السياسة والدين وجهان لعملة واحدة في البحرين

السياسة والدين وجهان لعملة واحدة في البحرين

بلغ استياء فاطمة مبلغه، لتكرار تأجيل جلسات قضية طلاقها أمام المحكمة الكبرى الشرعية الجعفرية في العاصمة البحرينية المنامة. تنتظر فاطمة، يومياً، ساعات أمام أبواب المحكمة، في وقت ترتفع درجات حرارة الطقس. هذا ما دفعها هي وأخريات لتقديم تنازلات للخلاص من خيارات زوجية فاشلة.

تنظر المحكمة بقضية فاطمة مع آلاف الحالات التي تتردد بين فترة وأخرى على المحاكم الجعفرية، المتخصصة في القضايا الشرعية للمواطنين الشيعة. ينتظرون حكم القضاء الذي يستغرق فترات طويلة، تصل أحياناً إلى 5 سنوات بسبب غياب قانون يرتكز عليه القضاة في أحكامهم، وينظم الأحوال الأسرية للطائفة الشيعية في البلاد.

جلست فاطمة (35 عاماً) أمام باب المحكمة، وهي تمسح عرقها، تستعيد تفاصيل ماضيها، واصفةً بصوت خافت رحلة معاناتها في المحاكم منذ 4 سنوات مع زوجها مدمن المخدرات. وتقول: "لم ينفق على زوجته وأبنائه الأربعة منذ 6 سنوات، ضاعت أموالنا في شراء المخدرات، باع كل الأشياء القيّمة في منزلنا، ورغم هذه المعاناة يرى القاضي أن سبب الطلاق غير مبرّر".

تعمل فاطمة دوامين، واحد في الفترة الصباحية، وآخر في الفترة المسائية لتستطيع الإنفاق على أبنائها. وتضيف: "النساء في المحاكم الجعفرية يتعرضن للظلم ولا يحصلن على حقوقهن، قدمت كل التنازلات الممكنة، لكن زوجي مصمم على إذلالي".

أقوال جاهزة

شارك غردتتراوح سنوات انتظار المرأة البحرينية للحصول على الطلاق في المحاكم الجعفرية من 4 إلى 16 عاماً!

شارك غردطريق الألف ميل للحصول على الطلاق في البحرين...

حاولت فاطمة أن تنقل معاناتها للقاضي، إذ طلب منها كتابة أقوالها في ورقة بيضاء، لأن "صوت المرأة عورة"، بحسب ما تقول وعيناها تدمعان: "حينها أصررت على الحديث لأن زوجي السابق حصل على نصف ساعة ليدافع عن نفسه، لكن القاضي هددني بالطرد من القاعة اذا لم أسكت".

الصراع السياسي فوق كل المصالح

بالعودة إلى العام 2009، أعلن مجلس النواب البحريني عن مناقشة قانون موحّد ينظم الأحوال الشخصية في البلاد، لكن النواب المحسوبين على جمعية الوفاق المعارضة، عطلوا إقرار الشق الجعفري، لتخوفهم من أن يتحول تنظيم الأحوال الشخصية إلى وسيلة لتدخل السلطة السياسية في الشأن الديني الخاص. وبالتالي، صدر الشق السني منفرداً.

وتوجد في البحرين هيئتان يستند إليهما المواطنون الشيعة في شؤونهم الدينية، فتعد "إدارة الأوقاف الجعفرية" بمثابة الهيئة الحكومية الرسمية، التي تشرف على المساجد والمآتم الشيعية. ويتعيّن رئيسها بقرار من رئيس الوزراء، وهي توازي "الأوقاف السنية". بينما تأسس "المجلس العلمائي" عام 2004 بصفته المرجعية الدينية الشيعية في البلاد، قبل أن يصدر القضاء البحريني قراراً بحله، وإغلاق مقره في يونيو 2014، بعد الأزمة السياسية التي اندلعت عام 2011. فالرأي السائد بين رجال الدين المحسوبين على المجلس العلمائي المنحل، هو أنه يجب عرض القانون على المرجعية الدينية العليا في العراق لإقراره، مع عدم إمكانية تغييره من البرلمان. في حين أن الحكومة ترفض هذا الإجراء جملةً وتفصيلاً، وترى أنه تدخل خارجي في شؤون المملكة.

