لغز العاصمة المصرية الجديدة

لغز العاصمة المصرية الجديدة

ظلت القاهرة منذ تأسيسها في العام 969 عاصمة لمصر، وأكثر مدنها معاصرة. تخسر المدينة هذه المركزية مع تأسيس الحكومة لمقر جديد للحكم شرق موقعها التاريخي.

بدا مشروع العاصمة الإدارية الجديدة منذ طرحه في مارس 2015، كمشروع مصري إماراتي لتأسيس مقر حكومي داخل الصحراء. قررت السلطة أن تؤسس عاصمة جديدة هرباً من زحام العاصمة القديمة ولتوفير مقر آمن للحكم في المستقبل. مشروع يبعدها عن المدينة الشاسعة والمكونة من ثلاث محافظات هي: الجيزة، القليوبية، والقاهرة، ويصل مجموع سكانها إلى نحو 22 مليوناً.

الحكومة تحلم

لا تقدم الهيئة المصرية العامة للمساحة إلا خريطة واحدة للقاهرة تعود للعام 2009. لا نجد في هذه الخريطة الحدود الكاملة للعاصمة، فيغدو تخيل مستقبل المدينة أمراً مستحيلاً خاصة مع عدم توافر صورة دقيقة عن حاضرها. وحينما تسأل عن سبب غياب هذه التفاصيل المهمة عن الخريطة، يؤكد لك مهندس المساحة أنها لم تصور، بكل بساطة.

IMG_20160612_054013 خريطة صادرة عن الهيئة المصرية العامة للمساحة في العام 2009

على الخريطة تعلو القاهرة من ناحية الشمال، محافظة القليبوبة، وتحيط بها الجيزة من ناحيتي الغرب والجنوب. ولكن لا توجد إلى الآن خرائط تفصيلية للعاصمة المرتقبة، وإنما حكايات عن مدينة خيالية.

ستتشكل العاصمة الجديدة عند تقاطع ثلاث طرق رئيسية في صحراء السويس. كما رسمت الدعاية المصاحبة لهذا المشروع أحلامًا وردية، إذ ستعمل العاصمة المرتقبة بالطاقة المتجددة، وتحيط بها الحدائق الخضراء وتخصص مساحة لمطار حديث، عدا النشاط الاقتصادي الكبير وتوفير فرص عمل كثيرة.

أقوال جاهزة

شارك غردإذا تأمّلنا تاريخ القاهرة فسنجدها مدينة تسعى دائمًا لأن تكون معاصرة، هل تنجح مع عاصمتها الجديدة؟

نظرة الحاكم لعاصمته

تأمّل تاريخ القاهرة يكشف أنها تعد خليطاً من عدة مدن مثل مدينة الشمس، أون- On، التي لم يبق منها إلا مسلة وحصن عسكري. كانت هذه المنطقة تسمى مدينة "مصر"، حسب كتاب أطلس تاريخ الإسلام (1987). يصف مؤلفه حسين مؤنس هذه المنطقة بأنها كانت تضم مزارع من قرى وحدائق تصل جنوباً إلى ما يقابل مدينة منف على الضفة الغربية من النيل عند الجيزة، وبالقرب منها وضعت خيمة/ فسطاط القائد العربي عمرو بن العاص، في العام 641 بعد دخوله حصن الروم المنيع.

حينما ذهب الجنود ليقوضوا خيمة عمرو وجدوا يمامة قد باضت في أعلاها، فأمرهم قائدهم أن يتركوها حتى تربي فِراخها. فيما أخذ الجنود يختطون منازلهم حول هذا الفسطاط، وخلال ما يزيد عن الألف عام ستستمر حركة العمران، بعدما صارت مدينة الفسطاط حي مصر القديمة، وتوسعت العاصمة نحو الاتجاهات الأربعة.

ضمت القاهرة، إلى جانب 31 حيًا، مدناً أسست على أطرافها مثل الرحاب، الشروق، بدر، والقاهرة الجديدة على حدود طريقي السويس والإسماعيلية، ليدل ذلك على استمرار سؤال المعاصرة الحاضر منذ نشأة القاهرة. رصد البريطاني ستانلي لين بول Stanly Lane-poole في العام 1900 ولع حكام مصر بأن تكون عاصمتهم عصرية. وقد أشار بول إلى ما جناه الباشا محمد علي (1769-1849) على آثار المدينة، ليؤسس عاصمة عصرية، وقد شغلت مسألة المعاصرة الحكام اللاحقين حسبما جاء في كتاب سيرة القاهرة (ستانلي لين بول، 2012).

شركة صناعة المستقبل

ليست هذه المرة الأولى التي تغيّر مصر عاصمتها. قبل القاهرة كانت الإسكندرية عاصمة الحكم، وسبقتها مدن أخرى مثل "أون" أو طيبة (الأقصر، جنوب القاهرة). لكن هذه المرة الأولى التي يغادر المركز القاهرة منذ أُسست. وعليه، يصبح مصير المدينة مجهولاً، إذ يعايش المصريون حلم حكومة، من دون أن يكونوا طرفاً فيه.

ستكون العاصمة الجديدة في المساحة الواقعة عند تقاطع طرق القاهرة- السويس، والقاهرة- العين السخنة، والدائري الإقليمي. تعمل شركات المقاولات بحماس لوضع المرافق وتأسيس وحدات سكنية لـ50 مليوناً، إذ تزعم الحكومة أن عاصمتها الجديدة ستستوعب هذا العدد، وهو رقم يزيد عن عدد سكان العاصمة، بل يزيد عن نصف عدد المصريين، الذي تجاوز 91 مليوناً.

لكن الغموض يحيط بمستقبل هذه المدينة، وقد واكب انطلاقتها الكثير من المبالغة، بداية من الإعلان عنها عبر شركة إماراتية، وصولاً إلى احتكار "شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية” المعلومات المتعلقة بهذا المشروع الخيالي. وهي شركة يتكون مجلس إدارتها من أربعة من كبار قادة القوات المسلحة المصرية وثلاثة من وزارة الإسكان.

تتم توسعة طريق السويس ليكون مكافئًا لهذه الأحلام، وبينما يؤسس وزير الإسكان المصري العاصمة الجديدة، لا تزال وزارته، بل حكومته بأغلب مقارها داخل العاصمة القديمة. في المقابل، تنتقل مقار وزارات من وسط القاهرة، مثل الداخلية، إلى مدينة القاهرة الجديدة (التجمع الخامس)، وليس الحي الحكومي في العاصمة الجديدة، وهذا يخالف ما ترسمه الحكومة حول المستقبل.

يكشف هذا التحرك عن ارتباك الحكومة والغموض المحيط بمكانها في المستقبل. وفي خضم كل ذلك، يعاني أهل العاصمة من حيرة كبيرة بشأن مستقبل مدينتهم. هل ستفقد مركزيتها أمام العاصمة الجديدة، أم ستكون الأخيرة مجرد ضاحية حكومية على أطراف القديمة؟ هكذا يبدو المستقبل مثل لغز يصعب تفسيره.

أحمد وائل

صحافي مصري.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي