يوميات السوريين: شرّ البلية ما يضحك

يوميات السوريين: شرّ البلية ما يضحك

يعيش السوريون أوضاعاً معيشية استثنائية في ظل الحرب التي تخوضها أطراف محلية ودولية مختلفة على أرضهم. ويحاول كل طرف فرض أجندته وتعليماته على الأهالي في المناطق التي يسيطر عليها، بينما يحاول المدنيون السوريون النجاة بأنفسهم، ومتابعة حياتهم بأقل الخسائر الممكنة. ويختبرون في ذلك الكثير من المواقف والتجارب الصعبة، التي تتحول مع مرور الأيام إلى ذكرى فكاهية، يتذكرها أصحابها بدمعة وابتسامة.

عادات يومية غريبة

اكتسب معظم السوريين خلال السنوات الماضية عادات غريبة تتلاءم مع ظروف الحرب التي يعيشونها. قال أحمد الذي يعيش في حلب، لرصيف22 إنه منذ سنتين لا يلبس إلا اللون الأسود أو الرمادي، ويمشي على الرصيف بموازاة الحائط. ويوضح: "منذ سنتين كنت أعيش في حي الأشرفية، وكان شارع بيتي مرصوداً من قبل القناص الذي قتل العشرات من أهالي الحي، مع هذا كنت مضطراً للذهاب إلى عملي كل يوم، لذا كنا نتجنب لبس الألوان الفاتحة، حتى لا نثير انتباه القناص ونفتح شهيته على القنص، ولا نمشي في وسط الشارع. وباتت هذه العادة تشعرني بالأمان أكثر".

أما مازن من حلب فيقول إنه عادة لا يجد في البيت ملعقة أو شوكة نظيفة بسبب انقطاع المياه، فبات يتناول الطعام بالسكين، ويأكل من علبة الطون أو السردين مباشرة. وأضاف: "صرت أنام بسهولة على صوت القذائف والرصاص، ولا أستيقظ إلا على عبارة: مازن قوم إلحق إجت المي!".

تحول جنسي على الحواجز

"تحولت حياة جارتنا أم فداء وابنتها التي لم تتعدَّ الـ12 من عمرها، في مدينة الرقة السورية، إلى كابوس بعد مقتل زوجها. كان يعمل سائقاً ومات في القصف على ريف حلب. عاشت بعد فقدان زوجها أصعب أيام حياتها في الرقة، التي تتحكم داعش فيها، والأسوأ هو الضغوط التي كانت تنهال عليها من نساء منتسبات إلى داعش، لتزويجها وتزويج ابنتها من مقاتلين. قررت الهروب من هذه الجحيم، شجعناها على ذلك، وقرر والدي مساعدتها واستقبالها في منزلنا في تركيا، لكنها اصطدمت بمنع التنظيم للنساء من التحرك خارج المدينة دون محرم"، تقول مها (28 عاماً).

وتضيف: "حضّر والدي خطة لخروج فداء وأمها مع رعاة الأغنام والفلاحين، هم الوحيدون الذين يسمح لهم بالتنقل بين الرقة ومحيطها بما يشبه الشاحنة من دون تدقيق أمني كبير من قبل عناصر التنظيم. تنكرت وابنتها بلباس الفلاحين، وكان عليها أن تتدبر رجلاً يتبرع بحمل هوية زوجها المتوفى ليدعي أنه زوجها في حال حدث أي تدقيق".

أقوال جاهزة

شارك غرد3 أيام بلا ملابس داخلية، تحول جنسي على الحواجز، انتحال شخصيات... ذكريات الحرب التي تضحك أصحابها مع مرور الوقت


وتتابع: "أخبرتنا أم فداء عبر الهاتف أن الخطة نجحت، وستقطع مع ابنتها الحدود التركية خلال أيام، بعد رحلة شاقة جداً، سألها والدي عن الشهم الذي خاطر وقال إنه زوجها، أجابته: لم يرض أحد، إنها فداء، ورفعت عن ابنتها غطاء رأسها، فظهرت شبه صلعاء بعد أن حلقت لها أمها شعرها، وقالت: قلت لهم هذا ولدي ومررت".

أنت كنتي؟

"دبلوماسيون وأذكياء" هكذا وصفت خديجة (22 عاماً) سائقي الباصات الذين يعملون في سوريا حتى اليوم، خصوصاً الذين يتنقلون بين مناطق تخضع لسيطرة جهات عسكرية مختلفة، ويخضعون لمساءلات وإزعاجات من الحواجز المختلفة، فيضطرون لمسايرة العناصر واتباع الحيل ليتمكنوا من المرور.

وتقول خديجة عن رحلتها من إدلب إلى حلب: "كنت في زيارة لعائلتي في مدينة إدلب، وكان علي العودة للدوام في الجامعة في حلب، اتصلت بأحد السائقين لأحجز، فطلب مني أن ألبس محبساً في إصبعي، ظننت أنه يسدي إلي نصيحة لتجنب المضايقات من الحواجز، فكنا سنمر بنحو 18 حاجزاً بين النصرة والنظام. كان في الباص 5 طالبات مثلي، فسأل السائق: من منكن ليس معها محرم. أشرت له بيدي مع الطالبات الخمس، فوزّعنا على بعض النسوة والرجال الكبار بالعمر ليدّعوا أننا كناتهم. أعطى هويتي وهوية طالبة أخرى إلى رجل مسن وقال له: أخي أحفظها مين ما سألك هدول المحروستين كناتك أي زوجات أولادك. هز العجوز برأسه، لكنني شعرت بقلق شديد، فلم أكن واثقة أن هذا سينجح".