ورغم اتفاق الطرفين على بنود القانون، فإن تداخل الصراع السياسي يجعلهما مختلفين حول مرحلة تنفيذ القانون. وبين هذا وذاك، تستمر معاناة آلاف النساء الباحثات عن خلاص في قضايا حضانة، وخلع، وطلاق أو نفقة. ويحمّل رجال دين شيعة في البحرين القضاء مسؤولية هؤلاء النسوة، بحجة أن الأزمة ليست في عدم إقرار الشق الجعفري من قانون الأسرة، ولكن في عدم وجود محاكم كافية للنظر في القضايا، وعدم قيام القضاة باستغلال الأوقات المتاحة لهم.

ويقول الشيخ مجيد المشعل رئيس المجلس العلمائي المنحل: "نريد ضمانات بأن القانون سوف يتوافق مع الشريعة، وهذا ليس رأي علماء الدين فقط ولكن رأي الناس أيضاً، ولا بد للسلطة أن تتفهم مدى حساسية هذه القضية التي تلامس حياة الناس".

كما يعرب الشيخ محسن العصفور رئيس الأوقاف الجعفرية عن استغرابه حديث معرقلي القانون حول "ضمانات مقابل إقرار القانون بينما يتغاضون عن معاناة المرأة البحرينية ذات المصير المعلّق في المحاكم الجعفرية منذ سنوات".

علماً أن رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب سابقاً أحمد الساعاتي، يشدد على أهمية إصدار قانون الأسرة، الشق الجعفري، في أسرع وقت ممكن، نظراً لوجود فراغ تشريعي متعلق بالأسرة، ومطلب دولي باستكمال التشريعات المحلية بحسب موافقة البحرين على اتفاقية سيداو. ويقول مقربون من صناع القرار في البحرين، إن الحكومة لا تنوي إصدار القانون خشية خروج الاحتجاجات إلى الشارع، بدعوة من رجال الدين الشيعة المعارضين.

يأسف الساعاتي لعدم تمكن المجلس التشريعي خلال السنوات الماضية من إصدار القانون لأسباب "سياسية بحتة". ويقول: "لا يمكن أن يستمر هذا الحال إلى ما لا نهاية، ولا بد من إيجاد صيغة توافقية تضمن صدور هذا القانون، مع الوضع في الاعتبار جميع ملاحظات رجال الدين الجعفريين، وإعطاء ضمانات بعدم تغييره دون الرجوع لهم، كما هو الحال مع الشق السني من قانون الأسرة". ويشير إلى وجود العديد من قضايا الطلاق المعلقة في المحاكم بسبب غياب هذا التشريع. وقال: "الثمن الذي تدفعه البحرين لغيابه باهظ، ولا يمكن أن نفرّط بحقوق الأسرة والمرأة لأسباب وأجندات سياسية".

طريق الألف ميل للطلاق، إن حدث

تزوجت زينب (27 عاماً) من جارها الذي يكبرها بثلاثة أعوام، وأنجبت طفلين بعد حياة سعيدة، لم تدم أكثر من سنة. إذ اكتشفت إصابة زوجها بمرض "البارانويا" النفسي، ومذاك تحولت حياتها إلى جحيم بسبب توقف زوجها عن تناول العلاج. وتقول: "حياتنا تغيرت تماماً عندما توقّف عن تناول الحبوب هذه لعدة أشهر، وأصبح يعذبني ويهدد حياتي وحياة أبنائي. حينها حاولت معرفة طبيعة مرضه والدواء الذي يتناوله". فذهب والد زينب مع زوجها إلى مركز بتلكو للعنف الأسري، حيث قابلته أخصائية العلاج النفسي في المركز، وأكدت معاناته من البارانويا. كما أكدت على ضرورة تلقيه العلاج كي لا تتدهور حالته.

بعد التعذيب الذي تعرضت له على يد زوجها، لم تجد زينب حلاً إلاّ اللجوء للقضاء، لكن ذلك لم يردع زوجها عن الاستمرار في الاعتداء الجسدي عليها، رغم التعهدات التي وقّع عليها في مراكز الشرطة. يقول والد زينب: "رفض القاضي طلبنا باستدعاء طبيب نفسي للإدلاء بشهادته حول مرض الزوج النفسي"، كما أن القاضي رفض طلب الزوجة الطلاق من زوجها بعد تداول القضية خمسة أعوام في المحاكم. ولم يكتف الزوج بالحكم، فقام برفع دعوى قضائية لإعادة زوجته إلى منزلها الزوجي.

