كيف يعبّر السعوديون عن مشكلاتهم؟

كيف يعبّر السعوديون عن مشكلاتهم؟

تعاني دول الخليج من لفح رياح السموم في كل صيف، إذ تعدّ من أشد مناطق العالم حرارةً في أغسطس. لكن هذه المشكلة ليست الوحيدة التي يعانيها مواطنو دول الخليج. فثمة مشكلات أخرى، لعل أبرزها غياب مؤسسات المجتمع المدني المحصورة أصلاً في جمعيات خيرية تتنافس عليها العوائل البورجوازية، أو في جمعيات للتجّار تناقش الاحتياجات الاقتصادية للمنطقة. في ظل هذا اللهيب الحارق وغياب مؤسسات المجتمع المدني، كيف يعبّر السعوديون عن مشكلاتهم؟

الاعتراض على التطبيع

في نهاية الشهر الماضي، زارت إسرائيل مجموعة من السعوديين بقيادة أنور عشقي، لواء سابق في الاستخبارات السعودية. كانت هذه أول زيارة شبة رسمية إلى إسرائيل، وتمت في الوقت الذي ما زالت فيه السعودية تحافظ على موقفها التاريخي من المقاطعة. لذا وجد الشارع السعودي نفسه تائهاً بين سكوت المسؤولين وجوقة المؤيدين للتطبيع مع إسرائيل وعدم تعرضهم لأي مساءلة.

عقب بضعة أيام من تلك الزيارة، ظهرت حسابات من توجهات مختلفة، من بين عروبيين، وإسلاميين، وليبراليين من السعودية وغيرها تنادي بحشد الجهود للمشاركة تحت هاشتاغ موحّد بعنوان #سعوديون_ضد_التطبيع، وذلك بتاريخ وساعة محددين من اليوم.

علماً أن السعودية تحتل المركز الأول من حيث عدد المستخدمين الفاعلين على تويتر في العالم العربي، وهي تتخطى مصر بفارق الضعفين، وتشكّل 40% من عدد المستخدمين الفاعلين في العالم العربي بأكمله. بهذا الحضور الضخم على تويتر، استطاع الهاشتاغ المناهض للتطبيع أن يصل للترند Trend العالمي خلال الساعات الأولى من انطلاقه، محققاً ستة ملايين زيارة للوسم في أول 48 ساعة من انطلاقه.

وفي الثاني من أغسطس، ظهرت عريضة نشرها حساب في تويتر باسم "سعوديون ضد التطبيع"، تشجب التطبيع بنوعيه السياسي والاقتصادي، وتطالب بعدم تكرار أي زيارة لإسرائيل. العريضة التي بدأت بتوقيع ما يقارب مئة اسم، تخطى عدد موقعيها في غضون الأيام الثلاثة الأولى الألفي توقيع، تصدّرها كتّاب ومفكرون ومشائخ وإعلاميون من السعودية وجميع دول الخليج.

منذ صدورها على صفحة "سعوديون ضد التطبيع" في تويتر، توّلت حسابات المقاطعة BDS في العالم العربي نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وغّطت الحدث عدّة صحف ومواقع إخبارية. وقامت قنوات مقرّبة من الحكومة السعودية بفتح نقاش حول الهاشتاغ، كقناة المجد السعودية، ما حدا السفير السعودي لدى الأمم المتحدة، عبدالله المعلّمي، على كتابة مقال في جريدة المدينة بعد صدور العريضة بعنوان "المطبعون المطبلون" ، يشجب فيه زيارة عشقي واصفاً إياها بالرحلة "المشؤومة".

محاسبة مسؤولين في القطاع العام

لم تكن هذه المرّة الوحيدة التي يقوم فيها السعوديون باتخاذ موقف جمعي للضغط على قرارات الدولة. فعلى سبيل المثال، انتشر مقطع لوزير الصحة السابق أحمد الخطيب يحاور فيه أحد المواطنين بطريقة اعتبرها البعض فوقية. وعلى أثر ذلك، أطلق السعوديون هاشتاغ يطالبون فيه بإقالة الخطيب لسوء تصرفه، الأمر الذي دفع الملك سلمان إلى إعفاء الوزير الخطيب من منصبه. كما ساهمت ردود فعل السعوديين على تويتر في إقالة مسؤولٍ آخر، هو هشام ناظر، السفير السعودي السابق في مصر، الذي ظهر في مقطع مسجل وهو يرد بطريقة مستهترة على مواطنه سعودية طلبت منه حلاً لمشكلتها، إذ قال لها: “عندك حلول!”. قام السعوديون بإطلاق هاشتاغ يحمل كلمات الوزير المتهكمة #عندك_حلول منتقدين تصرفه ومطالبين بإقالته.