وتذكر: "انطلق الباص، عند الحاجز الثالث فتح أحد عناصر النصرة الباب، بدأ بتفقد الهويات واحدة تلو الأخرى، وسؤالنا. وصل إلى العجوز وسأله من معك فقال له كنتي، هذه نورة، وأشار إلي وصمت، بدأ قلبي يخفق خوفاً، همست له امرأة خلفنا: خديجة خديجة. فقال خديجة. شك العنصر بالموضوع فسأله عن اسم أمي وأبي، لكنه كان قد نسيهما طبعاً! حاولت أن أهمس له باسميهما، لكن العنصر أسكتني، صار العجوز يهز برأسه ولا ينطق أي كلمة وكأنه يتأسف على الموقف الذي وضع فيه، حينها نزل السائق من السيارة وتكلم مع العنصر، وصار يدعو له بالنصر والتوفيق ويربت على كتفه، ثم صعد إلى الباص وقال لي: مشي الحال ما تخافي، كنت روحتنا يا حجي. وانطلقنا من جديد".

3 أيام بلا ثياب داخلية

حسام، شاب سوري اعتقل بين عامي 2012 و2013 من قبل السلطات السورية، بسبب مشاركته في التظاهرات المناهضة للنظام. يقول: "23 أغسطس 2012، كان قد مضى ثلاثة أشهر تماماً على اعتقالي في أحد الأفرع الأمنية في دمشق. فتح الحارس باب المهجع الذي كنت أقطن فيه مع 47 آخرين، تحت الأرض. نادى 7 أسماء، بينهم أنا، وطلب منّا أن نجهز أنفسنا. فرحنا وظننا أننا سنخرج، بدأنا نتلقى التهاني من بقية المعتقلين، الذين انشغلوا بتذكيرنا بأرقام هواتف ذويهم".

ويتابع: "من شدة تفاؤلي، قررت أن اتخلص من ملابسي الداخلية التي أصبحت شبه متعفنة بعد 3 أشهر، وبت أكرهها أكثر من أي شيء آخر. لكن أحد زملائي حذرني قائلاً: أصبر قليلاً ماذا ستفعل إن لم يكن إفراجاً، لا شيء مضمون هنا، لكنني لم أنصت لكلامه".

ويضيف: "نقلونا إلى فرع آخر، بعد وصولنا إليه، طلب منا السجان أن نخلع كل ملابسنا ونبقى بالداخلية فقط، ورغم أننا كنا على باب حفلة تعذيب، فإن الجميع بدأ يضحك علي حين خلعت ملابسي. إذ كنت الوحيد الذي لا يرتدي ثياباً داخلية. أمضيت ثلاثة أيام على هذا الحال، كنا نقضي فيها النهار كاملاً في الباحة، تلقيت نصيباً إضافياً من السباب والضرب، في النهاية تبرع لي أحد المعتقلين هناك بشورت أمضيت فيه ثلاثة أشهر أخرى قبل أن يطلق سراحي".

يختم حسام: "حين أتذكر هذه الذكرى أضحك ثم تدمع عيناي وأبكي".

رجل وحجاب

وحيد، لا يكلّم أحداً، يبستم للجميع، ويلتف حوله الأطفال. هذا كل ما كان يعرفه أهل الحي عن سهيل، الشاب الذي كان يعيش وحيداً في قبو في إحدى حارات مدينة إدلب السورية. يعرّفه الجميع بعبارة "رجل عالبركة". يخبر أحمد أحد سكان الحي أن سهيل كان حاضراً في أحاديث أهل الحارة، فمع تأزم الأوضاع المعيشية والأمنية في المدينة وازدياد هموم الناس، صار يحسد على ما هو عليه، فتسمع أحدهم يتذمر ويقول: "ما حدا مرتاح إلا انت يا سهيل"، وآخر يواسي صديقه: "يا رجل خليك متل سهيل وما تفكر بشي".

بخلاف بقية الناس، لم يكن سهيل يستمع إلى نشرات الأخبار، ولا يجادل في مواضيع سياسية كما لم يكن معارضاً ولا مؤيداً. يقول أحمد: "غالباً لم يكن يعرف ما يحدث من تطورات سياسية حوله، كل ما تغير عليه هو انقطاع الكهرباء، وحاجز النظام الذي وضع قرب بيته عام  2013".

وفي الأشهر الأولى من عام 2015 سيطرت قوات المعارضة المسلحة على مدينة إدلب، يوضح أحمد: "مكثنا ثلاثة أيام داخل المنزل، خلال الاشتباكات، خرجنا بعد أن هدأت المعارك، كان جيش الفتح قد سيطر على المدينة واختفت منها حواجز النظام. حين خرجت أول يوم لشراء مواد غذائية، وجدت سهيل في الشارع وقد وضع حجاباً على رأسه كالنساء، وبعض الصبية يلاحقونه ويضحكون عليه. تكلّم معه البعض ليفهموه أن ينزع الحجاب لكنه لم يفعل".

ويضيف: " لا شك أنه كان يشعر بالخطر وربما ظن أن هذه الطريقة قد تحميه من المقاتلين الجدد، خصوصاً أنه مع سيطرة الفصائل الإسلامية في تلك الأيام بدأت بعض الفتيات الصغيرات بارتداء الحجاب".

لبنى سالم

لبنى سالم صحفية ومدونة سورية، عملت في مجال الصحافة المكتوبة حول القضايا الاجتماعية والصحية، من كل من سوريا وتركيا. مهتمة بقضايا الحريات وحقوق الإنسان في سوريا والوطن العربي.

التعليقات

المقال التالي