الحياة السرية للمتعايشين مع الإيدز في مصر

الحياة السرية للمتعايشين مع الإيدز في مصر

"حين علمت أنّي مصاب بفيروس الإيدز، شعرت برعب وخوف. تخيلت أنني سأموت، فكرت أن أنتحر لأسرع إيقاع الموت. لا داعي لذكر سبب إصابتي بالفيروس، ليس من حق أي إنسان أن يسأل عن سبب إصابتي، أنا مصاب بالفيروس وهذا يكفي". بوضوح وسلام نفسي كبيرين، يحكي شهاب (28 عاماً) عن مرضه لرصيف22، على مقعد خشبي كبير بالقرب من تمثال نجيب محفوظ في ميدان سفنكس (المهندسين). لا يبدو أي حزن أو تعب أو يأس على وجه الشاب المصري. "أتعايش مع الفيروس منذ سنتين. تضحكني الصورة الذهنية السخيفة المرسومة عن حامل الفيروس، إذ يتوقع الناس أن يكون نحيلاً جداً، أو يلفظ أنفاسه الأخيرة. لا تظهر علي أي أعراض من أي نوع، لست خطراً عليك، ولن تراني وأنا أبكي وأحدثك عن ندمي وأعطي نصائح للناس كيف يقتربون من الله وإلخ إلخ... أنا بخير، وسعيد، وحياتي عادية جداً، وأحب الاستماع إلى أغاني محمد منير".

اكتشف شهاب أنّه يحمل فيروس نقص المناعة المكتسبة HIV في العام 2014، بعدما زار مقر "خدمة المشورة والفحص الطوعي الخاص بالإيدز"، التابع لـ"البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز" (حكومي). كان المقر يقع في المعامل المركزية في وسط القاهرة حينها، وانتقل الآن إلى مستشفى الحميات في العباسية. "عند علمي بالإصابة، فهمت أوّل حقيقة عن مرضي، وأن هناك فرقاً كبيراً بين الإصابة بفيروس HIV وبين الإيدز نفسه كمرض. يعيش الفيروس في جسدي ويمكنني أن أتحكم فيه بالعلاج ويظل كامناً إلى ما شاء الله، بينما الإيدز هو آخر مراحل المرض، حين يصير الجسد عرضة لأمراض انتهازية، وفي الغالب يصل الشخص لهذه المرحلة إذا لم يحصل على علاجه".

أقوال جاهزة

شارك غردبين وزراة الصحة المصرية ورسوم الجمارك والمنظمات الأجنبية، كيف يحصل مرضى الإيدز في مصر على علاجهم؟

شارك غرد"الفيروس الحقيقي هو روتين الحكومة المصرية التي ترى في المرضى فرصة للحصول على أموال" يقول مصاب بفيروس الإيدز في مصر


يقول شهاب إن المشكلة الأكبر التي يواجهها في مصر ليست مع المرض نفسه، بل مع نظرة الناس له، ومع تعنت حكومي يجبره على دفع مبالغ مالية مقابل الإفراج عن شحنات علاجه الذي يصله مجاناً كل ثلاثة أشهر.

الهروب من علاج وزارة الصحة

توفر وزارة الصحة علاج الإيدز مجاناً للمرضى المصريين، ويستلمونه شهرياً من عدة منافذ تابعة لوزارة الصحة في القاهرة والمحافظات. لكن شهاب يتجنّب الذهاب إلى مقر الوزارة، حيث يطلبون هويته الشخصية، وهو يفضل الحفاظ على خصوصيته. فرصة أن يقابل شخصاً يعرفه أثناء دخوله أو خروجه من المبنى واردة، وهذا بالنسبة له كابوس. "هناك وصمة عار حقيقية وعدم فهم للمرض، هذا سري ولا أريد لأي إنسان أن يعلم به".

بحث شهاب عن طبيب خاص ليعالجه، فنصحه باللجوء إلى منظمة خيرية أمريكية تدعى Aid For AIDS International توفر علاجاً حديثاً للمتعايشين مع الفيروس مجاناً. هناك عدة فوارق بين العلاج الذي تقدّمه وزارة الصحة المصرية، وعلاج المنظمة المذكورة.

علاج وزارة الصحة مجاني، مموّل من "الصندوق العالمي لمكافحة السيدا والسل والملاريا"، ويتألّف من برنامجين. الأول يضمّ دواءين هما Truvada وSustiva، ويضمّ الثاني دواءين هما Combivir وSustiva، ما يعني أنّ المريض يتناول قرصين من الدواء كل يوم، طوال أيام حياته.

علاج المنظمة الخيرية الأمريكية مجاني أيضاً، لكنّه أحدث، وبأعراض جانبية أقل حسب العلاج المختار من عدة أدوية متاحة، وكثيراW ما تكون المواد الفعالة في قرص واحد، عوضاً عن قرصين.

