أي محاولة للمساعدة في الموت. لكن ذلك لا يمنعه من السعي وراء تحقيق رغبته فتوافق خادمته التي ترعاه على إعطائه الحقنة التي ستريحه إلى الأبد.

يدور جدل حقوقي وقانوني وأخلاقي كبير في العديد من البلدان الغربية، خصوصاً في أوروبا، حول أحقية الإنسان في إنهاء حياته. وتنقسم الآراء بين مؤيدين ومعارضين للقتل الرحيم، أو ما يعرف بالإيثوناجيا، وهي عملية مساعدة الإنسان في إنهاء حياته، بسبب الألم والمعاناة، جراء إصابته بأمراض لا شفاء منها ولا خلاص من آلامها إلا بالموت.

حط من قيمة الإنسان؟

يرى معارضو الإيثوناجيا أنها تحط من قدر الإنسان وتسخف حياته، وتبعث برسائل مفادها: "من الأفضل لي الموت عوضاً عن تحمل المرض والإعاقة". وبرأيهم، يؤدي تشريع هذه الفكرة إلى انتشار أفكار الدونية تجاه  أصحاب الاحتياجات الخاصة والمرضى، وإلى إعتبارهم عبئاً على المجتمع. ويعرضهم للخطر ويخفض من قيمة حياتهم البشرية، وهم لا يزالون أحياء، بدل أن يكونوا مسؤولية اجتماعية تتحملها الدولة والمجتمع.

ويؤدي ذلك بنظرهم إلى حرمان الإنسان من حقه في الألم، ومواجهة المرض، بسبب حبه للحياة وتمسكه بها. فذلك يعتبر تملصاً من المسؤولية المتوجبة علينا كبشر. ووفقاً لهذه الرؤية، يقول معارضو الإيثوناجيا إن حصول المريض على العلاج الملائم، في بيئة ملائمة ووفقاً لمعايير إنسانية ينفي أحقية الإنسان في إنهاء حياته، لأن الخدمة الإنسانية والرعائية تعزز فرص موته من دون ألم.

هل أخلاقيات الطبيب على المحك؟

يشبّه رافضو الإيثوناجيا هذه القضية بالمنزلق الخطير. ففي رأيهم، في اللحظة التي سيتحول الطب فيها من حماية المرضى ومحاولة شفائهم، والعمل على الحفاظ على حياتهم، إلى قتلهم، هناك خط أحمر محظور تم تخطيه، وسيكون ذلك سابقة جديدة، ستضع الطب أمام منعطف جديد. فالقلق يكمن في أن المجتمع الذي يقبل بالقتل الرحيم الاختياري، سرعان ما سيتبنى الإيثوناجيا بشكل غير طوعي ولا إرادي.

أقوال جاهزة

شارك غردهل من حق الإنسان إنهاء حياته؟ تعرف إلى قصة القتل الرحيم

شارك غردقوانين وجمعيات تعطي الحق للإنسان في إنهاء حياته...

ويتساءل المعارضون عن الجدوى من وراء الطب؟ أليس الهدف إيجاد العلاجات وتخفيف الآلام؟ لذا يؤكدون أن تشريع هكذا حرية، سيخفض من قيمة الأبحاث الطبية والسعي الطبي لاكتشافات جديدة وسيخفض من قيمة الميزانيات الموضوعة لذلك. ناهيك عن الخطأ في التشخيص الطبي أحياناً، لأشخاص قال الطب إن حالاتهم مستعصية، لكنهم عاشوا سنوات طويلة، بعكس ما أظهرت الفحوص وأحكام أطبائهم.

الإيثوناجيا تهدد فكرة الإيمان بالله

أما النقطة الرابعة، فتتجلى في الإيمان بإن الله هو وحده المسؤول عن إنهاء الحياة البشرية. وتشريع كهذا يهدد فكرة الإيمان بالله، ويعطي الإنسان حرية اختيار ساعة موته. وهي نقطة دينية بالغة الأهمية ولا يمكن التفريط بها ولها عواقب وخيمة، بحسب بعض معارضي الموت الرحيم. ويتخوف هؤلاء من أن نوعية الحياة سوف تتقدم على حرمة الحياة، حينها سيتمكن أي إنسان لا تعجبه حياته أو يشعر بنقص ما، من طلب إنهاء حياته لأنها لا تتوافق مع الحياة التي يحلم بها. وفي عالم يعيش فيه بشر أنانيون، قد يعرّض الموت الرحيم المرضى المزمنين والعاجزين للاستغلال، لحصول ورثتهم على ثروتهم.

وهذه النظرة ليست حكراً على المؤمنين، بل بعض الملحدين أو اللادينيين، الذين يرون أن خطوة كهذه تحط من قيمة الحياة الإنسانية. والقتل الرحيم يرسل رسالة مفادها بأن الموت أفضل من العيش مع عجز، ويعزز الانتحار، وفلسفة اليأس، ويقتل الأمل بالحياة.

يذكر أن الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية ترفض بشدة تشريع هكذا قوانين، وتحارب الأحزاب الدينية تشريعها في الدول الغربية.

