الموت هو العلاج الأمثل لمدمني مصر

الموت هو العلاج الأمثل لمدمني مصر

تعذيب واستغلال وموت، هي إحدى النتائج الحتمية التى يصل إليها طالبو العلاج من الإدمان فى مصر. بعد أن يقعوا ضحايا مراكز علاجية غير مرخصة، تعتبر الملجأ الوحيد لهم، بعد رفض المستشفيات الحكومية استقبالهم، لقلة عدد الأسرة. أو بعد اللجوء لأحد المستشفيات والمراكز المتخصصة، التي لا يستطيع المدمن تحمل تكاليفها المادية. فتصبح مراكز بير السلم هي الباب الوحيد أمام طالبي العلاج في مصر، وما هي إلا سلخانات للتعذيب والموت.

عاهات وتعذيب وموت... في ثلاث حكايات

خالد محسن شاب أثيرت قضيته في وسائل الإعلام الفترة الماضية، بعد أن وقع فريسة لتلك المراكز المجهولة. يروي خالد: "قررت التوقف عن تعاطي المخدرات، بعد إدماني لها لسنين طويلة، حتى أخبرت أهلي بقراري بالإقلاع وبالفعل توجهت إلى أحد مراكز الإدمان في منطقة حدائق الأهرام. ويبدو ظاهرياً أنه مركز جيد، لكنه مجرد شقة صغيرة جداً، وفيها أكثر من 50 نزيلاً. مكثت في ذلك المركز المجهول أسبوعين، لم أتلق خلالهم أي علاج أو عقار. فالمركز لا يعمل فيه أطباء ولا متخصصون، بل مجرد مجموعة من الشباب المجهولين، من بينهم مدمنون متعافون". وأضاف: "في أحد الأيام، خلال إقامتي في المركز، شعرت بألم حاد في كل جسدي، فطلبت المساعدة من المشرفين هناك، لكنهم قيّدوني فى السرير، لأتوقف عن الصراخ والشكوى. عندها شعرت برعشة شديدة في قدمي وظهري، وزاد صراخي، فضربوني وعذبوني من دون أن يفهموا ما يؤلمني، إلى أن وصل صاحب المركز، وطلب نقلي إلى مستشفى قريب من المركز. وهناك أكد لي أحد الأطباء أنني مصاب بعيب خلقي في العمود الفقري يسبب لي الألم. فاتصلوا بأهلي وأخبروهم أنني شُفيت تماماً من الإدمان".

قامت عائلة خالد بنقله إلى أحد المستشفيات المتخصصة، وبعد الفحوصات والإشاعات تبين أنه أصيب بكسر في الفقرة العاشرة في العمود الفقري، ما أدى إلى إصابته بالشلل.

وختم خالد: "تقدمت ببلاغ ضد القائمين على المركز، لكن تم حفظه من دون الحصول على حقي، ومعاقبة المسؤولين عن تدمير حياتي، ولا أعلم لمصلحة من كل ذلك".

أقوال جاهزة

شارك غردتعذيب واستغلال وموت، هي إحدى النتائج الحتمية التى يصل إليها طالبو العلاج من الإدمان فى مصر...

شارك غردتوفر بعض المراكز في مصر خدمة تسمى الشحن، أي خطف المريض من الشارع أو البيت مقابل مبالغ مالية طائلة من أهل المريض


يقول محمد ن. (29 سنة)، متعاف من الإدمان، وكان ضحية أحد مراكز بير السلم: "اتجهت إلى الإدمان في المرحلة الجامعية، بعد خلافات أسرية استمرت أعواماً، وترك والدي البيت ولم تهتم والدتي بنا. فاعتدت الخروج والمبيت عند أحد الأصدقاء، الذي يتعاطى المخدرات، وسلكت طريقه. تدهورت علاقاتي الاجتماعية وتعثرت دراسياً. وفي أحد الأيام، كنت أتعاطى المخدرات عندما تلقيت خبر وفاة أختي، فقررت التوقف عن التعاطي". يضيف: "اتجهت إلى أحد مراكز لعلاج الإدمان في الهرم، ولم أكن أعلم أنها غير مرخصة. بداية رحبوا بي وتفهموا وضعي. لكن بعد أيام رأيت أحد زملائي في الغرفة يتشاجر مع أحد العاملين، فضربه أخصائي آخر بجهاز الإلكترك الكهربائي وأصابه الإغماء. لم أر زميلي مرة أخرى، ولا أعلم ما حصل له".

يتابع محمد: "منذ ذلك اليوم لم أعد مطمئناً لما يحدث داخل المركز، حتى بدأت رحلتي مع الإهانات والتعذيب، كان العاملون يضربوننا بالعصا ويربطوننا بالحبال في السرير، ويرشون علينا المياه أثناء النوم. حاولت الهرب أكثر من مرة لكنني فشلت، حتى علم أحد الأصدقاء المتعافين بما يحصل معي فأبلغ قريبي لإنقاذي". انتقل محمد بعد ذلك إلى مستشفى متخصص، كلّف عائلته أموالاً طائلة، لكنه تعافى.

