آثار لا تزال شاهدة على مصر الصوفية

آثار لا تزال شاهدة على مصر الصوفية

ارتبط تاريخ المصريين مع التصوف بعدد من الأبنية التي ما زال بعضها قائماً، وشاهداً على اتجاههم إلى طرقه وجماعاته المختلفة، التي تشكلت في فترات متعاقبة، على خلفية عدد من المعطيات السياسية والاجتماعية والدينية.

رصيف22 يستعرض أهم الخانقاهات التي لم تزل شاهدة على تصوف المصريين عبر التاريخ.

تصوّف المصريين أقدم من الإسلام

بدأ تاريخ المصريين مع التصوف قبل اعتناقهم الإسلام. وبعد دخول الإسلام إلى مصر، ارتبط التصوف بشكل أساسي بالدولة الفاطمية التي جذبت كثيراً من المصريين لطقوسه.

بسقوط الدولة الفاطمية حدث فراغ كبير، مع هجرة عدد من الأشراف إلى أطراف الدولة الإسلامية. وفي عصر الدولة الأيوبية، اتجه صلاح الدين الأيوبي لملء هذا الفراغ، عبر تأسيس الطرائق الصوفية التي لم تنتشر آنذاك، وعرفت مصر "التصوف الطُرقي" في عهد الدولة المملوكية.

وقد تجمع أتباع كل طريقة في زاوية أو خانقاه للتعبد والتعلم. والخانقاه كلمة فارسية معناها بيت العبادة. اندثر الاسم بمرور الزمن، وأطلق عليها "التكية"، وهي مكان لإقامة الدراويش من الأعاجم. أما الرُبط فهي دور أعدت لإقامة الصوفية، وخصص بعضها للنساء المنقطعات أو المهجورات أو المطلقات أو العجائز الأرامل من العابدات. بينما أقيمت الزوايا للتعبد بين جدرانها.

وفي بحث "خانقاهات مصر حتى نهاية عصر المماليك البحرية 648 - 784 ه/ 1250-1382م"، للدكتورة عبير عنايت سعيد، الأستاذة في جامعة الأنبار، ورد أن هذه المباني كانت لها وظيفة تعليمية إلى جانب الدينية، إذ غالبيتها دروس للفقه والحديث وأنواع المعارف، إضافة لمؤلفات الصوفية. واحتوت مكتبة حفظت المصاحف والربعات فضلاً عن أنواع الكتب. كما أدت وظيفة اجتماعية إنسانية، فكانت ملجأً ومأوى لكبار السن ممن لا معيل لهم.

وأشارت الباحثة إلى أن ابن بطوطة وصف تفاصيل الحياة اليومية في الخانقاه المصرية، فقال: "وترتيب أمورهم عجيب، ومن عوائدهم بالطعام أنه حين يأتي خادم الزاوية إلى الفقراء صباحاً فيعين له كل واحد ما يشتهيه من الطعام، فإذا اجتمعوا للأكل، جمعوا لكل إنسان خبزه ومرقه في إناء على حدا لا يشاركه فيه أحد، وطعامهم مرتان في اليوم. ولهم كسوة الشتاء وكسوة الصيف ومرتب شهري ثلاثون درهماً للواحد إلى عشرين درهم. ولهم الحلاوة من السكر في كل ليلة جمعة والصابون لغسل أثوابهم، ومن عوائدهم أن يجلس كل واحد منهم على سجادة مختصة به، وإذا صلوا الصبح قرأوا سورة الفتح وسورة الملك وسورة عم. ثم يؤتى بنسخ القرآن العظيم مجزأة، فيأخذ كل فقير جزء ويختمون القرآن ويذكرون، ومثل ذلك يفعلون بعد صلاة العصر".

أقوال جاهزة

شارك غردتصوّف المصريين أقدم من الإسلام...


هناك خانقاهات لا تزال باقية آثارها، وشاهدة على تصوف المصريين في تلك الفترة التاريخية، بحسب ما جاء في بحث عنايت.

سعيد السعداء، أكبر الخوانق

ينسب الاسم إلى لقب أحد موظفي الدولة الفاطمية، وهو صاحب الدار/ القصر، التي بناها برحبة باب العيد، مقابل دار الوزارة الفاطمية. وتحولت إلى دار إقامة مخصصة لسكن الصوفية الغرباء الوافدين من مختلف البلاد ومختلف الجنسيات، فضلاً عن صوفية القاهرة ومصر، بعد أن جُهزت عام 569ه/ 1174م بجميع المستلزمات، على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي كان معجباً بهم.

ونظراً لأهمية الخانقاه ومكانتها، وتقديراً لمتولي مشيختها، فإن لقب شيخ الشيوخ هو التسمية التي أطلقت عليه وانفرد بها مدة طويلة، حتى شاركه شيخ خانقاه سرياقوس عند بنائها، ثم ما لبث أن صار عاماً مشاعاً لكل شيوخ الخانقاهات.

وروى المقريزي أنها أكبر الخوانق التي عرفتها مصر، والصوفية بها كانوا يتوجهون إلى الجامع الحاكمي كل أسبوع لصلاة الجمعة في موكب جميل وكان الناس يقبلون لرؤيته تيمناً ببركة أهله، كما جاء في كتاب "التصوف في مصر إبان الحكم العثماني".

Baibars_al-Jashnikir_funerary_cairo بيبرس الجاشنكير

بيبرس الجاشنكير، أوقاف دمشق وحماة

وصفت بأنها أجلّ خانقاه بالقاهرة بنياناً، وأوسعها مقداراً، وأتقنها صنعة. بناها الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري في منطقة الجمالية بالقاهرة في سلطنة الناصر محمد الثانية، وقبل توليه السلطنة، فهو السلطان الثاني عشر من سلاطين المماليك.

