حفر الباذنجان تحت القذائف في غزة

حفر الباذنجان تحت القذائف في غزة

نهاية عام 2008، شنّت إسرائيل حرباً شرسة على قطاع غزة، تابعها العالم من خلال وسائل الإعلام، التي كانت تنقل ما يحدث في الشارع من قصف وقتل وتدمير. لكن، ما كانت تخفيه جدران المنازل، كان مختلفاً تماماً عن ذلك الذي كانت تنقله وسائل الإعلام. غزة التي لا تعرفونها جيداً، هي غزة مجنونة بالحياة والحب والضحك والأطباق الذكية، خصوصاً المحشي منها، مهما اشتدت القذائف وانتشر الإعدام.

أحمد سالم شاب فلسطيني من قطاع غزة، يتذكر تلك الفترة: "في تلك الأيام الصعبة كان جل تفكير الناس في مدة الهدنة، التي أقرتها إسرائيل بين الساعة الرابعة والسادسة مساءً، هو ما يحتاجونه من محالّ البقالة من سجائر وطعام. فعلى صعيد المنزل الذي كنت أسكنه، وكان بداخله أكثر من 170 شخصاً من الأقارب والجيران المهددة منازلهم بالقصف، أو يجاورون أحد المنازل المهددة، تذوقت وقتها بعض الأطعمة التي لم أرها إلا خلال تلك الفترة، بسبب وجود ناس من ثقافات مختلفة في المنزل نفسه. وكانت تلك تقريباً المرة الأولى التي أتناول فيها طعاماً سُويَ على نار الخشب بسبب انقطاع الغاز والوقود".

يتحدث أحمد (32 عاماً)، وهو جالس على كرسي متهالك في أحد مقاهي القاهرة، التي جاءها مرافقاً لوالده في رحلة علاجية: "حين سألت عن سبب شهيتهم على الأكل بهذه الطريقة الغريبة في ظل هذه الظروف، جاءت الإجابة من إحدى السيدات اللواتي كن يحفرن الباذنجان استعداداً لعمل المحشي: يعني يرضيك نموت وإحنا جوعانين. لم يدهشني الرد بقدر ما أدهشتني نوبة الضحك التي اجتاحت المكان، في وقت تتصاعد أصوات انفجارات القذائف الإسرائيلية من كل مكان حولنا".

شهيد وسيجارة

وعن المواقف الغريبة التي شهدها خلال فترة الحرب، يقول أحمد: "في اليوم الثالث عشر من الحرب، قصفت الطائرات الإسرائيلية سيارة كانت تسير على مقربة من المنزل. هرعت إلى المكان لأجد بعض المواطنين يتجمعون حول السيارة المشتعلة ويحاولون إخماد الحريق. وصلت سيارة الإسعاف وكان بداخلها رجلان (السائق والمسعف)، ترجلا من السيارة لنقل الجثة. سائق الإسعاف كان يجمع أشلاء القتيل بيد وباليد الأخرى يمسك سيجارة! ترى كيف وصل سائق الإسعاف إلى هذه المرحلة من القسوة؟ أم كان ذلك مجرد نوع من اللامبالاة؟ ربما روتين".

حب فلسطيني على مكسيكي

يضيف أحمد: "بما أن الهاتف هو وسيلة الاتصال التي تكاد تكون الوحيدة المتاحة لخلوة العاشقين في قطاع غزة، بسبب انغلاق المجتمع بطريقة تدعو إلى الكآبة، كانت حبال الود مقطوعة بيني وبين تلك الجميلة التي تعرفت إليها خلال فترة دراستي الجامعية. إذ كانت شبكات الاتصال معطلة. ونتيجة لتلك القطيعة، أيقنت أن ذلك الحب كان شعوراً وهمياً كشفت الحرب زيفهۚ".

وعن العلاقات والمشاعر الإنسانية بين الجنسين في غزة، يوضح أحمد: "المجتمع في غزة لا يتقبل العلاقة بين الرجل والمرأة إلا في حالات معينة، كالزمالة في العمل، وتنتهي تلك العلاقة مع انتهاء أوقات العمل الرسمية. لكن العلاقات العاطفية منتشرة بشكل كبير بين الشبان هناك، شريطة عدم اللقاء في الأماكن الخاصة أو حتى العامة لأن أي لقاء من هذا النوع قد ينتهي بكارثة".