أقوال جاهزة

شارك غردوسائل التواصل الاجتماعي في السعودية: أداة ضغط من خارج مؤسسة الدولة، ولكن من داخل الشارع السعودي

شارك غردكيف طوّع السعوديون تويتر واعتمدوه بديلاً عن مؤسسات المجتمع المدني التي يمنعون من تشكيلها


حتى الرياضة لم تسلم من سوط الشارع السعودي، فمع نهاية موسم الأولمبياد في ريو دي جينيرو هذا الصيف، لم تحرز البعثة السعودية للأولمبياد أي ميدالية، مما شكل موجة غضب شعبي بين السعوديين في تويتر حيال رئيس الاتحاد السعودي لألعاب القوى نواف بن محمد.

وأطلق المغردون هاشتاغ #اقالة_نواف_بن_محمد مطلب شعبي معللين ذلك بأن السعودية لم تحرز أي نجاح يذكر في الأولمبياد خلال السنوات الخمس وعشرين الأخيرة. بعد مرور سبعة أيام على إطلاق الهاشتاغ، أصدر رئيس اللجنة الأولمبية السعودية قراراً يأمر بإعفاء نواف بن محمد وحل مجلس الاتحاد، وتعيين إدارة مؤقتة له.

منصات للممارسة السياسية والمطالبات الاجتماعية

لم يعد الوعي بقوة أدوات التواصل الإجتماعي مقتصراً على الشارع السعودي، إذ باتت السلطات واعية لمدى تأثير هذه الأدوات على الفضاء العام. وقد أقامت جمعية مسك الخيرية مؤتمر "مغردون" في الرياض في إبريل الماضي، استضافت فيه أشهر نجوم التواصل الاجتماعي في الخليج مع عدة وزراء وشخصيات خليجية بارزة، ليناقشوا طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي وأهم ما يُطرح فيها.

تحمل وسائل التواصل الاجتماعي في السعودية اليوم مطالبات السعوديين بقدر أقل من القيود، خاصة أن مؤسسات المجتمع المدني تعاني من عدة قيود ليس أقلها صعوبة تسجيلها كمؤسسات رسمية، في الوقت الذي يُمنع الحشد تحت أي مظلة غير رسمية. هذه القيود تصنع تصورًا عاماً عن المجتمع السعودي بأنه مجتمع خامل، وضعيف وبدون ملامح، والأهم من ذلك، أنه غير فاعل، ولكن حركته على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عكس ذلك.

كان لتويتر الفضل الأكبر في سرعة التنظيم الذي أظهره السعوديون خلال الحملات التي ذكرناها سابقاً. بات السعوديون يتمتعون بشبكات شبابية واسعة ومتداخلة، تستطيع أن تصنع موقفاً جمعياً تشارك فيه مئات الآلاف من السعوديين في غضون ساعات. هذه الأدوات الجديدة أتاحت تشكّل نوع جديد من المجاميع منفصل عن النخب التقليدية، وغير قائم على رموز معروفة تسيّره وتستوعبه كما جرت العادة في المملكة. استطاعت هذه المجاميع أن تبني موقفاً جمعياً منظّماً، لا نراه عادةً في الفضاء السعودي الذي استجاب لتضييق الدولة، بمعاودة تشكيل نفسه والظهور مرة أخرى ولكن من منافذ جديدة.

عام 2011، حين كانت نداءات الحرية تصدح في أرجاء العالم العربي، كانت غالبية المطالب في السعودية مقتصرةً على دولة الحقوق ومؤسسات المجتمع المدني، ولم يكن الهدف الوحيد منها المشاركة في الشأن العام فحسب، بل كذلك تحقيق المطالب التي يرتجيها السعوديون بأنفسهم، بدلاً من أن يطلبوها من المسؤول في كل مرة. ولكن الأشرعة مضت خلافاً لما تشتهي الرياح، فلم يكن للسعوديين - أو لغالبية الشعوب العربية - ما حلموا به.

اليوم، وفي ظل الغياب المستمر لهذه المؤسسات، يحاول السعوديون تطويع الأدوات والوسائل المتاحة لملء الفراغ، ولتصبح منصات التواصل الاجتماعي للممارسة السياسية والمطالبات الاجتماعية، ولمحاسبة المسؤولين من وكيل البلدية إلى الوزير، ولقول "لا" للتطبيع، مطلقين بذلك أداة ضغط من خارج مؤسسة الدولة، ولكن من داخل الشارع السعودي.

ماجد الدوحان

مدوّن سعودي مقيم في نيويورك، يكتب عن الوضع السياسي والاجتماعي في الخليج والعالم العربي. يغرّد على حساب @majidoh.

التعليقات

المقال التالي