فلنوقف زواج الأطفال في مصر!

فلنوقف زواج الأطفال في مصر!
طفلة في العاشرة من عمرها، ترتدي فستان زفاف ملوّناً، تكسو وجهها كمية كبيرة من مساحيق التجميل، وخصلات شعرها الملون بالأصفر الفاقع والمزيّن بتاج يكاد يفوق حجم رأسها. يجلس إلى جوارها طفل يكبرها بسنوات قليلة، يرتدي بذلة سوداء وربطة عنق، يصل طولها إلى فخذه. والنسوة يزغردن احتفالاً بهذه المناسبة: الزيجة المبكرة.

عام 2010، أعلن مركز المعلومات أن هناك 153 ألف حالة زواج قاصرات. ووفقاً لدراسة أعدتها هيئة الأمم المتحدة في مايو 2013 تحت عنوان "القضاء على زواج الأطفال في المنطقة العربية"، تضم مصر أكبر عدد من زيجات الأطفال في المنطقة العربية. وتصل نسبة الزيجات قبل سن 18 سنة إلى 17% من إجمالي الزيجات، ويزداد في المناطق الأكثر فقراً. واحدة من كل 6 فتيات يتم تزويجهن قبل سن الـ18. و9% من مجمل الأطفال المولودين حديثاً هم لنساء قاصرات.

ستر للفتاة وخلاص للأب...

تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً صوراً من حفل زفاف طفلين في إحدى قرى مدينة المنصورة، في محافظة القليوبية. تلت ذلك تصريحات صحفية لوالد الطفل، مختصرها أنه أعد شقة مساحتها 200 متر لتكون الشقة الزوجية للطفلين. وهذا ما أثار الكثير من الجدل، واستدعى إرسال المجلس القومي للطفولة والأمومة بلاغاً للنائب العام حول الواقعة. في مقابلة مع د. علي أبو ليلة أستاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس قال لرصيف22: "خطبة الأطفال أو القول إن فلان سيتزوج فلانة هو عرف تقليدي تتبعه بعض الأسر بوصفه نوعاً من الترابط الأسري". أحياناً أيضاً تمارس هذه العادات من منطلق حجز الفتاة حتى لا تتزوج من خارج العائلة. وهي ثقافة مرتبطة بالمجتمعات الريفية والقبليّة في الصعيد والمناطق الشعبية في القاهرة. يشرح أبو ليلة أنه تحت مسمى الستر والإسراع في تزويج الفتيات فور بلوغهن، تقبل الأسر بأول خاطب يتقدّم للزواج، وغالباً يتم الزواج لضيق الحال والتخلص من الأعباء المادية".

الأولاد يتزوجون والأهالي يجمعون "النقوط"

في واقعة زواج الأطفال في قرية المعصرة التابعة لمركز بلقاس بمحافظة الدقهلية، قال والدا الطفلين إنهم لجآ إلى ذلك لجمع "النقوط"، وهو المبلغ الذي يدفع على سبيل المجاملة في حفلات الزواج، مبررين ذلك بحاجتهما المادية. ويقول أبو ليلة إن الرغبة في استرداد الأموال لا يمكن اعتبارها مسبباً رئيسياً للظاهرة، بل أحد المسببات، لأن هذا سلوك اجتماعي ناتج عن الأزمات المالية. ويقول جابر عبدالعال، حارس عقار في القاهرة ينتمي إلى أصول صعيدية: "الزواج ستر للفتاة كما أنه وسيلة للتخفيف من أعبائي المادية، لذلك زوجت ابنتي الكبرى في عمر 12 سنة بمجرد ظهور علامات البلوغ عليها. يكفيني مصروف أخواتها السبع، كما أنني تزوجت والدتها وهي في عمرها نفسه".

عن أي ممارسة جنسية نتحدّث

لدى الحديث عن زواج الأطفال يتبادر إلى الأذهان التساؤل حول قدرة الطفل على إقامة علاقة جنسية. وقد أوضحت د. علياء جاد، الطبيبة المتخصصة في التعليم الصحي، أنه بحسب تعريف ما هو طبيعي، يبقى الولد في سنوات المراهقة متردداً بين القدرة على الانتصاب أحياناً والفشل في أوقات أخرى، وبالطبع هناك تعثّر في الممارسة الجنسية. وتضيف: "المعاشرة الجنسية في سن صغيرة غالباً تكون ضد رغبة الفتاة، أو يصاحبها خوف شديد. ما يسبب لها صدمة قد تؤدي إلى تشنجات مهبلية تجعلها تنفر من ممارسة الجنس، وتصبح غير قادرة على الحمل. وبسبب صغر حجم الأعضاء التناسلية للفتاة، قد تحدث تمزقات في العجان مع العملية الجنسية (العجان هو المسافة بين المهبل والشرج)، وتؤدي لنزيف شديد قد يؤدي إلى الوفاة، وربما صغر حجم الأعضاء التناسلية مسؤول عن عدم القدرة على إتمام الحمل والإجهاض المبكر".