"الحكومة هي السبب"، تقول مروة، 28 سنة، التي فقدت خطيبها في أحد مراكز العلاج غير المرخصة. وتضيف: "للأسف لم تتخذ الإدارات المعنية ووزارة الصحة الإجراءات الصارمة تجاه تلك المراكز، رغم إغلاق العديد منها، لكنها ما زالت موجودة، وتمارس أنشطتها".

وتعتبر مروة أن إهمال الحكومة في المراقبة هي من سمحت بانتشار تلك المراكز، التي تسببت في موت خطيبها. وتروي لرصيف22: "ذهبت مع خطيبي إلى أحد المراكز في المقطم، أوهمونا أن خدمتهم ممتازة، خصوصاً أن خطيبي كان مصاباً بالسكري، فأقنعونا أن لديهم خدمات تستطيع التعامل مع الحالات المرضية، وفي مرحلة سحب المخدر من الجسد توفاه الله، بعد أيام قليلة بغيبوبة سكر، بسبب إعطائه دواءً خطأ". أبلغت مروة عن المركز واكتشفت أنه غير مرخص وغير معترف به.

خدمة خطف المدمنين

ترجع ليلى عبد الجواد، مديرة الخط الساخن لصندوق مكافحة الإدمان، ما يحدث إلى قانون الصحة النفسية للمدمن، الذي يفرض على المدمن دخول المصحة برغبته، فإن لم يرغب يلجأ الأهل إلى ردعه بالقوة، وهو ما يحدث في المصحات المجهولة. وتقول عبد الجواد: "توفر تلك المراكز خدمة تسمى الشحن، أي خطف المريض من الشارع أو من البيت، مقابل مبالغ مالية طائلة من أهل المريض. وتكلف عملية الخطف من 500 إلى 1500 جنيه، حسب المسافة والطريقة التى يتم بها خطف المدمن". وتضيف: "يوجد عدد كبير من مرضى الإدمان، لا يرغبون في دخول المؤسسات العلاجية، ليس لأنه رافض للعلاج، بل لأنه خائف من فشله، ومن الطريقة المرعبة التى يقوم عليها البرنامج العلاجي فيها. ما يجعل أهل المريض يتخيلون أن المدمن لا يريد العلاج إطلاقاً، فيضطرون لإيداعه في أحد تلك المراكز".

المستشفيات الحكومية أسوأ

يقول الدكتور عبد الرحمن حماد، مدير وحدة طب الإدمان في مستشفى الصحة النفسية في العباسية: "يوجد في مصر 3 ملايين مدمن حسب التقرير الذي أصدرته وزارة الصحة لعام 2015، ويعتبر هذا الرقم كارثياً، مقابل عدد الأسرة التي توفرها الدولة لعلاج الإدمان وهي 600 سرير فقط". وأضاف "يتردد 4 آلاف مريض بالإدمان على العيادات الخارجية، منهم ألفان من المفترض أن يتم حجزهم في المستشفى. وبالتالي لا يوجد أماكن لتلقي هذه الأعداد الهائلة. وتلك الكارثة تفتح المجال أمام المراكز غير المرخصة لممارسة عملها غير القانوني". واعتبر أن المسؤولية الأولى في انتشار تلك المراكز على وزارة الصحة، التي لا توفر أسرة لمرضى الإدمان على مستوى الجمهورية.

عن أي قانون تتحدثون؟

وبالرغم من كل الحوادث التي يتم تسجيلها، لا زالت وزارة الصحة تتباطأ في مواجهة الكارثة، وتتبع الطرق التقليدية في التصدي لهذه المراكز. بدل ابتكار حلول جذرية كالتنسيق دورياً مع الجهات الأمنية اللازمة لحماية المصريين. ولا تقوم بحملات توعية في وسائل الإعلام بشكل كاف، لإعلام المواطنين عن المراكز المرخصة، وكيفية التصدي لغير المرخص منها.

وينص قانون الصحة النفسية 71 لعام 2009، على إلزام المستشفيات ومراكز علاج الإدمان بوضع آليات متسقة وتنظيمية للعمل. ويجب أن تخضع للإشراف الكامل من وزارة الصحة والمجلس القومي للصحة النفسية. وأن يعمل فيها أطباء وممرضون وفريق علاجي كامل ومتخصص. ويمنع قانوناً أن يقوم مدمن بعلاج مدمن آخر. ولكن، لا حياة لمن تنادي، فعلى المريض أن يكون من الطبقة العليا لتلقي العلاج والرعاية الصحية اللازمة، في إحدى المستشفيات الخاصة، التي تكلف مبالغ قد تصل إلى أكثر من 50 ألف جنية شهرياً. أو أن يضطر للجوء إلى المستشفيات الحكومية، أو أحد مراكز بير السلم، التي قد تكون إحدى نتائجها الموت.

هشام مكين

صحافي مصري، مساهم في عدد من المواقع الإخبارية وعمل كمعد لبرامج تلفزيونية في التلفزيون المصري.

كلمات مفتاحية
المخدرات مصر

التعليقات

المقال التالي