المرأة في الصعيد... تتهدهد في الظلام وتنهر في العلن

المرأة في الصعيد... تتهدهد في الظلام وتنهر في العلن

"أكسر للبنت ضلع يطلع لها أربعه وعشرين". "يا مخلف البنات يا شايل الهم للممات". على هذه الركائز تنشأ الفتاة في الصعيد. وعادة يعبر الموروث الثقافي عن واقع الشعوب، فنجد الكثيرات يعانين من رسوخ تلك الأفكار في ذهن آبائهن وأشقائهن، الذين يعتبرون المرأة عاراً، ويعدونها المخطئ الأول في كل شيء، والمحاسب على كل شيء فعلته أو لم تفعله.

"تناقضات سي السيد"

يهدهدها في الظلام وينهرها في العلن، يسمعها أرق الكلمات في غرفة النوم، ويحتقرها في مجلس العائلة. يريدها بجرأة من يراهن في أفلام السينما، حين يكونان وحدهما، وقطةً عمياء أمام المجتمع. يشاورها وينصت لرأيها ويتغزل بذكائها بعيداً عن الناس، وينسب لنفسه ذاك الرأي أمام الأهل والجيران وغيرهم.

تقول فاطمة سعد لرصيف22: "خطبت أنا وزوجي عن تفاهم وحب، فهو ابن عمي ومنذ طفولتنا يقولون إن فاطمة لمحمد، ومحمد لفاطمة. ودائماً يصفني منذ يوم خطوبتنا بالعاقلة، حتى جاء يوم، كان عصبياً جداً، وقال لي: "فاطمة لا بد أن نضع قواعد، حتى نستطيع أن نكمل مع بعض"، وأخذ يعدد هذه القواعد وسط ذهولي وصمتي. وهي: أن لا أبدي اعتراضاً حين يتحدث، وإن كان لي تعقيب على رأي أو فعل قام به، فعلي الانتظار حتى لا يكون أحد من عائلتنا جالساً. فتذكرت أنني قلت أمام والدته إن محمد أخطأ حين دخل تجارة مع صاحبه من دون أن يتابع الحسابات أول بأول معه، فيبدو أن كلامه جاء بعدما سمع كلامي. بالرغم من أنني قلت الحديث نفسه سابقاً له، ولم يعلق ولم أبد اهتماماً، واعتبرته مجرد غضب من خسارته لأموال كثيرة".

وأضافت: "بعد زواجنا بعام ونصف العام، تكرر الموقف، حين حكم في مشكلة وقعت في المنزل بين شقيقته وزوجة أخيه، فحكم على زوجة أخيه بالذهاب إلى منزل والدها. فرأيت أنه أخطأ، وأن هذا يعد ظلماً، لأنه سمع المشكلة من طرف واحد، شقيقته. فقلت رأيي هذا ببساطة بوجود والده وابن عمنا، فصفعني وقال لي: "خليكي في حالك وأنت مثل زوجة أخي اذهبي إلى منزل والدك". رغم أنني لم أكن طرفاً بالمشكلة".

وأوضحت: "رغم أنه لا يناديني في شقتنا سوى حبيبتي ونور عيني، لكنه مقتنع أن العادات تحكم، ولا بد أن التزم الصمت، وأن يعاملني بخشونة أمام الجميع، حتى لا يقولوا عنه إنه زوج الست".

"ضحية وهم الشرف"

المرأة في الصعيد هي المخطئ الوحيد في كل شيء، إن مرض ابنها هي المذنبة، وإذا أنجبت فتاة فهي أم البنات جالبة النحس. وإذا مات زوجها فهي عصفور الشؤم، الذي دخل إلى المنزل، وإن اتهموها بشيء، فقد قضي الأمر بمعاقبتها، لا أحد يسمعها أو يحقق في الأمر.

هاجر فتاة جامعية من إحدى قرى الصعيد، تعرف إليها شاب أثناء ذهابها إلى الجامعة في المدينة، طلب منها عنوان منزل أهلها لطلب يدها لتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

