المسجد الأقصى... هل مكانه الحقيقي في السعودية؟

المسجد الأقصى... هل مكانه الحقيقي في السعودية؟

شهدت الأوساط المتدينة في إسرائيل في 13 أغسطس حالة من الحزن الشديد والحداد، في ذكرى خراب الهيكل، وفقاً للأساطير اليهودية، التي تقول إن الخراب الأول لهيكل سليمان حدث على يد الملك البابلي نبوخذ نصر. وبعد مرور نحو 550 عاماً، وفي اليوم التاسع نفسه من آب، دمر الرومان الهيكل الثاني.

ومع تعالي أصوات كبار الحاخامات بضرورة بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى، لإقامة مملكة إسرائيل الكبرى، وظهور المسيح المخلص، ظهرت كتابات عدة تحاول تفنيد أحقية المسلمين في القدس والمسجد الأقصى. وتذهب إلى أن المسجد الذي ورد ذكره في القرآن ليس في القدس من الأساس، إنما في السعودية، وأن "الادعاءات" الإسلامية ظهرت فقط بعد وفاة النبي محمد بنحو نصف قرن.

أشهر هؤلاء الكتاب هو المستشرق الإسرائيلي مردخاي كيدار، المحاضر في القسم العربي في جامعة بار إيلان، والباحث في مركز بيجن السادات للأبحاث الاستراتيجية.

كتب كيدار مقالاً مطولاً في موقع "ميدا" العبري، تحت عنوان "الأكاذيب الإسلامية حول القدس والأقصى"، استخدم فيه كل ما اعتبره "أسانيد منطقية وتاريخية"، لسلب المسلمين أحقيتهم في المسجد الأقصى. نورد هنا ترجمة النص الحرفية، للتعريف بوجهة نظر إسرائيلية يتم تداولها بين الحين والآخر، ولفتح مجال الرد أمام الباحثين في العالم العربي، لمواجهة هذا الرأي بالأدلة والإسنادات:

يقول المثل العربي الشهير :"إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً"، والسبب واضح: على الكاذب أن يتذكر أكاذيبه، ولمن قالها. لأنه إن لم يفعل، فقد يناقض نفسه وتنكشف أكاذيبه. تنطبق هذه القاعدة أيضاً على مسألة هامة هي القدس، التي تعتمد قدسيتها في الإسلام السني على تحليل سياسي وآية من القرآن لاحقاً، بينما في الإسلام الشيعي، فإن ثالث مدينة في قدسيتها بعد مكة والمدينة هي النجف جنوب العراق.

تشير مصادر إسلامية قديمة إلى أن المسجد الأقصى المذكور مرة واحدة في القرآن، كان واحداً من مسجدين بالقرب من قرية في شبه الجزيرة العربية (السعودية حالياً) اسمها جعرانة، بين مدينتي مكة والطائف.

أطلق على أحد المسجدين القريب من القرية "المسجد الأدنى"، بينما سمي الآخر الأكثر بعداً "المسجد الأقصى"، المذكور في القرآن في السورة الرقم 17 (الإسراء)، التي تصف أسطورة إسراء محمد من "المسجد الحرام"، الذي كان في مكة، إلى "المسجد الأقصى" الذي كان في جعرانة.

بعد 50 عاماً على وفاة محمد، في عام 682 تمرد عبد الله ابن الزبير الذي كان فتوة مكة على حكم بني أمية الذين حكموا في دمشق، وأغلق الطرق ومنع أبناء دمشق من الحج في مكة. فاختاروا القدس مرغمين كمكان بديل للحج، الذي يعد أحد أركان الإسلام الخمسة، ولترسيخ اختيارهم للقدس تحديداً، اخترعوا أكذوبة أن المسجد الأقصى المذكور في القرآن ليس موجوداً بجعرانة بل في القدس. هكذا ربطوها بالأسطورة القرآنية عن رحلة محمد ليلاً لـ"المسجد الأقصى" المذكورة في القرآن، ومن هنا جاء المفهوم لدى الإسلام السني بأن القدس هي ثالث أقدس موقع في الإسلام السني.

لم يقبل الشيعة الذين اضطهدوا بشدة على يد الأمويين بأكذوبة أن القدس مكان مقدس، لذلك فإن ثالث أقدس مدينة للشيعة هي النجف بجنوب العراق، حيث دُفن علي بن أبي طالب مؤسس المذهب الشيعي، والعديد من علمائه. فقط بعد ثورة الخميني عام 1979 رفع الشيعة، وتحديداً الإيرانيون وحزب الله، القدس على راية القدس، حتى لا يتهمهم السنة بالميل للصهيونية.

