التلفزيون المصري يعلنها حرباً على البدينات

التلفزيون المصري يعلنها حرباً على البدينات

طوال مسيرتها الحافلة، جعلت الإعلامية الأميركية أوبرا وينفري من صراعها مع الوزن الزائد، جزءاً من شخصيتها المهنية، وفتحت الطريق لإعلاميات أخريات. فبالرغم من التمييز القائم على أساس الجنس والعرق والعمر والوزن في بعض الإعلام الغربي، نجد على شاشات "بي بي سي" مذيعات يفوق عمرهن الأربعين، وأخريات ممتلئات. لكن يبدو أن القنوات العربية لا تؤمن بالتنوّع، وغالباً ما يكون بابها مغلقاً في وجوه المذيعات اللواتي يكبرن في السن أو يزيد وزنهن. الجديد في هذا الأمر، حدث يشغل الساحة المصرية منذ أيّام، وهو وقف مذيعات عن العمل في التلفزيون الحكومي بسبب وزنهنّ الزائد.

تخرج المذيعة المصرية خديجة خطاب يومياً من بيتها متوجهةً إلى مبنى ماسبيرو في وسط القاهرة كي تقدم برنامجين هما "الليل موعدنا"، و"إطلالة"، وكلاهما يهتمان بالثقافة ويعرضان على شاشة القناة الثانية. اعتادت خطاب أن يظهر اسمها في مقدّمة برنامجَيْها، فإذا بها تجده في صدارة الأخبار مع سبعة أسماء لمذيعات شملهن قرار رئيسة ماسبيرو صفاء حجازي بالتوقف عن العمل، لأنهن "بدينات". وتسبّب القرار بألم نفسي شديد لخطاب وزميلاتها.

أقوال جاهزة

شارك غردبين الفترة والأخرى يوقف التلفزيون المصري مذيعات عن العمل بسبب "الوزن"... هل تتعارض البدانة مع الضرورات المهنية؟

شارك غردرئيسة التلفزيون المصري توقف 8 مذيعات عن العمل لشهر لإخضاعهنّ لحمية قاسية!

شعور بالإهانة

تقول خديجة خطاب لرصيف22: "برغم الروتين وقلّة الإمكانات في ماسبيرو، أحاول جاهدةً أن أقدم محتوى يعجب المشاهدين، فأهتم جداً بالتجهيز للحلقات، وأقوم بعدة بروفات حتى اتقن إلقاء بعض القصائد على الهواء. الآن مطلوب مني مواجهة بيروقراطية ماسبيرو والإهانات في الوقت نفسه؟ كيف يتم تجاهل كل المجهود الذي أقوم به وزميلاتي ويصبح الحديث عن الشكل فحسب؟ أرى نفسي سيدة تشبه ملايين المصريات". تعبّر خطاب عن دهشتها من أن رئيسة التلفزيون لم تقم بالاجتماع بالمذيعات، كل على حدة، وتتحدَّث معهن عن قرارها. وتستغرب كيف بات وزن المذيعات موضوعاً للنقاش يخرج إلى وسائل إعلام مختلفة، لم يتردّد بعضها في السخرية من الإعلاميات المصروفات.

وبحسب القرار سيتم وقف المذيعات الثماني لمدة شهر حتى يخضعن لريجيم قاس يجعل وزنهن مناسباً. ولم يصدر القرار بشكل عشوائي، بل يأتي ضمن خطة وضعتها صفاء حجازي تهدف "لإعادة الريادة لماسبيرو". تحاول حجازي التي كلفها النظام الحالي مهمة رئاسة ماسبيرو في 23 أبريل الماضي، جعل القنوات الحكومية مؤثرة مرة أخرى في المصريين، بعدما ابتعدوا عنها لقنوات مصرية خاصة وعربية. وتعتقد حجازي أن خسارة المذيعات لوزنهن مهمة، إذ تجعل المصريين يعودون مرة أخرى لمتابعة التلفزيون الحكومي.

