عيد الجيش اللبناني... برائحة الشواء

عيد الجيش اللبناني... برائحة الشواء

ما علاقة الهبمرغر بخوذة الجندي اللبناني؟ وما الرابط العجيب بين لباس الجيش الرسميّ، وأغلفة الهواتف الذكيّة؟ أسئلة لن يعرف معظم العرب الاجابة عليها، لكنّها باتت مثار سخرية واستهزاء في لبنان، في 1 أغسطس من كلّ عام. يصادف هذا التاريخ ذكرى عيد الجيش اللبناني، لكنّه تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مناسبة لاستعراض "إبداع" بعض العلامات والمحال التجاريّة في مجال الاعلان، مع لصق علامة الجيش على دعايات الطعام والمفروشات والحلويّات ومحطّات الوقود وغيرها...

أقوال جاهزة

شارك غردهل سبق ورأيتم شطيرة همبرغر بخوذة عسكريّة؟ أحد المطاعم اللبنانيّة ابتكرها بمناسبة عيد الجيش

شارك غرديتسابق المعلنون والمشاهير في لبنان على تهنئة الجيش بعيده، بطرق كاريكاتوريّة... تفرّجوا

هذا العام، رفع المعلنون السقف كثيرًا، متسبّبين بحملة استهجان واسعة بين الناشطين على مواقع التواصل في لبنان. ونال النصيب الأكبر من الجدل، إعلان لمطعم "كبابجي" الخاص بتقديم أطباق المشاوي، إذ نشر قبل يومين صورة لجندي مرفقة بشعار "يا شاوي أعدائنا". هذا الشعار الغريب تسبّب بموجة سخرية واسعة على تويتر، وشنّ مستخدمون حملة على صفحة المطعم على فيسبوك، مطالبين بإزالة الإعلان لمضمونه العنيف وغير المتناسب مع قيم الجيش. فما كان من المطعم إلا أنّ رضخ للمطالب، وأزال الإعلان.

واليوم، استيقظ اللبنانيّون على "نهفة" جديدة متربطة بإعلانات عيد الجيش، إذ اختارت خدمة "فيرجين" لقطع التذاكر، توجيه معايدة للجنود اللبنانيين من خلال نشر صورة جنديّ عبر صفحتها الرسميّة على فيسبوك، كُتب عليها "خلّي عينك علينا يا وطن". المشكلة الوحيدة في الصورة أنّ الجنديّ فيها إسرائيليّ، وليس لبنانيًّا! ويبدو أنّ مصمّم الإعلان استعار الصورة عن غوغل من دون التأكّد من مصدرها، ليكتشف مستخدمون أنّها مأخوذة عن صفحة الجيش الاسرائيلي الرسميّة. استوقفت الصورة عددًا من الصحافيين والإعلاميين في لبنان، فطالبوا صفحة "فيرجين" بإزالتها، في حين شنّ مستخدمون حملة على الصفحة، واصفين الإعلان "بالأحمق والمستفزّ". وخلال ساعات، أزالت صفحة "فيرجن" الصورة، ونشرت توضيحًا تضمّن اعتذاراً عن "الصورة التي نشرت عن طريق الخطأ". وقالت شركة Softimpact المسؤولة عن الخدمة إنّ "الغاية من الصورة كانت تحية للجيش اللبناني البطل في عيده، لكنّها انحرفت عن نيّتها الحقيقيّة"، مستنكرةً استغلال الخطأ "للتشكيك بوطنيّتها والتعرّض لسمعتها".

حبّ ولكن...

يتمتّع الجيش بشعبيّة كبيرة عابرة للأحزاب والطوائف في لبنان. وصحيح أنّ اللبنانيين يختلفون على كلّ شيء تقريبًا، لكن نجد أنّ شريحة واسعة منهم تتفق على حبّ المؤسسة العسكريّة، لأنّها المؤسسة الوطنيّة الجامعة الوحيدة، لابتعادها إلى حدٍّ ما عن التجاذبات والاستقطابات، بحسب ما يتردّد في الأدبيّات السياسيّة الإعلاميّة في بلاد الأرز. وزاد الالتفاف حول الجيش اللبناني خلال السنتين الماضيتين بعدما تعرّض عناصره لعمليّة اختطاف في جرود عرسال (بعلبك – غرب لبنان)، من قبل عناصر في تنظيمي "فتح الشام" (النصرة سابقًا)، و"داعش". وقد أُفرج في صفقة تبادل عن جزء من المخطوفين، في ديسمبر 2015، وبقي مصير الآخرين مجهولًا، بالرغم من الاعتصامات والتظاهرات المفتوحة لعائلاتهم. وبمناسبة عيد الجيش هذا العام، انشغل المغرّدون اللبنانيّون على تويتر بالتذكير بالعسكريين المخطوفين، وبضرورة الافراج عنهم.