أقوال جاهزة

شارك غردعرض لوجهة نظر إسرائيلية يتم تداولها بين الحين والآخر، ودعوة للباحثين في العالم العربي لمواجهتها بالأدلة والإسنادات


الكذبة الأولى إذن، هي حقيقة الزعم بأن "المسجد الأقصى" موجود بشكل عام في القدس، وعلى هذه الكذبة أضافوا أكاذيب أخرى، تحديداً ما يتعلق بالمكان الدقيق للمسجد الأقصى في القدس. حتى وقت ليس ببعيد، كان المسجد الأقصى هو المبنى الموجود جنوب جبل الهيكل الذي ترتفع على سطحه قبة فضية.

سميت كل منطقة جبل الهيكل "الحرم القدسي"، "المكان المقدس الشريف". لكن بعد حرب الأيام الستة (5 يونيو 1967)، بدأت تتردد أصوات في المجتمع اليهودي، خصوصاً صوت حاخام حيفا "شيئار ياشوف كوهين"، الذي دعا لإقامة معبد يهودي على منطقة جبل الهيكل. كان الافتراض أن المسلمين لن يعترضوا، لأن الأقصى موجود جنوب الموقع. كذلك الحاخام شلومو جورين، أراد فور انتهاء حرب الأيام الستة إقامة مناسبات دينية في جبل الهيكل.

جبل الهيكل هو جبل موريا

رداً على تلك الأفكار، قرر المسلمون أن "الأقصى" الذي يظهر في القرآن ليس فقط المسجد الكائن جنوب الموقع، بل الموقع كله. ولترسيخ تلك المزاعم، توقفوا عن استخدام مصطلح الحرم الشريف كتسمية لموقع جبل الهيكل، وبدلاً من ذلك أطلقوا على الموقع كله اسم "المسجد الأقصى". (خصص البروفيسور إسحاق رييتر جلسة خاصة لهذا الموضوع في كتابه "من القدس إلى مكة والعودة: الاتحاد الإسلامي حول القدس" (معهد القدس للدراسات الإسرائيلية- 2006).

لكن التوسع في هذه الكذبة مكشوف ومعروف، وسوف نستشهد هنا بوثيقتين لكشفها: إحداهما معروفة والثانية ليست معروفة كثيراً.

المعروفة عبارة عن كتيب ألفه المفتي الحاج أمين الحسيني عام 1924، وطبع بلا تغيير مرات عديدة في السنوات اللاحقة. حمل الكتيب عنوان "دليل موجز للحرم الشريف- القدس". وليس الأقصى. يظهر المسجد الأقصى كفصل في الكتيب، ثم يتحدث الكاتب عن قبة الصخرة الموجودة وسط الموقع بقبتها المذهبة، وبعد التحديد أنها حيث كان معبد سليمان. وبالتالي وفقاً لمفتي القدس آنذاك، فإن المسجد الأقصى هو المبنى الموجود جنوب موقع جبل الهيكل. كان هذا هو الحال في الماضي.

أما الوثيقة الأقل شهرةً فقد صورتُها خلال زيارة قمت بها أخيراً لنيويورك لدى صديقي حاييم شتينبرجر، الذي يملك مجموعة كبيرة من خرائط أرض إسرائيل. عرض حاييم أمامي خريطة سياحية أردنية للقدس، خُطت عام 1965، قبل عامين من حرب الأيام الستة، عندما كانت القدس الشرقية واقعة تحت احتلال المملكة الأردنية الهاشمية، دون أن يهمس العالم بكلمة واحدة حتى ضد هذا الاحتلال غير الشرعي. الخريطة رسمها مساح رسمي أردني يدعى عبد الرحمن رصاص، وحصلت على تصديق سلطة السياحة الرسمية بالحكومة الأردنية. لذلك يمكن القول إن الحديث يدور عن خريطة رسمية أردنية.

بإمعان النظر في الخريطة يتضح أنه عام 1965 قبل نحو 30 عاماً على معاهدة السلام بين المملكة الأردنية وإسرائيل، كان موقع جبل الهيكل ما زال يسمى الحرم الشريف، وهو موجود على جبل موريا، بينما المسجد الأقصى هو فقط المبنى الواقع جنوب المكان. فقط بعد أن حرر اليهود مكان معبدهم في حرب الأيام الستة يونيو 1967، قرر كذابو الإسلام توسيع "المسجد الأقصى"، الذي هو في الأصل كما ذكرنا في صحراء السعودية، جوار المبنى الواقع جنوب جبل الهيكل إلى جبل الهيكل برمته. لئلا يخطر على بال اليهود اتباع كلام الحاخامات جورين وشيئار يشوف كوهين، وبناء معبد في الجبل.