تواصل شهاب مع المنظمة الأمريكية التي طلبت منه تقارير طبية وشهادات من الطبيب المعالج، وعدة تحاليل للدم والكبد والكلى. وبعدما جهّز كل الوثائق المطلوبة، وافقت المنظمة أن ترسل له كل ثلاثة أشهر ثلاث عبوات من علاج Stribild، وهو علاج حديث، يتناول منه المريض يومياً قرصاً واحداً.

وصلت أول شحنة من الدواء لشهاب في العام 2015، عن طريق شركة شحن شهيرة. يتكفل المريض فقط بمصاريف الشح، لكن حين وصلت الشحنة الثالثة اكتشف شهاب أن وزارة الصحة المصرية أصدرت قراراً جديداً برفع قيمة ما يطلق عليه "رسوم صيدلة" على أي علاج يأتي من الخارج. فبعدما كانت تلك الرسوم تبلغ 10 جنيه فقط، أي أقل من دولار واحد، أصبحت 900 جنيه، أيّ قرابة 100 دولار. لا يسمح بخروج علاج شهاب المجاني من الجمارك المصرية في مطار القاهرة قبل أن يسدد تلك الرسوم. قدم الشاب تقارير تؤكد أن العلاج مجاني من الأساس، وبالتالي يجب ألا يدفع أي مصاريف، لكنّ إدارة الجمارك رفضت، أصرت على الدفع لتسليمه العلاج.

في مصر متعايشون كثر مع فيروس نقص المناعة المكتسبة، يلجأون إلى المنظمة الأمريكية ذاتها التي يتعاون معها شهاب. معظمهم يواجه الأزمة نفسها، ومنهم عادل (34 سنة) الذي يعمل بائعاً في أحد معارض بيع الأثاث. لم يستطع عادل دفع الزيادات التي أقرتها وزارة الصحة، وتوقف عن استلام علاجه. ففي حالة وقف العلاج ثمّ معاودته، قد يقوم الجسم برد فعل مقاوم للعلاج، ما يهدد حياة المريض.

عيادة دكتور جوهر

يساعد الطبيب المصري المختص بالأمراض المنقولة جنسياً عمرو جوهر عدداً كبيراً من المتعايشين المصريين مع فيروس الإيدز. وأصبحت عيادته في مدينة السادس من أكتوبر، ملاذاً لكثيرين منهم. يقول جوهر لرصيف22: "هناك تقدم حقيقي في علاجات الاصابة بفيروس نقص المناعة، وبسببها أصبحنا نتعامل مع المرض باعتباره مرضاً مزمناً، ليس بالضرورة قاتلاً لحامله، مثله مثل مرض السكري وارتفاع ضغط الدم. تتيح العلاجات الحديثة للمصاب بالفيروس حياة طبيعية نوعاً ما، وتقلل من كمية الفيروس الحمل الفيروسي viral load في الدم، لدرجة أنه يصبح غير قابل للفحص (Undetectable) على أجهزة الفحص. لكن هذا لا يعني أن الاصابة قد انتهت، فالعلاجات الحديثة لا توفر شفاء نهائياً من الفيروس بل تجعله تحت السيطرة دائماً. تسمّى هذه العلاجات بالعقاقير مضادة الفيروسات القهقرية (antiretroviral therapy)، ذلك لأنّ الفيروس المسبب للإيدز هو من النوع القهقري. وقد أثبتت هذه الأدوية فعالية كبيرة في السيطرة على الفيروس وإبطاء تطور المرض".

وحتى سنوات مضت كان يمكن للمتعايش أن يقضي حياته من دون علاج لفترة، قبل تدهور جهازه المناعي. ولكن، بحسب جوهر، "ظهر في السنوات الأخيرة بروتوكول أحدث، يرى أنه على المريض البدء بالعلاج فور اكتشاف إصابته، لأنّ ذلك يزيد من فرص الأشخاص المصابين في البقاء بصحة جيدة، كما أن فرص أن ينقل المصاب الفيروس لغيره تصبح ضعيفة جداً".

رسوم حكومية على علاج مجاني؟

رافق رصيف22 رحلة شهاب لحل أزمته مع وزارة الصحة، وتسلم علاجه من الجمارك في المطار. يحلم شهاب وغيره ممن يحصلون على علاجهم عبر المنظمة الأمريكية، أن تتراجع الوزارة عن قرار زيادة الرسوم المالية على الدواء المجاني أيضاً. يرى المتعايشون مع الفيروس أن تلك الرسوم غير محقة، وأن مرضهم لا يجب أن يكون وسيلة لحصول وزارة الصحة على أموال إضافية. تواصل رصيف22 مع الطبيب المصري وليد كمال، مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز التابع لوزارة الصحة المصرية، فوعد بالسعي لحلّ المشكة، وطلب أن تكون هناك شكوى مكتوبة ورسمية تقدّم للجهات المعنية. وبالفعل كتب المتعايشون شكوى تطالب بفك الحجز عن علاجهم، وسلموها لكمال الذي بدوره وعد أن يوصلها لوزير الصحة لاتخاذ قرار سريع، لكن حتى لحظة تجهيز هذا المقال لم تكن المشكلة قد حلّت.