لكنّ الغرام بالجيش اللبناني يأخذ في أحيان كثيرة أبعادًا كاريكاتوريّة، وذلك ليس جديدًا، وإن بلغ هذا العام مستوىً متفوّقًا من الكوميديا. ففي كلّ سنة، يتسابق المغنون والمغنيات على إطلاق أغانٍ للجيش، معظمها مستنسخة من بعضها البعض. يصوّرون كليبات حماسيّة بين مدرّعات الجيش، وهم يرتدون ملابس بألوان البزّة العسكريّة. أرست هذا التقليد مديرية التوجيه في الجيش اللبنانيّ، وهي الوحدة الإعلاميّة فيه، إذ كانت تصدر في كلّ عام فيديوهات تظهر بسالة الجنود، وتساهم في إنتاج وتصوير بعض الأغاني الحماسيّة. لكنّ بصمة مديرية التوجيه الأبرز، كانت في عالم الإعلان، مع إطلاقها سنويّاً لحملة إعلانيّة ضخمة، تنشر ملصقاتها على كافّة اللوحات الإعلانيّة الكبيرة والصغيرة على طول الاوتوسترادات والطرقات العامّة من الشمال إلى الجنوب. وفي كلّ عام، تختار المديريّة شعارًا للغزل بالجيش، يكون مستوحىً من أغاني فيروز أو صباح، أو من النشيد الوطني اللبناني، مثل "شعبك بحبّك"، و"جايبلي سلام"، و"بكرا بتشرق شمس العيد". هذا العام، حملت إعلانات مديريّة التوجيه شعار "24/24/10452"، أيّ أنّ الجيش يحمي كامل الأراضي اللبنانيّة (10452 متر مربع)، على مدار الساعة. وبالرغم من طابعها الوعظيّ وشعاراتها المكرّرة، تحظى إعلانات المديريّة بشعبيّة أيضًا، ويتحوّل انتقاد مضمونها بالنسبة للبعض، إلى "خطيئة كبرى"، أشبه "بالمسّ بقدسيّة الجيش نفسه".

army_2016

خوذة همبرغر

لم يكن مطعم "كبابجي" وخدمة "فيرجين" وحدهما من خاضا غمار الاحتفاء بالجيش اللبناني هذا العام إعلانيّاً... فكالعادة تسابق المعلنون على إثبات الولاء للمؤسسة العسكريّة، على طريقتهم. أكثر الإعلانات طرافة نشر على صفحة مطعم Latest Version Diner، ويتمثّل بصورة لشطيرة همبرغر ضخمة، استبدلت بخوذة للجيش اللبناني. سلسلة "عبد الرحمن الحلاب" الشهيرة للحلويّات، نشرت صورة عبر صفحتها الرسميّة على فيسبوك لخوذة جنديّ كتب بجانبها "حلو الوطن بحمايتك". وتستخدم السلسلة كلمة "حلو" (تعني الحلويات والشاب الوسيم باللهجة اللبنانيّة)، في معظم حملاتها الإعلانيّة، ولم تجد عبارةً أكثر ابتكارًا لمعايدة الجيش، سوى بتذكيرنا بالبقلاوة والكنافة وزنود الستّ.

المتاجر الضخمة انضمّت أيضًا إلى الحفل، إذ نشر متجر "عبد طحان" للأدوات المنزليّة والكهربائيّة على فيسبوك صورة لهاتف ذكيّ، ملفوف بغلاف حماية بلاستيكيّ، بألوان زيّ الجيش اللبنانيّ الرسميّ، وكتب فوقه: "لأنّك بتضلّ حامينا". في حين نشرت صفحة متاجر "سبينيس" صورة لشاحنة عسكريّة ضخمة، حمولتها عبارة عن بطاقة ائتمانيّة خاصّة بالعسكريين من زبائن المتجر، وكتبت فوقها "وصلت البطاقة العسكريّة"، والهدف منها تجميع النقاط لشراء المزيد من السلع.

Spinneys

13903384_1140672662669535_4521122556730325128_n

وحتّى صالونات التجميل وجدت الفرصة مناسبةً للترويج لأحدث مستحضراتها، باستخدام اسم الجيش!

محامص "الرفاعي" للمكسّرات، وجّهت انتقادًا مبطّنًا لمنافسيها، من خلال نشر صورة بخلفيّة خضراء وخشبيّة، من دون أيّ إشارة لمنتجاتها، مرفقةً بعبارة: "هذا اليوم ليس عنّا"، في محاولة تصويب لأداء العلامات التي تستعرض منتجاتها لمعايدة الجيش.

13680850_10153824316426245_2887989402624523169_n

الأكثر طرافة في المشهد، هم المشاهير الذين اختاروا معايدة الجيش، من خلال نشر صورهم بالبزّة العسكريّة... هكذا، نشرت ملكة جمال لبنان السابقة كريستينا صوايا صورتها على تويتر بالزيّ العسكريّ، وكتبت بجانبها: "تحيّة إكبار لجيشنا الباسل".

أمّا برونو طبّال، المتسابق في الموسم الأوّل من "ستار أكاديمي"، فنشر صورته بالأبيض والأسود وهو يؤدّي التحيّة، وكتب فوق جبينه "على راسي يا وطن".

من جهتها توجّهت نجوى كرم برسالة عبر تويتر وإنستغرام إلى الجيش، وكتبت بجانب إحدى صورها: "اليوم مش بس عيد الجيش، اليوم عيد كلّ لبناني"، ودعت المتابعين لمشاركتها بحفلة في نادي الضباط للمناسبة... ولم تنسَ أن تمهر التعليق بجانب الصورة، باسم مصمّم الفستان وفنان الماكياج الذي اهتمّ بإطلالتها.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
لبنان

التعليقات

المقال التالي