على سبيل المثال، في الخطاب الذي ألقاه في 4 يناير 2002 الشيخ عكرمة صبري، الذي كان مفتي القدس وفلسطين بين السنوات 1994 و2006، ظهر المقطع التالي:

"أيها المسلمون، عندما نتحدث عن المسجد الأقصى المبارك، فإننا نتحدث عن مساحة 144 دونماً (كل منطقة الحرم الشريف) بما في ذلك الجدران والأسوار وضمنها حائط البراق (حائط المبكى)، وكذلك الأعمدة والممرات والردهات والساحات، بالإضافة للأقصى المغطى (المبنى في الجنوب)، والأقصى القديم (تحت المغطى)، والمصلى المرواني (اسطبلات سليمان) والصخرة المشرفة (صخرة الشرب، أسفل قبة الصخرة)، كلها هي الأقصى".

لكن تأتي هنا كذبة أخرى تكشفها الخريطة، وهي موقع الهيكل. استمعت خلال السنوات الماضية لعدد من خطب الجمعة (التي للأسف لم أسجلها)، وزعم فيها الخطباء أن "الهيكل المزعوم"، المعبد (اليهودي) لم يكن في القدس يوماً، لأن جبل موريا ليس بالقدس. في إحدى المرات سمعت مزاعم بأن المعبد كان في جبل سيناء، وفي مرة أخرى سمعت أنه كان في جبل جرزيم، وأن السامريين يحافظون على التقاليد اليهودية الأصيلة. لكن الخريطة الأردنية تعري أكاذيب هؤلاء الخطباء.

وبخصوص كذبة إسلامية أخرى تتحدث عن سعي دولة إسرائيل على ما يبدو لهدم الأقصى، كتب نداف شرجاي كتاباً كاملاً تحت عنوان "فرية الأقصى في خطر- صورة من الكذب" (مكتبة معاريف ومركز القدس للشؤون العامة والسياسية، 2012).

السؤال هو لماذا المسلمون حريصون جداً على مسألة الأقصى، لدرجة أنهم حولوا هذا الكذب تقريباً إلى جوهر إيمان. السبب بسيط: الإسلام، كما يرى نفسه، دين لم يصل العالم بهدف العيش بسلام مع اليهودية والمسيحية اللذين سبقوه، بل لإلغائهما واستبدالهما.

الإسلام كما يرى نفسه هو "الدين الحق"، بينما اليهودية والمسيحية هما "الدين الباطل". يخشى المسلمون من أن تؤدي عودة اليهود إلى بلدهم، ومدينتهم ومعبدهم إلى إعادة اليهودية لوضع الدين الحي، القائم والفاعل والحقيقي، وضع سوف يطرح علامة استفهام، وتهديد لاهوتي لحقيقة وسبب وجود الإسلام.

لذلك، فإن أي نشاط يهودي، وتحديداً صلاة اليهود، في جبل الهيكل، تدفعهم للجنون، وسوف يفعلون أي شيء، بما في ذلك اختلاق الأكاذيب، لمنع اليهود من العودة لمدينتهم، ومعبدهم ومكانتهم، التي نفوا بعيداً عنها قبل نحو ألفي سنة.

لهذا فإن الصراع على القدس، هو في جوهره معركة لاهوتية نابعة من عدم قدرة المسلمين على الاعتراف بماضيهم والحقوق الدينية لأبناء الديانات الأخرى، التي يقضي الإسلام ببطلانها. كل الاعتبارات الأخرى للصراع - الوطنية والسياسية والقانونية هي طبقات عليا، تغلف الاعتبار الديني للصراع بين إسرائيل وجيرانها.

في هذه الأيام، وبعد أن حظينا برؤية عودة صهيون، نطرح ذكرى خراب الهيكل ومنفى شعبنا بين الأمم. نرى بأم العين أن عودة شعب إسرائيل إلى أرضه، وعاصمته ولمكان معبده هي لعنة بالنسبة للكثيرين في العالم، وخصوصاً بالنسبة إلى جيراننا المسلمين.

السؤال الذي يقف أمامنا هو هل سنواصل بعد تحرير أرضنا وعاصمتنا من الاحتلال الإسلامي قبول المزاعم الكاذبة للإسلام تجاه جبل الهيكل، أم سنقول لهم ما يعرفونه، ويخفونه ويكبتونه: إن آباءنا كانوا فيه قبل 3000 سنة وعبدوا فيه الإله الواحد، عندما كان أسلافهم قبائل وثنية في الصحراء السعودية، يعاقرون الخمر، ويدفنون بناتهم على قيد الحياة ويعبدون الأصنام.

عندما نحترم أنفسنا، ونعتز بتراثنا ونصر على حقوقنا، حتى أعداؤنا سيقدروننا، ويحترموننا، ويتركوننا في سلام.

صحافي مصري متخصص في الشؤون الإسرائلية وعضو في نقابة الصحافيين.

كلمات مفتاحية
السعودية فلسطين

التعليقات

المقال التالي