"مقاييس حسن المظهر"

تقول مذيعة أخرى (رفضت ذكر اسمها) لرصيف22، "لم تقترب رئيسة التلفزيون من عشرات المذيعين الذين التحقوا بالعمل في ماسبيرو بالمحسوبية والعلاقات، هناك من لا يقرأ لغة عربية سليمة، وهناك من لديه مشاكل في مخارج الحروف، أو من لا يمتلك أي قدر من الثقافة، رغم أنها المؤهلات الحقيقية والمنطقية للعمل كمذيع. تركت حجازي كل أولئك يطلّون بشكل عادي على الهواء في كل القنوات، وتريد أن توقف من لا تعجبها شكلها؟ هل هذه مهنية؟ نعم مهم أن تهتم المذيعة بشكلها ونحاول أن نفعل ذلك دائماً، لكن من قال إن هناك وزناً ثابتاً للمذيعة؟ هناك مذيعات بدينات في أشهر القنوات، الوزن ولون البشرة وحتى الشكل لم تعد مقاييس للعمل في أهم القنوات العالمية، لكن في مبنانا التعيس كل شيء مباح على حساب كرامة المذيعات".

في كل إعلانات طلب مذيعين جدد لماسبيرو توضع جملة "يشترط حسن المظهر" في صيغة الإعلان، لكن لم يحدد ماسبيرو، منذ تأسيسه في العام 1960، مقاييس لحسن المظهر، وباتت كل لجنة يشكلها ماسبيرو لاختيار مذيعيه الجدد هي التي تحدد تلك المقاييس.

ليست هذه المرة الأولى التي يتم وقف مذيعين عن العمل بسبب الوزن، ففي شهر أبريل من العام 2014، كلف كل رؤساء القطاعات باتحاد الإذاعة والتلفزيون، بأن يصدورا تعليمات إلى جميع المذيعات بالمبنى، بضرورة الحفاظ على الوزن واتباع نظام غذائي قاس لتخفيض الوزن حتى لا يتعرضن للاستبعاد عن الشاشة. كانت صاحبة القرار هي وزيرة الإعلام وقتها درية شرف الدين، التي طلبت بشكل رسمي ألا تظهر على الشاشة مذيعة بدينة، خصوصاً في نشرات الأخبار. وفي شهر أكتوبر 2002 صدر أول قرار مكتوب يهدد المذيعات البدينات بعدم الظهور على الشاشة إذا لم يتبعن حمية. حمل القرار توقيع زينب سويدان التي كانت تعمل رئيسة للتلفزيون المصري.

إعلام ونواب ضدّ البدانة

بعض وسائل الإعلام المصرية تتعامل مع بدانة مذيعات ماسبيرو بعنصرية شديدة. المثال الأكثر فجاجة هو مقال نشرته مجلة "روز اليوسف" الحكومية منتصف العام الماضي حمل عنوان "موضة المذيعة الكلبوظة" (كلبوظة كلمة عامية ساخرة تعني بدينة). حمل المقال عبارات مهينة لبعض المذيعات بسبب وزنهن. كما نشر موقع "اليوم السابع" مقالًا بعنوان "10 نصائح لمذيعات ماسبيرو" لإنقاص وزنهن فى شهر والعودة للشاشة.

الأغرب أن لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب المصري - أغلب أعضائها سيدات - أيدت قرار رئيسة ماسبيرو، معتبرةً أنه من "غير اللائق" أن تكون المذيعة بدينة. ووصل الأمر ببعض النواب من أمثال ميرفت ميشيل نصيف، وغادة صقر، حدّ إرسال بيانات صحافية يؤكدن فيها أن القرار ليس خاطئاً، وأن المذيعة ليست مضموناً فقط، لكنها شكل أيضاً.

كذلك رفض مركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية (منظمة مجتمع مدني غير حكومية) القرار، معتبراً أنه تمييز حقيقي ضد المرأة ويتناقض مع نصوص الدستور المصري. اعتبر المركز في بيان أرسله لوسائل الإعلام أن قرار صفاء حجازي يتعامل مع المرأة باعتبار أنها سلعة. وتنص المادة الحادية عشرة من الدستور المصري على أن "تكفل الدولة للمرأة حقها فى تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها".

وخلافاً لتعامل بعض المواقع المصرية مع الأمر، نشرت صحيفة "تلغراف" البريطانية تقريرًا اعتبرت فيه أن تعليق عمل 8 مذيعات بزعم بدانتهن خاطىء، مستشهدةً بمثال أوبرا وينفري المذيعة الأشهر في العالم. لا يختلف الأمر كثيراً في سائر الشاشات المحلية والعربية مثل "الجزيرة" و"العربية"... إذ قلما تجد على الشاشات العربية مذيعات بدينات، وكأن الفكرة غير واردة من الأساس.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
ماسبيرو مصر

التعليقات

المقال التالي