الهروب من غلاء أجور الأطباء في العراق يملأ عيادات طب الأعشاب

الهروب من غلاء أجور الأطباء في العراق يملأ عيادات طب الأعشاب

مرض تشمع الكبد داهم جسد مجاهد وفيق (41 عاماً)، الموظف في وزارة الإسكان، والذي يعيش في منطقة العطيفية شمال العاصمة العراقية بغداد. لجأ إلى الطب الحديث والقديم، لينتهي به المطاف عند طب الأعشاب، الذي يحظى بتأييد بعض المختصين بالطب، ومعارضة البعض الآخر.

يقول وفيق لرصيف22: "منذ نحو 7 سنوات اكتشفت أنني مصاب بتشمع الكبد. راجعت الكثير من الأطباء، وأنهكني العلاج الذي أتناوله باستمرار. لكنني فوجئت حين راجعت مركزاً لطب الأعشاب وسط العاصمة بغداد، بأن علاجي ممكن من خلال جلسات طبية قصيرة جداً". ويضيف: "تحسنت كثيراً بعد خضوعي للعلاج بالأعشاب الطبية، وعادت لي صحتي نسبياً أكثر من السابق، وتركت العلاج الذي كنت أشتريه من الصيدليات، بعد أن وضع لي طبيب الأعشاب جدولاً زمنياً للحمية والدواء".

تشهد البلاد ارتفاعاً في أسعار الدواء وأجور الفحص الطبي، ما يجعل مراحل العلاج، خصوصاً بالنسبة إلى محدودي الدخل، شبه مستحيلة. تقول عضو نقابة الأطباء الدكتورة زهرة غانم لرصيف22 إن مستوى الخدمات الصحية في العراق تراجع كثيراً في المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية، ويضطر المرضى لمراجعة العيادات الخارجية، وهناك سيجد المريض أجور الأطباء مرتفعة وغير معقولة.

تكلفة خيالية

وتشير غانم إلى أن مراجعة أي مريض للعيادات الخارجية، مرة واحدة، تكلّفه نحو 150 دولاراً، أما الأمراض المستعصية، فلا تقل عن 500 دولار. وفي حال إجراء عمليات جراحية، يحتاجون إلى مبالغ كبيرة. وتضيف: "إن إصدار الحكومة العراقية قراراً باستيفاء أجور المراجعات الطبية من المرضى، جعل كثيراً من الفقراء، غير قادرين على دفع أجور الفحص وثمن الدواء".

ويوضح الصيدلاني جعفر خوشه لرصيف22، أن تجارة الدواء في العراق أصبحت بعيدة عن رقابة السلطة، وتمارس من قبل بعض الصيادلة أنفسهم بالاتفاق مع الأطباء والمستشفيات، لتبتعد مهنة الطب عن إنسانيتها، وتتجه نحو التجارة والربح، وهذا سبب قوي دفع الفقراء للتوجه نحو طب الأعشاب، الرخيص الثمن نسبياً، لعلاج أمراضهم بما في ذلك الأمراض المستعصية".

ووفقاً لما تذكره المصادر التاريخية، فإن الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب قد رافق حضارات العراق المختلفة، سومرية وأكدية وبابلية، وما تلاها من حقبات تاريخية. وعثر خبراء الآثار على الكثير من الكتابات والرقم الطينية، التي تثبت هذا الأمر في مناطق مختلفة من البلاد.

وزارة الصحة من جانبها، بينت أنها لا تمانع التداوي بالأعشاب، كونها مصدر العلاج المتوفر في الصيدليات والمستشفيات، حتى أن لها مركزاً يهتم بهذه الأمور، يطلق عليه "مركز علاج بالأعشاب" تابع لوزارة الصحة. لكن ذلك لا يمنع مراقبة عيادات طب الأعشاب بشكل مستمر ودقيق.

ويقول مدير عام الصحة العامة في الوزارة الدكتور صباح لازم لرصيف22: "الوزارة لديها شروط وضوابط لإعطاء رخصة فتح عيادة لبيع الأعشاب، وليس للتداوي. ولديها لجان متخصصة للكشف الموقعي للعيادة بين الحين والآخر، وأخذ عينات من الأعشاب وفحصها لمطابقتها للمواصفات".

وأضاف: "في الآونة الأخيرة، تحديداً من عام 2012 حتى عام 2014، بدأ انتشار كثيف لعيادات ومحال طب الأعشاب، وغالبيتها لا تحمل إجازة ممارسة مهنة. ما دعا الوزارة لإغلاقها".

