ما لم تذكره رؤية 2030 عن الشباب السعودي

ما لم تذكره رؤية 2030 عن الشباب السعودي

تجمّع عشرات الشبّان السعوديين في مقهى مكيّف مساء يوم حار، في حي الرمال في العاصمة الرياض، هرباً من ارتفاع رطوبة الأجواء. سيطرت الرؤية السعودية 2030 وزيارات ولي ولي العهد الأخيرة، على محور نقاشاتهم، بينما كانوا يحتسون المشروبات الباردة ويدخنون الشيشة.

كانت خطوات غير مسبوقة من الحكومة السعودية لوقف الاعتماد على النفط كمصدر واحد للدخل، مع تهاوي أسعاره العالمية. من الواضح أن الشباب السعودي يشعرون بالفخر، ويحملون جرعات متزايدة من الأمل، وهم يتابعون زيارات الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد ووزير دفاع المملكة، صاحب الثلاثين ربيعاً. لكنهم في الوقت نفسه، لا يبدون حماساً كبيراً للمساهمة في المشاريع المُراد إطلاقُها قريباً.

هل الشباب السعودي مستعدّ للعمل في القطاع الخاص؟

يمسك خالد سلطان، الجالس مع إحدى المجموعات في المقهى، بصحيفة محليّة يوميّة، وينظر إلى صورة كبيرة في الصفحة الأولى للأمير محمد بن سلمان الذي أصبح محطّ اهتمام سلطان ورفاقه، كونهم يتطلّعون لوجود قائد من جيلهم.

في المقهى نفسه الذي اكتظّ بالزبائن، يقدّم العمال المشروبات والشيشة ويتحدثون بلهجات مصرية وسورية وعراقية. لا يعمل غالبية السعوديين في المحلات والمطاعم والمقاهي، رغم انتشار الإعلانات على واجهاتها بأجور مشجّعة للمواطنين.

أقوال جاهزة

شارك غردما هي هذه الحماسة التي يشعر بها الشباب السعودي تجاه رؤية 2030 إن كانوا لا يرغبون بالمساهمة في مشاريعها المستقبلية؟

شارك غرد"أحب بلدي وسعيد بالنجاحات التي تُحقق مؤخراً لكن لن أمسك الفأس معهم" يقول أسامة الماجد، مواطن سعودي

تخطّط الدوائر الاقتصادية في السعودية لزيادة الاعتماد على العمالة الوطنية في مشاريع "برنامج التحول الوطني"، لمواجهة ارتفاع معدّل البطالة، وخفض عدد الأجانب الذين يعمل غالبهم في القطاع الخاص. وبالنسبة إلى محللين اقتصاديين بارزين في الرياض، يكمن التحدّي الأبرز في تصادم هذا التوجّه مع شريحة عريضة من المجتمع، تفضّل العمل في القطاع الحكومي.

يعمل سلطان (25 عاماً) موظفاً في إحدى الهيئات الحكومية، ويشير إلى أنه لم يفكّر قط بالعمل في القطاع الخاص، منذ تخرجه من "كلية الحاسوب والمعلومات" في "جامعة الملك سعود"، نظراً لطول ساعات العمل ومتطلباته الشّاقة. ويقول: "كما ترى درجات الحرارة مرتفعة جداً، ويمكنني توقّع الإنهاك البدني الذي يمكن أن يصيبني. صعب جداً أن أترك عملي في مكان مكيّف وألتحق بعمل آخر شاق". ويضيف: "نحنُ أيضاً نخدم المجتمع في عملنا وكل قطاع له ناسه."

كذلك يرى سالم ابراهيم، وهو مدرّس في مدرسة ثانوية حكومية، لافتاً إلى أن الوقت ما زال مبكراً ليستطيع السعوديون التّأقلم مع أجواء العمل في القطاع الخاص.

أزمة النفط... سبب لرؤية 2030

يقول إحسان حليقة، رئيس "مركز جواثا الاستشاري الاقتصادي" في السعودية، "لا يمكن للمملكة الاستمرار في الاعتماد على العمالة الأجنبية، في حين أنّ معظم المواطنين في السعودية من الشباب". ويرى أنّ "الضغوط كبيرة على ميزان المدفوعات ونسبة البطالة تزداد بسرعة".

بلغ معدل توظيف السعوديين بواقع 40 ألف وظيفة فقط خلال العام 2015، وهو أدنى من مؤشّر العام 1999. وذلك مع خفض الإنفاق الحكومي، بفعل هبوط أسعار النفط بحسب تصريحات لوزير العمل السعودي في مايو الماضي.

Infograph-KSA2030-4

لم تعد المملكة قادرة على توفير الوظائف في القطاع الحكومي مثل السنوات الماضية، وتتجه الخطط الحكومية إلى القطاع الخاص، لخفض معدل البطالة البالغ حالياً 11.6 في المئة، بحسب تقرير لمؤسسة جدوى للاستثمار التي تتخذ من الرياض مقراً لها. وقال مفرج الحقباني، وزير العمل السعودي حينها، إن بلاده تحتاج 1.3 مليون وظيفة، لتخفيض معدل البطالة إلى 7 في المئة.

ويؤكّد أستاذ الاقتصاد في "جامعة الملك عبد العزيز" حبيب تركستاني، أن القطاع الخاص سيسيطر على الإصلاحات التي أعلنتها المملكة، متوقّعاً استحواذه على نصيب الأسد من الفرص الوظيفية المقبلة. ورغم مساعي المملكة لتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية للتقليل من التحويلات المالية للخارج، إلاّ أنّ الترجيحات تصب في صالح حصول هذه العمالة على النصيب الأكبر من الفرص في المشاريع المزمع اطلاقها، قبل حلول منتصف العام الجاري، بحسب تركستاني.