في الدين: الرجال دائماً على حقّ

في لقاء مع شريفة سوار، التي عملت إخصائية في مركز بتلكو للعنف الأسري، حول عدد النساء اللواتي يعانين من أجل الطلاق، قالت: "في المحاكم الجعفرية 11 ألف امرأة معنفة ومعلّقة بحسب آخر إحصائية وصلت إلى مركز بلتكو للعنف الأسري عام 2014. وتراوح سنوات انتظارهن للحصول على الطلاق بين 4 و16". وأضافت: "افتراضاً أن لكل امرأة 4 أطفال كمتوسط، فإننا نتحدث عن 44 ألف طفل معنّف يحتاجون لإعادة تأهيل وعلاج نفسي وسلوكي ومعرفي بمقدار 10 جلسات لكل طفل. وهذا ما يعني أننا بحاجة إلى نصف مليون جلسة في مركز لا يملك الكوادر المؤهلة لإصلاح ما أفسده غياب الشق الجعفري من قانون الأحوال الأسرية".

وفي ما يتعلق بالحالات التي وردت إليها خلال فترة عملها بالمركز، أشارت سوار إلى أن هنالك امرأة معنفة طلبت الطلاق من زوجها، الذي اغتصب أختها وحكم بالسجن خمس سنوات، ولم تحصل على الطلاق إلا بعد أربع سنوات من العذاب في المحاكم الجعفرية.

وتبدي سوار استغرابها تأجيل الجلسات فترات طويلة، وتضيف: "فوجئت منذ فترة بزوجة رجل دين تشتكي من تعرضها للضرب المبرح على يد زوجها، وكذلك الأبناء الذين تم تحويلهم من المدرسة إلى مركز بتلكو لتلقي العلاج النفسي، ثم خَطب رجل الدين نفسه بعد ذلك في صلاة الجمعة ليقول للناس رفقاً بالقوارير". وتؤكد سوار أن زوجته مستعدة للشهادة.

اجتهادات دينية ولا قاعدة استرشادية

يحكم قضاة المحاكم الجعفرية بين الناس اليوم من دون قانون للقاعدة الشرعية المنظمة لحالات الطلاق أمام المحاكم الجعفرية. وتشير المحامية سهى الخزرجي إلى أنه في الوقت الحالي ليس هناك قانون يلزم القاضي بالحكم أو التنفيذ، والقضاة يستندون إلى اجتهادات دينية، وهي لا تنطبق على جميع الحالات، ولا يمكن الاعتماد عليها بديلاً عن القوانين.

ويقول المحامي سيد هاشم صالح: "في المحاكم الجعفرية لا أستطيع التعامل مع القاضي بنصوص ومواد قانونية. لا أذيع سراً إذا قلت إن المحامي لا يستطيع تقديم الشيء الكثير لموكلته، في ظل عدم وجود قانون يعتمد عليه في دفاعه عنها". وأضاف: "بتنا بأمس الحاجة لأن نرى نوراً في نهاية هذا النفق الذي أدخلنا فيه رفض البعض التزام قوانين مملكة البحرين الناظمة للأسرة". أمّا خبيرة التوافق الأسري الدكتورة بنه بوزبون فتقول: "أولى خطوات إصدار القسم الثاني من قانون أحكام الأسرة يجب أن تبدأ بحملات توعية بين جميع شرائح المجتمع لإيضاح فوائد إصدار القانون وإزالة الملابسات المغلوطة السائدة لدى البعض، والتي تفيد أن القانون يتنافى مع الشريعة الإسلامية".

إسلام الزيني

صحفي ومنتج تلفزيوني، عمل في شبكة الجزيرة الإعلامية سابقاً وهو مراسل لصحف ووكالات أنباء بريطانية. ينتج تحقيقات إستقصائية حول قضايا حقوق الإنسان والفساد في الشرق الأوسط.

كلمات مفتاحية
البحرين المرأة

التعليقات

المقال التالي