"أنا حاسيبك كده زي البيت الوقف، لا متجوزة ولا متطلقة"

"أنا حاسيبك كده زي البيت الوقف، لا متجوزة ولا متطلقة"

 

"أنا حاسيبك كده زي البيت الوقف، لا متجوزة ولا متطلقة"! ربما تكون هذه الجملة هي الأشهر في الأفلام والمسلسلات المصرية. وهي الجملة نفسها المتداولة في الواقع بشكل كبير. يقولها الزوج المصري، الذي يتعنت في إيقاع الطلاق كنوع من العقاب. يساعده في ذلك، أن إجراءات حصول المرأة على الطلاق لنفسها في مصر قد تطول وتستمر عدة سنوات، فتستهلك طاقة المرأة المادية والنفسية.

تعد مشاكل الطلاق وتعدد الزوجات من أهم التحديات التي تواجه النساء في مصر. ويرجع ذلك إلى عدم ادخال تعديلات كافية على القانون من ناحية، وبطء التقاضي من ناحية أخرى. على الجانب الآخر، يعدّ قانون الأحوال الشخصية، الذي يسمى مدونة الأسرة في المغرب، نموذجاً مغايراً استطاع إنصاف النساء والرجال أيضاً، عن طريق تحقيق العدالة من داخل منظومة الشريعة الإسلامية. فما الفرق في تفاصيل قوانين البلدين؟ وهل من الممكن إنصاف المرأة بالقانون مع الالتزام بالشرع؟

سنوات انتظار الطلاق في مصر

تقول ندى نشأت، منسقة الدفاع وكسب التأييد بمؤسسة قضايا المرأة المصرية لرصيف22: "تأخذ عملية الطلاق في المتوسط أربع أو خمس سنوات، لذا تلجأ الكثير من النساء حتى الفقيرات للخلع، الذي تتنازل فيه المرأة عن حقوقها المادية، حتى تحصل على الطلاق بسرعة".

تضيف نشأت أن إجراءات التقاضي في مصر بطيئة بشكل عام، ولا تزال تتم عن طريق الكتابة اليدوية دون الاستعانة بالحاسوب الآلي لجمع أو توثيق البيانات. حتى محاكم الأسرة، التي أنشأت عام 2004 خصيصاً للفصل في هذا النوع من القضايا، لم تفلح في حسم موضوع الطلاق خلال مدة أقصر.

العنف والضرب

وتقول نشأت: "قد تذهب امرأة من حي فقير تطلب الطلاق للضرر بسبب ضرب زوجها لها، فتكون إجابة القاضي أن مثيلاتها، ممن يسكنّ في الحي نفسه، يتعرضن للضرب أيضاً، لذا تعنيفها لا يستوجب الطلاق السريع".

وعلى الرغم من محاولات منظمات المجتمع المدني لتغيير القانون المصري، الذي يستند إلى الشريعة الإسلامية، إلا أن عقوداً مضت ولم يحدث خلالها سوى بعض التغيرات، التي لا ترقى لطموحات الرجال والنساء على حد سواء.

وقدمت مؤسسة قضايا المرأة المصرية مقترح تغيير بعض مواد القانون وإجراءات التقاضي منذ 2012، كأن يعتد بأحكام الوسطاء إذ ينهي الزوجان نزاعهما عند المحامي. ثم يعتمد القضاء على النتائج التي تم التوصل إليها، ما يوفر وقتاً كبيراً على المحكمة وطرفي النزاع. إلا أن المبادرة لم تؤخذ بعين الاعتبار.

تقول رنا، وهي سيدة مطلقة: "تحديد مبلغ النفقة للأولاد مجحف جداً لأنه يكون مبنياً على الأوراق غير الحقيقية التي يقدمها الزوج، لأن دخله قليل. وفي حالتي، فلأن زوجي مسافر، تتضاعف المعاناة والوقت للحصول على معلومات عن راتبه، ثم تحديد النفقة، التي كانت ضئيلة جداً".

ثغرات القانون في مصر بالمقارنة مع المغرب

قد تكمن المشكلة الرئيسية في فلسفة القانون. فهو يعطي أفضلية أو درجة للرجل على حساب المرأة، ولا يتبنى المفاهيم الحقوقية للعصر الحالي. كما يغض الطرف عن اجتهادات إسلامية تساعد على تحقيق العدالة داخل الأسرة، ليتبنى مناهج أكثر تقليدية أو محافظة لا تهضم حق المرأة فقط، ولكن تسلب الرجل بعض حقوقه أيضاً.

ولعل ثغرات القانون في مصر وتطبيقه تظهر جلية عند مقارنتها بجارتها، المغرب. هناك نجد أن مدونة الأسرة، التي بدأ تطبيقها منذ عام 2003، تعتمد في فلسفة تشريعه على تحقيق مصلحة أفراد الأسرة، آخذة في الاعتبار مقاصد الشريعة، وضرورات العصر.

أقوال جاهزة

شارك غرد"زي البيت الوقف، لا متجوزة ولا متطلقة"... ما فعلته المغرب للأسرة وعجزت عنه مصر

شارك غردطالما برزت مشكلة قوانين الأحوال الشخصية عربياً كصدام بين الشريعة والحقوق... هل تنجح المغرب في تخطي هذا الشرخ؟


يذكر أن اللجنة التي قدمت مسودة المدونة ضمت 15 عضواً من العلماء والمحامين والخبراء في العلوم الإنسانية، من بينهم ثلاث نساء. وقد أتت المسودة على شكل لا يخالف الشريعة الإسلامية.