AChildBride

التحايل مشروع في ظلّ التشريعات غير الفاعلة

وقعت مصر على اتفاقية حماية الطفل عام 1990 ودخلت حيز التنفيذ عام 1991. أعقب ذلك إقرار قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالمادة 116 مكرر من قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008، ويجرم توثيق عقد زواج لمن لم يبلغ من الجنسين 18 سنة. كذلك، يُشترط للتوثيق أن يتم الفحص الطبي للراغبين في الزواج للتحقق من خلوّهما من الأمراض التي تؤثر على حياة أو صحة كل منهما، أو على صحة نسلهما، ويعاقب تأديبياً كل من وثّق زواجاً بالمخالفة لأحكام هذه المادة.

أقوال جاهزة

شارك غردطفلة في العاشرة، ترتدي فستان زفاف ملوّنا، تكسو وجهها كمية كبيرة من مساحيق التجميل، وجنبها يقف طفل بربطة عنق…

شارك غردكيف يتحايل الأهل على القانون لتزويج أطفالهم في مصر...


وفقاً للمادة 277 من قانون العقوبات، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين أو بغرامة لا تقل عن 300 جنيه، من يخفي معلومات أمام السلطة المختصّة حول سن المقبلين على الزواج. ويعاقب بالحبس أو بغرامة لا تزيد عن 500 جنيه، كل شخص يعقد زواج طرفين لم يبلغ أحدهما أو كلاهما السن القانونية، ولا يوجد قانون يحدد علاقات الخطبة.

لكن كيف تتم زيجات الأطفال المخالفة للقانون؟ يجيب رضا الدنبوقي، المحامي والمدير التنفيذي لمركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية: "الزواج يتم من خلال عقد عُرفي، وهروباً من المساءلة، ترتدي العروس فستان بلون مغاير للأبيض، ويتم الحفل أمام منزل العريس"، ووفقاً للعرف يعتبر هذا زفافاً وليس خُطبة.

ويضيف: "يتم إتلاف شهادة الميلاد، واستخراج شهادة تسنين من قبل الأطباء، لاستخراج بطاقة الرقم القومي، وإتمام عملية الزواج. وهناك أيضاً الزواج العرفي الذي يتمّ على يد محامٍ، ويجري عقد القران بعد بلوغ العروس 18 سنة". تتكرر كثيراً حالات فشل الفتيات، اللواتي يبلغن أقل من 18 عاماً، في الحصول على نفقة أو مؤخّر صداق بعد الطلاق، لأن زواجهن عرفي ويصعب إثباته قانونياً. يقول الدنبوقي إن نشر أخبار وصور زيجات الأطفال عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد ساهم بشكل كبير في زيادة الوعي، ورفض هذه الظاهرة. ورأى أنه يمكن السيطرة عليها من خلال إلغاء مهنة المأذون، والاستيعاض عنها بتوثيق عقد الزواج في الشهر العقاري.

الشيخوخة المبكرة تلي الزواج المبكر

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية بلغت نسبة وفيات الأمهات بمصر 52 سيدة لكل 100 ألف مولود حي عام 2015، مقابل 84 سيدة عام 2000. ووفقاً للمسح السكاني الصحي لعام 2014، بلغت نسبة السيدات المصريات اللّواتي أصبحن أمهات في الفئة العمرية من 15 إلى 19 عاماً في الريف 45%، مقابل 26% في الأماكن الحضرية.

يذكر د. عمرو حسن، اختصاصي أمراض نسائية وتوليد في جامعة القاهرة، الحالة الصحية المتردية لسيّدة، ظن بداية أنها أربعينة، لكن تبين أن عمرها 20 عاماً، وأنجبت 5 مرات. وهذا ما أتعب جسدها وأضعفه لدرجة أدت إلى ما يُعرف بالشيخوخة المبكرة. ويقول حسن إن الزواج المبكر يعني ولادة متكررة، في مرحلة يكون جسد الفتاة في مرحلة النمو، وكل الغذاء الذي يفترض أن يذهب إلى نموها يتحوّل للجنين، فتضعف صحتها. أو يضطر الطبيب لتوليدها بعملية قيصرية، كما ترتفع نسبة الإصابة بتسمّم الحمل وضغط الحمل قبل بلوغ سن 18 عاماً.

التعليقات

المقال التالي