وأكد لازم أن 11% من المرضى اليوم في العراق، يراجعون العيادات التي تعالج بالأعشاب، وهي نسبة غير مقلقة، لأن غالبية تلك النسبة تراجع عيادات مجازة من وزارة الصحة.

لا يمكن للأعشاب أن تكون بديلاً

الدكتور طارق عبد الله، المتخصص في أمراض المعدة، قال إنه لا يمكن أن تكون الأعشاب دائماً بديلاً عن الطب في الوقت الحاضر، لأن غالبيتها مركزة. كما أن بعض العاملين عليها لا يفقهون تداعياتها. وأوضح أن العلم أثبت أهمية بعض الأعشاب، وكيفية استخدامها، وطريقة خلطها مع الأخرى، وكمياتها بشكل دقيق. وهذه الأمور لا نعتقد أنها موجودة في العيادات الشعبية الآن، والدليل أن المستشفيات العراقية شهدت ارتفاعاً كبيراً في أعداد المراجعين المصابين بحالات التسمم، وغيرها من المضاعفات الأخرى نتيجة التداوي بالأعشاب.

أقوال جاهزة

شارك غردما بين 150$ و500$ تكلفة زيارة الطبيب في العراق... لا غرابة إذاً في لجوء العراقيين إلى طب الأعشاب


غير أن خليل عودة، صاحب عيادة لبيع الأعشاب والتداوي بها، قال: "مهنة التداوي بالأعشاب ليست وليدة اليوم، إنما موجودة منذ آلاف السنين. وبعض العاملين فيها، إما جاءوا عبر التعلم لسنوات أو ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. فلا يمكن التقليل من أهميتها أو التشكيك بها، لأنها أثبتت في فترات كثيرة نجاحها".

ويوضح عودة أن انتشارها في العراق بدأ بعد عام 1991، أي عند فرض الحصار على العراق، ومنع دخول الأدوية للبلاد. لكنها انتشرت بكثرة بعد عام 2003، بسبب غياب الرقابة وقلة الوعي الطبي عند البعض، فضلاً عن المحسوبيات.

وأشار عودة إلى أن الطارئين على هذه المهنة، الذين لا يجيدون تشخيص الأمراض وإعطاء الأدوية المناسبة، موجودون ولا يمكن لأحد أن ينفي ذلك. ويضيف: "عكسوا حالة سيئة عن مهنتنا، حتى بدأنا نضع إجازات ممارسة المهنة في مقدمة باب العيادة ليثق المراجع ويغنينا عن سؤال اللجان الطبية، التي تقوم بجولات تفتيشية بين فترة وأخرى.

حسن شاكر، صاحب محل بيع الأعشاب في الكاظمية، قال: "اكتسبت مهنة التداوي بالأعشاب من والدي، الذي بدوره ورثها عن جده. وتعلمت كيفية التداوي ووصف العلاج للمرضى، والآن أُعلم ابني أمير (29 سنة) هذه المهنة، ليخلفني من بعدي". مضيفاً أن معظم المراجعين في محال الأعشاب حالياً، هم ممن يعانون أمراض السمنة، ويرجون التخلص من الوزن الزائد، أو الذين يعانون من تساقط الشعر والمصابين بمرض السكري. ولفت إلى أن البعض الآخر يبحث عن أعشاب لتبييض البشرة والتنحيف، وتصغير وتكبير الأعضاء، وشد الوجه وإزالة الكلف، والمقويات وفاتح الشهية.

وقال شاكر: "سابقاً كنا نصف علاجاً لأمراض مستعصية وبشكل يومي كالقلب والكلى والحصبى وحتى العقم. لكن اليوم يبدو أن تطور العلم أغنى الكثيرين عن هذه العلاجات، إلا أنها لم تنقطع بشكل نهائي، فأحياناً يأتي مريض يطلب منا علاجاً لهذه الأمراض".

وتشهد المحافظات العراقية كما العاصمة، ارتفاعاً كبيراً في أسعار الأدوية، فضلاً عن أن الواقع الصحي في العراق، لا يزال متردياً، ما يدفع المواطنين في غالبية الأحيان، إلى مراجعة المستشفيات الخاصة أو السفر إلى الخارج لتلقي العلاج اللازم.

كلمات مفتاحية
الطب العراق

التعليقات

المقال التالي