أن تكون سورياً ومصاباً في مصر

أثناء كتابة هذا التحقيق، تواصل رصيف22 مع طبيب فضل عدم ذكر اسمه، لكنّه أطلعنا على قصة شاب سوري مقيم في مصر، حياته مهددة بالخطر، لأن القوانين المصرية تمنع وجود أجانب حاملين للفيروس على الأراضي المصرية. التقينا أمين (28 عاماً) في أحد مقاهي وسط القاهرة، ويبدو رغم نحوله، متأقلماً مع مرضه. "أعيش في مصر منذ سنة، متعايشاً مع الإيدز منذ أن كنت في سوريا، لكني لم أبدأ علاجي هناك، لأن جهازي المناعي قوي". أجرى أمين تحاليل في مصر، وتبيّن أنه بات بحاجة للعلاج. يقول لرصيف22: "لا أعرف ماذا أفعل للحصول على علاج في مصر، سمعت أن القانون المصري يرحل أي أجنبي مريض بالإيدز، أخاف أن أذهب لوزارة الصحة فيرحلونني".

يرن هاتف أمين، فيصدح بصوت أغنية "علي صوتك بالغنا"، لمحمد منير. نخبره عن شهاب، وعن عشقه لمنير أيضاً. لا يستغرب المصادفة، ويرد قائلاً: "وهو مين مابيحبش منير". رنة هاتف أمين محاولة منه للاندماج مع المصريين، بات يتحدث نفس اللهجة المصرية، وصار يعرف كل شوارع القاهرة، لكنه لا يزال "أجنبياً" بالنسبة للجهات الحكومية.

يؤكد مدير المعامل المركزية في وزارة الصحة الدكتور أحمد صفوت لرصيف22، ما كنّا نخشاه: "في حال حضور أحد الأجانب إلى المعامل المركزية بوزارة الصحة وبينت التحاليل أنه إيجابي، نخاطب جهات رسمية (لم يسمها) لترحيله خارج البلاد حتى لا تنتشر العدوى".

يقول أحد المصريين العاملين في "برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الايدز"، إن كنيسة "كل القديسين ـ مصر الملجأ"، الواقعة في الزمالك، يمكنها مساعدة أمين وتوفير علاج مجاني له. رافقنا أمين في رحلته إلى الكنيسة، حيث أخبرنا أحد العاملين فيها، أنّ "المفوضية السامية لشؤون اللاجئين" توفر خدمات عدة للسوريين بشكل خاص، وللاجئين بشكل عام في مصر عبر الكنيسة، ومنها توفير علاج أي مرض، حتى الإيدز. يتم الأمر في سرية تامة ولا تعطي الكنيسة بيانات المرضى لأي جهة في مصر. قدم أمين شهادة من طبيبه المعالج وصور عن كل التحاليل التي قام بها حديثاً. طلب منه المسؤولون في الكنيسة تحاليل أخرى وتحملوا تكاليفها، ومن المتوقع ان يستلم أمين أول عبوة من علاجه غداً.

فوضى الأرقام

من الصعب الحصول على أرقام دقيقة حول المتعايشين مع الإيدز في مصر. تؤكد بعض جمعيات المجتمع المدني أن هناك عشرات آلاف الحالات، في حين تقول وزارة الصحة إن العدد لا يزيد عن سبعة آلاف. لا تصدر الوزارة إحصائيات رسمية بشكل دوري. وقبل سنتين، بين تقرير "للجمعية المصرية لمكافحة مرض الإيدز" (غير حكومية) أن عدد المتعايشين وصل إلى 8800 عام 2014، يحصل 2147 منهم على علاج مجاني من وزارة الصحة. ويقول أحمد صفوت مدير المعامل المركزية أنه تمّ اكتشاف 1163 حالة في العام 2015 فقط، إضافة إلى مئات الحالات التي اكتشفتها المعامل المركزية هذا العام. من جانبه يقول الدكتور إيهاب الخراط، مدير برنامج الحرية من الإدمان والإيدز، إن حالات الإصابة المكتشفة في مصر تراوح بين 1 و2% من الحالات الفعلية.

ويقول الدكتور وليد كمال مدير برنامج المكافحة إن المصابين في مصر يمكن تقسيمهم إلى 82% من الرجال، و18% من السيدات، وإن من بين هذه الحالات 19% حالة انتقل إليها المرض عن طريق العلاقات الجنسية المثلية، و39% عن طريق تعاطي المخدرات، و40% بطرق أخرى، و2% من أمهات لأطفال.

بعيداً عن لغة الأرقام، يقول شهاب: "تأقلمنا مع الفيروس ولم يعد بالنسبة لنا همّاً أو مشكلة". يضيف: "الفيروس الحقيقي هو روتين الحكومة المصرية التي ترى في المرضى فرصة للحصول على أموال من دون وجه حق، والفيروس الأكثر فتكاً بنا هو وصمة العار، ما يجعلنا ندفن أسرارنا في صندوق، ولا نطلع على مرضنا حتى أقرب الناس".

 

تم تغيير أسماء المتعايشين بناء على طلبهم.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
#bestof_R22 إيدز مصر

التعليقات

المقال التالي