أقوال جاهزة

شارك غردرجل الإسعاف يجمع الأشلاء بيد وبيده الأخرى سيجارة والعميل يتحول إلى شهيد حسب الوساطة: أهلاً بكم في غزة

شارك غردغزة التي لا تعرفونها جيداً، هي غزة مجنونة بالحياة والحب والضحك والأطباق الذكية، مهما اشتدت القذائف وانتشر الإعدام


ولمن لا يعرف طبيعة المجتمع في غزة، فإن عدد السكان في تلك البقعة نحو مليوني نسمة. يقول أحمد: "لا أبالغ حين أقول إنهم جميعاً يعرفون بعضهم بعضاً، فمن لا تربطهم صلة القرابة، يجمعهم النسب أو الصداقة، أو حتى الوجع نفسه. مساحة القطاع البالغة نحو 360 كيلومتراً، ساهمت في ذلك الأمر أيضاً، فقطاع غزة بعدد سكانه، يعتبر أصغر من أصغر شوارع القاهرة".

الشهيد العميل الحي بإذن الله

غالبية البشر بمختلف معتقداتهم يؤمنون بحقيقة الثواب والعقاب بعد الموت. لكن في غزة يجد العقاب طريقه قبل الموت أحياناً. يقول أحمد: "التنظيمات الإسلامية، خصوصاً حماس، كانت تصنف الناس وتوزعهم خلال الحرب بين الجنة والجحيم. فأي فلسطيني تثبت عليه تهمة العمالة لإسرائيل، حتى وإن ثبت ذلك من خلال شبهة غير واضحة، يتم إعدامه في مكان عام أمام الجماهير خلال فترة الهدنة، وتلقى فوق جثته لافتة كبيرة مكتوب عليها اسم العميل وسيرته الذاتية. وكان لهذا الفعل أثر بالغ على النسيج الاجتماعي المتهالك أصلاً في القطاع، فمن تثبت عليه تهمة كهذه حتى وإن كانت مجرد إشاعة، يوصم وعائلته بالعار وينبذهم المجتمع".

ويضيف: "وإن كان العميل أحد قيادات أو عناصر التنظيمات الإسلامية، فذلك يعني أن ينعم وعائلته بالثواب. فبعد أن يتم إعدامه بشكل سري للغاية، يتم إلقاء جثته في إحدى المناطق التي تعرضت للقصف، ليظهر وكأنه قضى شهيداً، وتقام له جنازة شعبية، ويطلق المسلحون بضع رصاصات في الهواء احتراماً لبطولاته قبل انتقاله إلى الجحيم. وترى بعد ذلك صورته معلقة على ناصية أحد الشوارع وقد كتب تحتها بالخط العريض: الشهيد الحي بإذن الله.... إرقد جوار ربك بسلام"".

أيام العز

يذكر أحمد مبتسماً: "بالعودة إلى المنزل مرة أخرى، بعد انتهاء ساعتي الهدنة، أجد النساء وقد اجتمعن على ضوء الشموع، يتحدثن عن قصص من الزمن الجميل. تلك تتحدث كيف كانت تبيع الطحين الذي كانت توزعه الأمم المتحدة على اللاجئين الفلسطينيين، وبثمنه تذهب إلى السينما، وأخرى تتحدث عن الرحلات التي كانت تنظمها العائلة للأراضي الفلسطينية المحتلة، (كان يسمح للفلسطينيين حتى اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، بدخول الأراضي المحتلة من رفح جنوباً حتى رأس الناقورة شمالاً). وهذه تتحدث عن الراقصة الحبلى التي حضرت عرسها وجاءها الطلق، وهي ترقص على خشبة المسرح". إذ كان وجود الراقصات والمطربين أمراً شائعاً في الأعراس الفلسطينية، حتى اندلاع الانتفاضة التي بدأتها التنظيمات الإسلامية بحرق الملاهي الليلية التي كانت في القطاع، ومنع الأعراس في الشوارع.

يقف أحمد يلملم حاجياته عن الطاولة استعداداً للرحيل. يمد يده مصافحاً وهو يقول: "أحببت الحرب لأنها جعلتني أشعر بأجواء من الدفء والرحمة بين الناس في مجتمع متهالك. لكن تمنيت لو كانت تلك الأجواء الجميلة هي حياتنا الطبيعية بلا حرب".

صحفي فلسطيني يعيش في القاهرة.

كلمات مفتاحية
غزة فلسطين

التعليقات

المقال التالي