ما الذي يدفع بشاب لبناني إلى الهجرة في قوارب الموت؟

ما الذي يدفع بشاب لبناني إلى الهجرة في قوارب الموت؟

بعد اندلاع الحرب السورية وما خلفته من هجرة مكثّفة بشتى الطرق، كان أبرزها طريق البحر، سلك عدد من اللبنانيين بدورهم أيضاً طريق الموت هذه طمعًا بحياة أفضل. وهكذا فعل أحمد الشاب اللبناني لينقلب القدر على صاحبه.

لدى الصيادين تقسيم سائد بين البر والبحر. وهم يعرّفون عن أنفسهم بأنهم أهل البحر. أمّا أهل البر فهم الذين يعيشون على الأرض ويرتزقون من عملٍ ما.

حلم الهجرة لدى الشباب اللبناني

يقطن أحمد وهبي (23 عاماً) في منطقة صيدا جنوب لبنان. يعمل صيّاد سمك بعد أن ورث المهنة عن والده، الذي ترك له أيضاً مركباً في ميناء صيدا. تعلّم فنون "المصلحة، كما يقول، بعد أن عاشر البحر طوال سنين ورضخ لمزاجيته، صار يعرفه جيدًا لدرجة أنه لم يعد يخافه. يفاخر بامتلاكه "قلباً ميتاً". وهذا ما دفعه إلى سلوك طريق غير شرعية للخروج من لبنان. بعد أن وقفت الواسطة عائقاً في درب إيجاد وظيفة بامتيازات مقبولة. يحلم أحمد بمستقبل جيد ووظيفة محترمة على البر.

هاجر أحمد مع أخيه الأكبر طامحاً بالوصول إلى ألمانيا. باع مركبه وسافر إلى تركيا ظانّاً أن بلاد القارة العجوز ستفتح له أحضانها.

خريطة الهجرة غير الشرعية: الاتكال على الله

أمضى أحمد وأخوه يومين سياحيين في تركيا، انتقلا بعدها إلى مرفأ أزمير، النقطة التي تبدأ منها رحلة البحر عبر مراكب مطاطية مضغوطة تصل إلى اليونان. هذا إن استطاعت الصمود في البحر طبعاً. على هذا المرفأ، ينتشر سماسرة السفر غير القانوني. يقول أحمد لرصيف 22: "تجدهم في المقاهي ونقاط عشوائية هنا وهناك، لا حاجة للبحث عنهم، هم سيجدونك بمجرد وصولك المرفأ".

أقوال جاهزة

شارك غردحكايات سماسرة اللّجوء عبر البحر، يرويها شاب لبناني سلك طريق الموت

شارك غردشهِد أحمد كيف أخذ السمسار مبلغ 600$ عن كل راكب عوضًا عن 1200$ وأركب على متن المركب 40 شخصاً لا 25

مهّمة السمسار إخراج المهاجر من تركيا إلى اليونان لا أكثر، بمبلغ يتخطى الألف دولار أميركي. اتفق أحمد مع أحد السماسرة على الالتقاء ليلاً في المرفأ، أخذ السمسار رقم هاتف أحمد للاتصال به، بينما لم يحصل هو على رقم هاتف له. فكان يتصل به كل مرة من رقم هاتف مختلف، وما يلبث أن يُقفل خوفاً من الملاحقة القانونية. أبلغ السمسار أحمد أن التاكسي سيقلهم ليلاً إلى المرفأ، وأن السائق سيتصل بهم. وصلوا المرفأ ليلاً، ولأنّ أحمد وأخاه يعرفان البحر جيداً اشترطا الإبحار بعد منتصف الليل. وأنزلا عدد الركاب من 40 إلى 25 راكباً خوفًا من الغرق.

في البحر: هموم المسافرين واحدة

يشير أحمد إلى أن كل المهاجرين باعوا أغراضهم وهاجروا وغامروا هرباً من حياة بائسة، إلى بلد لا يعرفون عنه شيئاً، طمعاً بحياة لم يتصوروا شكلها. على متن القارب رجال ونساء وأطفال ورضّع من جنسيات مختلفة لبنانية وسورية وفلسطينية.

