شارلي إيبدو للمسلمين: تلحلحوا!

شارلي إيبدو للمسلمين: تلحلحوا!

عادت صحيفة "شارلي إيبدو" إلى صدارة الأخبار في فرنسا، بعدما خصّصت غلاف عددها الجديد لنقاش منع ارتداء البوركيني على الشواطىء الفرنسيّة، تحت عنوان "إصلاح الاسلام".

يأتي ذلك بعدما أصدرت بلديتا مدينتين في جنوب فرنسا قراراً بحظر السباحة بالبوركيني خلال الأسبوع الماضي، ما أثار جدلاً بين أنصار تطبيق معايير العلمانية في الفضاء العام، والمدافعين عن حرية التعبير والمعتقد وحقّ الأفراد باختيار ملابسهم. وانضمّت بلدية كورسيكا أمس إلى الموجة، فمنعت البوركيني، إثر شجار عنيف السبت بين عائلات من أصول مغاربية وسيّاح كانوا يصوّرون شابات يرتدين البوركيني على شاطىء الجزيرة التابعة لفرنسا.

إصلاح الاسلام

حمل غلاف "شارلي ايبدو" توقيع الرسام ريس، ويُظهر رجلاً ملتحٍ ومحجّبة يركضان عاريين على الشاطىء، مع عنوان: "إصلاح الاسلام: أيها المسلمون تلحلحوا" (بمعنى تحرّروا أو فكّوا القيود التي تكبّلكم وامرحوا قليلاً). وكما هو متوقع، لم يمرّ الرسم مرور الكرام، إذ اعترض بعض المعلّقين على مضمون الرسم عبر صفحة الجريدة على فيسبوك، ووصل ببعضهم الأمر إلى حدّ تويجه "تهديدات بالقتل" لفريق الجريدة. وتقدّمت الصحيفة الأسبوعية بشكوى قضائيّة، كنوع من "الوقاية"، بعدما تلقّت تهديدات وشتائم بسبب الرسم.

أقوال جاهزة

شارك غردعلى غلاف آخر أعدادها تطالب "شارلي ايبدو" بإصلاح الاسلام من خلال رسم لملتحٍ ومحجبة عاريين

شارك غردغلاف شارلي ايبدو الأخير: حرية تعبير أم نشر للكراهية؟

ويحقق الأمن الفرنسي حاليًا في تلك التهديدات التي تعدّ الثانية من نوعها منذ الهجوم على "شارلي ايبدو" مطلع 2015، وقتل عدد من رساميها. وفي 22 يونيو الماضي، تقدّمت الجريدة بشكوى ضد مجهول للسبب ذاته، ولا يزال مقرّها تحت حراسة عناصر الشرطة.

إلى جانب غلاف المسلمَيْن العارَييْن، نشرت الجريدة رسمًا آخر عبر صفحتها على فيسبوك لامرأة ترتدي البرقع وتقف بجانب زوجها الملحتي، كأنها مظلة شمسية.

جرأة أم تمييز؟

واحتدم النقاش حول الرسمين عبر صفحة "شارلي ايبدو" على فيسبوك، بين من شجّعوا الجريدة على جرأتها، وبين من رفض طريقتها النمطيّة في تصوير المسلمين، وكأنّهم مجموعة من المكبوتين جنسيَاً، معتبرين أنّ المشكلة في الاعتداءات الارهابية لا تحلّ مع المزيد من التنميط والتمييز بحقّ المسلمين.

من جهته، قدّم ريس في افتتاحية العدد، رؤيته لما أسماه "إصلاح الإسلام"، وكتب: "قد حان الوقت للاعتراف بوجود توتر بين الإسلام والديمقراطية: المزيد من المتطرفين، المزيد من المحجبات، المزيد من الملتحين، المزيد من المساجد العابقة برائحة الكبريت. أرادوا أن يضللونا بالادعاء أنّ الهجمات الإرهابية كانت مجرّد نتيجة "لمشاكل نفسية"، وبالقول أن المشكلة مع الإسلام ليست في الإسلام بل في العلمانية. السؤال: كيف نصلح الإسلام؟ عندما ننظر إلى السرعة التي غير بها العلمانيون نمط حياتهم للتأقلم مع إرهاب المتطرفين، في حين أنّ المسلمين لم يبدأوا بتطبيق أيّ تغييرات أنفسهم، نفهم أن السؤال بات باطلاً".

لا يختلف منطق ريس كثيراً عن الخطاب التمييزي الذي يصر على أن "المشكلة مع الإسلام" مشكلة ثقافيّة، وأن التطرّف والارهاب نتاج طبيعي "لثقافة انغلاقية مليئة بالأمراض العقلية والكبت الجنسي". يعمّق ذلك التفكير الشرخ، ويخلف المزيد من المتطرفين الراغبين بتحدّي الأفكار النمطية عن ثقافتهم ومجتمعهم، ويزيد من التعصّب المتبادل وسوء الفهم. وصحيح أن السؤال حول اإصلاح الإسلام سؤال يؤرق المسلمين والعلمانيين العرب قبل غيرهم، لكن "شارلي ايبدو" ارتأت مواجهته بالمزيد من التنميط الصادم، تحت عنوان السخرية، بعيداً عن أيّ نقاش جدّي.

اعتياش على الكراهية

غلاف "شارلي ايبدو" حظي بالكثير من التعليقات الإيجابية على فيسبوك، إذ رأى بعض المعلقين عليه أن الوقت حان لخطاب صادم ضد بعض العادات الانغلاقية، بعد كل ما شهدته فرنسا من هجمات، وبعد مظاهر التطرّف المتزايدة في المجتمع الفرنسي. ودافع بعض المعلقين عن حرية المجلة بالتعبير وانتقاد الأديان كافة، لأن ذلك يندرج تحت شعار حرية الصحافة والسخرية التي قتل بسببها رسامو المجلة العام الماضي.

معلّقون آخرون كان لهم وجهة نظر مختلفة، فسأل أحدهم: "أنا مسلم، ولم يزعجني الرسم. إن أراد أحدهم السخرية من الإسلام، فتلك ليست مشكلتي. لكن لدي سؤال، لماذا تندرج السخرية من المسلمين تحت خانة حرية التعبير، في حين تسمّى "معاداة سامية" أو "عنصرية" عندما تطال اليهود أو أعراق وأديان أخرى؟".

ورأى معلّق آخر أن "شارلي ايبدو" باتت تعتاش على نشر الكراهية المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين والملحدين، وأضاف: "أترككم مع صدام حضاراتكم، قتالاً موفّقاً".

وسأل آخر: "لا أعرف لماذا ما يزال هناك من يدفع المال لشراء هذا الهراء. تخيلوا أنه بدلاً عن رسم المسلم كان هناك رسم لرجل ببشرة سوداء، مع عضو ذكري كبير. ماذا سيكون التعليق؟ ألم يكن الرسم سيوصف بالعنصرية؟".

وكتب أحد المعلّقين أن إصلاح الإسلام أو التصالح مع المسلمين في المجتمعات العلمانية، لا يمرّ بهذا النوع من التنميط والإقصاء. ورأى آخر أن الرسم في السياق الحالي، بعد كلّ ما شهدته فرنسا من هجمات ودماء، خطوة غير مقبولة، وتكريس لفكرة الاستهزاء بمعتقدات الآخرين، في حين أن الجميع يتحملون المسؤولية، ومهددون بأمانهم وحياتهم.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
فرنسا

التعليقات

المقال التالي