ينطلق القانون المغربي من مفهوم مسؤولية الزوجين عن إدارة شؤون الأسرة. بدايةً من ولاية المرأة لنفسها في الزواج، لجعل سن الزواج واحداً للرجل والمرأة وهو 18 عاماً، حتى إعطاء الحق المتساوي في إنهاء الزواج، فيمكن للمرأة أن تطلق زوجها إذا أرادت ذلك.

تشرح الدكتورة مونية الطراز، الباحثة المتفرغة في مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب لرصيف22، ظروف ميلاد المدونة والعوامل التي ساهمت في خروجها للنور. وتقول: "نجح التوافق بين علماء الدين والمعنيين بحقوق المرأة عندما تم الاستناد للقيم الكبرى التي يمكن أن نسميها إنسانية كالحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية، ويمكن أن نسميها قيماً إسلامية كبرى".

وتضيف أن الذي جمع كل تلك التيارات المتناقضة، لم يكن إلا وجود تيارات فكرية حداثية رصينة، لا تميل للإقصاء، وعلماء معتدلين ليسوا إسلاميين ولا تقليديين، "نستطيع أن نقول إنهم من مدرسة محمد عبده، أهم المجددين في الفقه الإسلامي في العصر الحديث، في التعامل مع الدين. بالإضافة إلى نمو الوعي المجتمعي الذي لم يعد يستسيغ تسلط الرجل وظلم المرأة، خصوصاً في قضايا الطلاق والزواج والعمل".

وتحاول هذه المدونة سد الثغرات في مواد القانون، لمنع التحايل في تطبيق آلياته. فنجد مثلاً أن المدونة راعت في موضوع التعدد الحرص على العدل، الذي جعله القرآن شرطاً لإتمام الزواج الثاني. فجعلته المدونة بإذن من القاضي لضرورات قاهرة وضوابط صارمة، بدل اللجوء للتعدد الفعلي غير الشرعي.

كذلك اهتمت المدونة بحقوق المطلقات، فقيدت الممارسة التعسفية للرجل في الطلاق، وجعلت للزوجة حق التطليق إذا نصت على ذلك في العقد، وكفالة حقوق المرأة المطلقة قبل الإذن بالطلاق، ووجوب الإذن المسبق من طرف المحكمة، وعدم تسجيله إلا بعد دفع المبالغ المستحقة للزوجة والأطفال على الزوج، وعدم قبول الطلاق الشفوي إلا في الحالات الاستثنائية.

توضح نشأت: "طالبنا كثيراً بأن يكون الطلاق في المحكمة، للحفاظ على حقوق المرأة بعد الطلاق، لأن الطلاق الشفهي لا يقر حقوقاً، بالإضافة إلى أنه تهديد مستمر لحياة مستقرة للمرأة".

حفظ حقوق النفقة والحضانة بعد الطلاق

ترى نشأت أن حضانة الأطفال بعد الطلاق وتوزيع الأدوار بين الأهل تحدٍ يواجهه قانون الأحوال الشخصية في مصر، الذي يحدد ساعات الزيارة بثلاث ساعات أسبوعياً وفي مكان عام. وتقول: "يترتب على هذا القانون حرمان الكثير من غير الحاضنين من وقت مثمر مع أبنائهم".

أما في المغرب، فقد أعطت الحضانة للأم، يليها الأب، ثم جدة الطفل لوالدته، في حين أن القانون المصري، يقدم المحارم النساء على الأب.

كما استجابت المدونة لمشاكل النفقة، فنصت على توفير سكن لائق للمحضون، كواجب مستقل عن بقية عناصر النفقة، مع الإسراع بالبت في قضايا النفقة في مدة أقصاها شهراً واحداً.

وفي مجال النفقة ودفعها، يلجأ الكثير من الرجال في مصر إلى حيل باتت معروفة، للتهرب من الدفع، أو تقليل المبلغ المطلوب. فنجد من يقدم ورقة تشمل راتبه الأساسي للمحكمة من دون ذكر الدخل كاملاً، أو الادعاء زورِاً أن عليه متطلبات مالية أخرى. كالإنفاق على والدته أو أخته غير المتزوجة.

وقد أقرت المدونة كذلك مبدأ جواز الاتفاق بين الزوجين على وضع إطار لتدبير أموالهما المكتسبة، خلال فترة الزواج، وفي حال عدم الاتفاق، يرجع إلى القواعد العامة. إذ يقوم القاضي بتقدير مساهمة الزوجين في تنمية أموال الأسرة.

كانت الإشكالية دائماً بين فريقين، إد يرى أحدهما ضرورة تطبيق الشريعة بالكامل، بينما يريد الآخر تنحيتها جانباً. ولكن مع بزوغ فكرة فريق ثالث يتجدد الأمل في الوصول لنقطة وسطى تحقق العدل والإنصاف من داخل التشريع، وهذه بارقة ليتها تتسع لتشمل مجالات أكثر وتفتح باباً طالما اعتقدنا أنه بلا مفتاح.

وطالما برزت مشكلة قوانين الأحوال الشخصية كصدام بين الشريعة والحقوق، وهو المعتقد الذي أثبتت خطأه مدونة المغرب، التي استطاعت جمع الفرقاء على كلمة سواء في محاولة جادة للإنصاف.

التعليقات

المقال التالي