الخانقاه بعمارتها الفارهة والقائمين عليها، تطلبت مصدراً مستمراً للنفقة عليها. وتمثل ذلك في مجموعة كبيرة من الأملاك التي أوقفت في الشام ومصر لهذا الغرض، منها ضِياع في دمشق وحماة، ومنية المخلص في الجيزة بمصر، وبالوجه البحري والصعيد، فضلاً عن ربع وقيسارية بالقاهرة.

تأثرت الخانقاه بالأحداث السياسية، وانعكس ذلك على وظيفتها وأوقافها، التي سُحبت بعد إغلاقها إثر غضب السلطان الناصر محمد على المؤسس، لدرجة إزالة اسمه من الطراز الحجري الذي أحاط أعلى شبابيك قبتها عام 709ه/1308م. واستمرت كذلك مدة طويلة حتى افتتحت وأعيدت أوقافها عام 726ه/1325م.

الخانقاة البندقدارية، أقدم خانقاه مملوكية

تنسب إلى الأمير علاء الدين أيدكين بن عبد الله الصالحي البندقدار. بناها في منطقة السيوفية بالقرب من جامع أحمد بن طولون عام 683ه/1284م. وجعلها مسجداً ومدرسة وخانقاهاً، ورتب فيها صوفية وقراء وجعل فيها تربته وفيها دفن عام 684ه/1285م. هذه الخانقاه هي أول من احتوت مئذنة ومنبراً لتؤدي وظيفة المسجد، وهي من أقدم خانقاهات الدولة المملوكية في القاهرة.

الجاولية، النسبة إلى المجدد

تقع قرب الجامع الطولوني في القاهرة. أسسها الأمير سلار الناصري وجعلها مدرسة وخانقاهاً، فأدت وظيفة التعليم إلى جانب التفرغ للعبادة، وافتتحت عام 703ه/1302م. ثم جددها الأمير سنجر الجاولي لاحقاً، فنُسب المبنى له وهذا ما تضمنته اللوحة التأسيسية أعلى المدخل.

الجمالية، المذهب الحنفي

أنشأها الأمير علاء الدين مغلطاي الأستاذدار، ورتب فيها عدداً من الصوفية للتفرغ والعبادة والذكر. وهي تابعة لمدرسة خصصها لدراسة المذهب الحنفي. وتكفل الوقف الذي تضمن أملاكاً في مصر والشام، بالقيام باحتياجات المنشأة وعمارتها وإصلاح المتضرر منها، ومصاريف كادرها وطلبتها الصوفية عند افتتاحها في 730ه/1329م.

قوصون، النهب والسرقة

Qayson-mosque قوصون

بناها وعمرّها الأمير سيف الدين قوصون صهر السلطان المنصور قلاوون في قرافة المماليك، وجعل لها مئذنة وقبة لتضم ضريحه، ومطبخاً تكفل بجراية الطعام التي قررها الأمير لعدد كبير من الصوفية، الذين رتبهم في خانقاته الواسعة. فضلاً عن الحلوى والصابون وزيت الإضاءة، ومبلغ من الدراهم، للقيام بمتطلباتهم الشهرية. وذلك من خلال واردات مجموعة كبيرة من الأوقاف والأملاك حبسها على مصالح الخانقاه واحتياجاتها.

تعرضت الخانقاه للنهب والسرقة على يد العامة حين اعتقل، وصودرت أملاك صاحبها عام 742ه/1341م. لكنها استعادت مكانتها وهيبتها واستمرت بأداء وظيفتها من خلال أوقافها الكثيرة، وبقيت عامرة حتى حلت بمصر مجاعة عام 806ه/1406م فتلاشى أمرها، ولم يبق من بنيانها ومعالمها سوى المئذنة والقبة.

الخاتونية، خانقاه نسائية

نسبة إلى الخوند الكبرى الخاتون طغاي زوجة السلطان الناصر محمد التي أنشأت هذه الخانقاه عام 749ه/1348م، لاعتقادها الكبير بالصوفية. فأنفقت الكثير على بنائها وفرشها وتجهيزها، وجعلت لإدامتها وصيانتها العديد من الأوقاف.

ضمت الخانقاه جناحاً أو قسماً خاصاً بالنساء، فكانت بمثابة الملجأ لهن، والمكان الآمن لأداء العبادة. وهي أول خانقاه تضم نساء ضمن المقيمات لا سيما جواريها اللواتي أقمن بها. وكانت حريصة على توفير احتياجاتهن داخلها، وضمنت لهن حياة ومكاناً تقديراً لخدمتهن لها، وحفاظاً عليهن من البيع بعد وفاتها عام 749ه/1348م، إذ دفنت في تربتها الخاصة داخل الخانقاه.

شيخو، خانقاه في مواجهة الجامع

Flickr_-_Gaspa_-_Cairo,_moschea_in_Sh._Shaykhu مسجد شيخو

تعرف أيضاً بالشيخونية، نسبة إلى الأمير الكبير شيخو العمري الناصري، وهو من مماليك الناصر محمد، ونائب لطرابلس للسلطان حسن. أسس الخانقاه التي حملت اسمه في مواجهة جامعة بمنطقة الصليبة في القاهرة وذلك عام 756ه/1357م.

كانت الخانقاه على درجة عالية من جمال البناء والعمارة. ويروي الطويل في كتابه، أن أهمية الخانقاه تناقصت بعد سقوط دولة المماليك البحرية عام 806ه، حتى صار المعلوم يتأخر صرفه لأرباب الوظائف فيها عدة أشهر.

التعليقات

المقال التالي