يذكر أحمد قصة القارب، الذي انفجر أمام ناظريه، وأغرق أكثر من 27 راكباً. شهد كيف أخذ السمسار مبلغ 600 دولار أميركي عن كل راكب عوضاً عن 1200 دولار، وأركب على متنه 40 راكباً. يقول أحمد: "لم يكترث ذاك السمسار لحيوات المسافرين، كل ما كان يفكّر فيه هو ماله، الذي يقبضه مسبقاً. وعليه، مات من مات ونجا من نجا".

في اليونان حظ عاثر

وصل أحمد إلى اليونان. هناك، لا تسمح الدولة اليونانية للمهاجرين بالبقاء طويلاً. كان من المفترض أن تنتظرهم الباخرة التي ستقلّهم إلى أثينا، ثم متابعة سيرهم. لكن الاعتصامات في اليونان آنذاك منعت ذلك، فبقي أحمد 15 يوماً في اليونان داخل خيم على الطريق. ماله الذي جمعه سمح له بتأمين غذائه اليومي. أما المهاجرون الذين لا يملكون مالاً فكان يتأملهم من باب خيمته، طوابير طويلة من الناس، ينتظرون دورهم للوصول إلى كوب أرز صغير لإشباع جوعهم. كان على الواقفين في الصف انتظار يوم كامل للوصول إلى لقمتهم.

عندما فكّر أحمد أن ينتحل الجنسية السورية

فكر أحمد بالادعاء بأنه يحمل الجنسية السورية، لكنه كان يعلم بأنه في هذه الحال لن يعود إلى وطنه مجدداً. لذا، حين وصل اليونان، استلم الخريطة من الشرطة اليونانية، وواصلوا سيرهم بين الجبال من مقدونيا إلى صربيا حتى وصلوا إلى النمسا. مشوا ليلاً ونهاراً في العراء، بصحبة مهاجرين سوريين وفلسطينيين، وأطفال رضّع، الذين ابتلّوا بالمياه وواجهوا المرض والموت. كان يساعد العائلات في حمل الأطفال على أكتافهم. سجن أحمد 3 أيام على ذمة التحقيق، بعد أن أضاع جواز سفره، ثم أعادته السلطات الألمانية إلى النمسا.

في النمسا: 40 يورو مصروف شهري

في النمسا تنقّل أحمد بين خيم النازحين حتى استطاعت الشرطة النمساوية إسكانهم داخل مجمّع للنازحين حاله جيد. ومنحتهم الدولة النمساوية 40 يورو كمصروف شهري. كان يفضل أحمد البقاء في النمسا، لأن المعاملة كانت أفضل من تلك التي تلقوها في ألمانيا، لكنه لم يشعر بالراحة في المكان الجديد. عاش مدة شهر ونيف، شعر خلالها أنه مسجون، لا يستطيع العمل حتى الحصول على الإقامة النمساوية، وهذا الأمر يحتاج الى أكثر من عام وعامين، إن استطاع الحصول عليها. فقرر العودة إلى لبنان بدل المخاطرة سدىً.

لا خوف من الصعوبات الآتية… فأحمد اختبر أقساها

بعد المجازفة الخطيرة التي قام بها مع أخيه، وبيع مصلحته ومصدر رزقه، رأى أن العيش في لبنان أفضل من العيش في الذل خارجاً. عاد بعد الخسارة التي لحقت به، استدان بعض المال واشترى مركباً صغيراً عاد به إلى البحر مجدداً..

ينظر أحمد إلى قاربه القديم الراكن في الجهة المقابلة لميناء صيدا بحسرة. حاول عند عودته استرجاعه، لكن مالكه الجديد طلب مبلغاً كبيراً، فاستعاض عنه بمركب أصغر للصيد. أما عن تجربته، فالمهم بالنسبة إليه أنه اختبر الرحيل بنفسه، والأهم أنه اتخذ قرار العودة عاد ليشق دربه من دون خوف من الصعوبات التي تنتظره، لأنه "اختبر أقساها" كما يعتقد.

التعليقات

المقال التالي