دول شرّعت القتل الرحيم

أقر في بلجيكا عام 2002 أحد أهم القوانين الليبرالية في العالم، ولاقى تأييداً شعبياً لمنح الحق في الموت، لأسباب فيزيولوجية وعقلية ونفسية، وذلك بموجب تعبئة استمارة والتقدم بها للوزارات المعنية. وعام 2014 تم تعديل القانون ليشمل الأطفال (دون 18 عاماً بموافقة ذويهم والأطباء)، والأشخاص الذين لا يعانون من أي مرض، لكنهم يريدون الرحيل عن الحياة. وقد وصل عدد الذين أنهوا حياتهم عام 2013، نحو 1800 شخص أي بمعدل 5 يومياً. وفي سويسرا 3% من الوفيات، تمت بواسطة القتل الرحيم.

تختلف قوانين القتل الرحيم أو قوانين إنهاء الحياة، من بلد إلى آخر. فقانون القتل الرحيم يسمح للأطباء بالقيام بهذه العملية عبر حقن المريض. أما قانون المساعدة في الموت، فلا يخول الأطباء التدخل بشكل مباشر وعملي في عملية إنهاء الحياة، إنما يقتصر دورهم على وصف الحقنة، وتقديم الإرشادات للشخص الذي يرغب بإنهاء حياته. بينما يخضع الأشخاص الفاقدو الأهلية، كالأطفال ومرضى الغيبوبة لقرارات ذويهم وموافقة الأطباء.

تم تشريع هذه القوانين بصيغ مختلفة في سويسرا وهولندا وكندا وكولومبيا وبلجيكا والكيبك وألبانيا واليابان وألمانيا. ومن الولايات المتحدة: نيو مكسيكو وفيرمونت وأوريغون وواشنطن ومونتانا. وظهرت في بلجيكا وسويسرا "سياحة القتل الرحيم" التي تسمج قوانينهما بإنهاء حياة أي شخص من أي جنسية يتقدم بطلب إليها.

هل يجب أن تكفل الحرية القتل الرحيم؟

"القانون احترام لحرية الأفراد، وهو تقدم اجتماعي وسياسي، فيخضع القانون والمجتمع لإرادة الفرد وحريته في اختيار إكمال الحياة من عدمه"، قال الأخصائي النفسي جيليس جينيكوت Gilles Genicot، وعضو رابطة الإيثوناجيا البلجيكية. وأضاف أن لا مسؤولية أخلاقية على الطبيب، لأنه مجرد وسيط ينفذ قرارات وخيارات الأفراد، وهم بكامل حريتهم.

مؤيدو الإيثوناجيا يعللون ذلك بالحرية الليبرالية وحق الأفراد بالاختيار. ويعتبرون أن الإنسان الذي يصل إلى عمر محدد، ويفقد أي هدف بالحياة، وتصبح حياته روتينية أو يخسر أطفاله وعائلته، ويشعر بالوحدة، بإمكانه ألا ينتظر عشر سنوات في دار المسنين. وبرأيهم يجب احترام الحرية حتى آخر لحظة من عمر الإنسان، والحرية تفترض إنهاء مأساة المعذبين، إن هم أرادوا ذلك. فقد أظهرت دراسة أجريت عام 2014 في بلجيكا على مئة شخص طلبوا الإيثوناجيا، أن 33 شخصاً يعانون من الاكتئاب والضغط والصدمات النفسية، واضطرابات التوحد الطفيف، وتقلبات الشخصية.

ويعتبر المؤيدون أنه يجب النظر إلى الإيثوناجيا باعتبارها فعل تعاطف ورحمة، وفعلاً غير أناني له فائدة اقتصادية لبقية شرائح المجتمع. فدور العجزة والرعاية والمصحات، تكلف الدول والحكومات أموالاً باهظة. في بريطانيا نحو 700 ألف مصاب بالعته والألزاهايمر والأمراض العقلية والنفسية، وبحسب خبراء، كلفة رعايتهم ستبلغ عام 2026 نحو 35 مليار جنيه استرليني.

وقد تم تعديل مصطلح الموت الرحيم ليصبح "القتل بكرامة"، وأنشئت جمعية في سويسرا عام 1998 تدعى ديغنيتاس Dignitas، ترشد وتساعد المواطنين لإتمام عملية إنهاء حياتهم، وشعارها "العيش بكرامة، والموت بكرامة".

ولا بد من الإشارة إلى أن القتل الرحيم لا يقتصر على البشر، بل يشمل الحيوانات، كالكلاب والقطط، بسبب عدم وجود من يتبناها، وعدم إمكانية تركها مشردة على الطرقات، ومعرضة لشتى أنواع الأذى والاستغلال. فيتم إنهاء حياتها بالحقن وبمئات الأعداد يومياً. وتستخدم الإيثوناجيا أيضاً مع الحيوانات المصابة فيزيولوجياً، كالأحصنة، أو التي تحمل فيروسات كالبقر والغنم. ويتم التخلص من جيفها بواسطة الحرق في محرقة خاصة، ثم إخراج المتبقي منها ومعالجته كنفايات أو استخدامه لصناعة الأسمدة.

فراس حمية

مسرحي وكاتب صحفي مقيم في لبنان. حائز على إجازة في التمثيل من معهد الفنون الجميلة ودبلوم في الإعلام والأديان من جامعة القديس يوسف في بيروت.

التعليقات

المقال التالي