مصير العمالة الأجنبية.. إلى الوراء دُرّ

بلغت تحويلات الأجانب إلى ذويهم خارج المملكة 9.1 مليارات دولار في الربع الثالث من العام الماضي، بحسب المصرف المركزي السعودي. وتمثل العمالة الأجنبية ثلث سكان المملكة، ويأتي معظم الأجانب من الهند وباكستان والفليبين وإثيوبيا واليمن، وبعض الدول العربية الأخرى. وسبق أن شنّت سلطات الرياض قبل 3 أعوام حملة على العمالة الأجنبية المخالفة لتشريعات العمل المعمول بها.

Infograph-KSA2030-3

وازداد عدد الوافدين المقيمين في المملكة الضُعف تقريباً من 5.3 مليون عام 2000، إلى 10.2 مليون عام 2015. ويشكّل الوافدون 32% من إجمالي السكان المقيمين، بعد أن كانوا يشكلون 25% من إجمالي السكان عام 2000، وفقاً لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة.

موظفو القطاع العام: استعدوا لهجر مكاتبكم!

وتسعى المملكة إلى جذب اهتمام المواطنين إلى القطاع الخاص، عبر إتاحة فرص العمل مع انطلاق المشاريع الاقتصادية لبرنامج التحول. وذلك لتقليل الإنفاق على موظفي القطاع الحكومي، الذي يثقل كاهل الموازنة. فوصلت مخصصات الرواتب والبدلات وأجور العمّال في موازنة 2014 إلى 314.2 مليار ريال، ما يعادل 83 مليار دولار، أي نحو 37% من ميزانية الدولة المقدرة حينها بـ855 مليار ريال (228 مليار دولار) بحسب مشروع الموازنة.

قُدرت النفقات العامة لموازنة عام 2016 بنحو 840 مليار ريال (224 مليار دولار)، انخفاضاً من 975 مليار ريال عام 2015. وكانت الميزانية الأصلية لعام 2015 تقدّر الإنفاق بواقع 860 مليار ريال. وجاءت الإيرادات 513 مليار ريال (137 مليار دولار)، مسجّلةً عجز قدره 326 مليار ريال (86.9 مليار دولار).

يروي أسامة الماجد، الذي اكتفى بشهادته في التعليم المتوسط، تجربته السابقة والوحيدة  للعمل في القطاع الخاص، قبل أن تتحول إلى إخفاق في غضون 5 أشهر. حينها قرر مغادرة العمل والانتظار في منزله بحثاً عن فرصة في القطاع الحكومي، وما زال ينتظر بعد مرور عامين.

Infograph-KSA2030-2

وفي بلد يعمل أكثر من ثلثي موظّفيه في القطاع العام الذي يمنحهم رواتب مغرية وظروف عمل مريحة نسبياً مقارنةً بالقطاع الخاص، ليس من المتوقّع أن يتغيّر هذا الاتجاه بين ليلة وضحاها. إلا أنّ وزارة الاقتصاد والتخطيط، ترى أنّ الوظائف التي يقوم بها غير السعوديين، هي الوظائف التي لا تتطلب مهارة عالية، ويمكن أن يتم إحلالها بالعمالة السعودية ذات المستوى التعليمي المتوسط.

ويشير الماجد إلى ساعته الجلدية السوداء وهو يبتسم، قبل أن يقول ساخراً: "هذه الساعة لها ذكريات سيئة. كنت أنظر إليها كلّ لحظة وأخرى، أحسِب الوقت وكأنه سنوات طويلة. كان عملاً مرهقاً وطويلاً، وهي تجربة لن تتكرّر".

في فبراير الماضي، ومع بداية حديث المسؤولين السعوديين حول خطة التحول، وافق مجلس الوزراء على خفض ساعات العمل في القطاع الخاص إلى 40 ساعة أسبوعياً. في خطوة قد تمثل جزءاً من سياسة جديدة للمملكة، تهدف إلى إزالة الصورة النمطية حول القطاع الخاص الذي ينظر إليه على نطاق واسع في المجتمع السعودي، باعتباره عملاً شاقاً. وكانت أصوات المواطنين العاملين في هذا القطاع، تعالت لسنوات، في شكوى من ساعات العمل المنهكة، مقارنة مع القطاع الحكومي. لكن مثل حال الماجد، يفضّل كثير من السعوديين خيار البطالة على العمل في القطاع الخاص.

Infograph-KSA2030-1

تؤكّد الإحصائيات الرسمية السعودية، استمرار تدفق الوافدين بشكل مضطرد، ما أدى بدوره إلى تراجع نسبة التوطين في مختلف القطاعات، خصوصاً الزراعة والتشييد والنقل والتخزين، بالإضافة إلى تجارة الجملة والتجزئة والصناعات التحويلية. ويعمل العمّال الأجانب في وظائف منخفضة الأجور يرفضها المواطنون، مثل بعض وظائف قطاعي الإنشاءات والتجزئة، والعمل في المنازل. بينما تعمل نسبة قليلة منهم في وظائف إدارية متوسطة أو رفيعة المستوى، تتطلب اختصاصات معينة.

ويختم الماجد: "بالتأكيد أحب بلدي وسعيد بالنجاحات التي تُحقق مؤخراً، لكنني لن أُمسك الفأس معهم. هذه ثقافة مجتمع تحتاج سنوات لتتغير".

إسلام الزيني

صحفي ومنتج تلفزيوني، عمل في شبكة الجزيرة الإعلامية سابقاً وهو مراسل لصحف ووكالات أنباء بريطانية. ينتج تحقيقات إسقصائية حول قضايا حقوق الإنسان والفساد في الشرق الأوسط.

التعليقات

المقال التالي