وروت شيماء سيد، صديقة هاجر لرصيف22: "فرحت هاجر حين طلب منها عنوان منزلها، فهي دائماً كانت متطلعة، لأن تبدأ حياة جديدة، وأن تعيش في المدينة، وأن تعمل بعد تخرجها، لذلك أعطته عنوان أهلها، ورقم شقيقها. وبالفعل تواصل معهم، وجاء ليطلب يدها للزواج، فقابله أهلها بجفاء ورفض بالغ، وقال والدها: "لا نناسب أحد لا نعلم من أين أتى، ولا نعلم أصله وفصله". فاعتبرها الشاب إهانة له ولأسرته، وبعد مرور شهر تقريباً، انتشر مقطع فيديو بين شباب القرية، تظهر فيه هاجر عارية ويقف أمامها هذا الشاب عارياً أيضاً. وفي صباح اليوم التالي، تم التنبيه في مسجد القرية إلى وفاة هاجر، ودفنت وسط تفاخر أهلها، وهمز ولمز من أهل القرية. وقبض على والدها، ثم أفرج عنه بعد عدة أيام". وأضافت: "أصبت بصدمة ولم أصدق كلمة واحدة. والقصص التي رويت عنها وتشويه الناس لها، وكلامهم البشع عنها، لأنني أعلم أخلاقها جيداً وعلى علم بالقصة منذ أن رآها أول مرة، وسعى لأن يحدثها، حتى جاء إلى منزلهم. لكنني لم أستطع التحدث بكلمة واحدة، لأنني إذا تحدثت فسيتهمونني مثلها كوني صديقتها وزميلتها في الجامعة".

ولفتت شيماء إلى أنه بعد مرور فترة قليلة على وفاتها، ظهر الفيديو الحقيقي، والمرأة الموجودة فيه حقيقة لم تكن هاجر. وتبين أنه مركّب، فبدأ الجميع يلومون والدها بصمت لأنه تسرع وشقيقها في قتلها. ولكن هل اللوم سيعيد هاجر إلى الحياة؟

وتؤكد شيماء أن الفتاة بالنسبة إليهم سلعة، تحافظ على شرفهم الذي يتمثل في "غشاء البكارة" حتى تخرج من تبعيتهم إلى تبعية رجل آخر يزوجونها إياه، لكن أي طموح آخر، أو خطأ تقع به، حتى وإن لم تكن مذنبة به تدفع سمعتها وحياتها مقابلاً له.

"التعبير عن مشاعرها عيب وممنوع"

تقول سناء مصطفى، وهي شاعرة من محافظة قنا: "بدأت كتابة الشعر في الصف الأول الإعدادي، وشجعني معلم اللغة الإنجليزية حتى وصولي للجامعة، وشاركت في العديد من مهرجانات الشعر داخل الجامعة وخارجها. أتذكر أنني كنت أقوم بدعوة أبي لحضور هذه المهرجانات التي أشارك فيها، لكنه كان يشترط أن لا أقرأ قصائد عاطفية، لأن ذلك سيشعره بالحرج بين الناس. حتى أحد الشعراء الكبار، وكان صديقاً لوالدي، قال لي أمامه: اكتبي ما يأخذكِ إليه خيالك، ولا تسمحي لأحد أن يكون وصياً على إبداعكِ حتى لو كان والدك".

وتضيف: "العادات والتقاليد ونظرة المجتمع، بالطبع أعتبرها قيوداً تحد من حرية الإبداع وربما تكسر أجنحته. فالقارئ يبحث عن شخصية الكاتب داخل نصه، يفتش عنه ويحاول أن يربط بين ما يقرأه وحياة الكاتب الخاصة خصوصاً إذا كان يعرف الكاتب عن قرب. ما بالكِ لو كانت كاتبة النص أنثى؟". وتجيب عن هذا التساؤل بنفسها: "حينها تحاول الكاتبة أن لا تتطرق لموضوعات تثير حولها فضول القارئ وتطفله، فتتكلم بحذر عن همومها في مجتمع ذكوري لا يعيب على الرجل فعل أشياء كثيرة، لمجرد أنه رجل. بينما يحرمها على المرأة ويلقي عليها ظلال فكره المشوه. لذلك أنصح كل مبدعة حقيقية أن تترك لخيالها العنان إن أرادت أن يكون لها دور فاعل في مجتمعها، وإن أرادت لقلمها خلوداً".

أما عن أصعب المواقف التي تكبل سناء في مسيرتها، فأوضحت: " حين أكون مدعوة للسفر لحضور مؤتمر أو مهرجان شعري أو المشاركة في أمسية أو ندوة، يكون لديّ الكثير من المسؤوليات والترتيبات التي لا يفكر فيها الرجل إذا تعرض للمواقف نفسها. فما عليه سوى حمل حقيبته وركوب أول أتوبيس أو قطار أو طائرة، من دون التفكير في أي تبعات أو مسؤوليات تعوق حركته. في أكثر من مرة حين كنت أقنع زوجي بالسفر وأرتب كل أموري بمشقة بالغة كانت أمي مثلاً تلومني: كيف تتركين زوجك وأولادك وتسافرين وحدكِ؟. لا يزال المجتمع مهما حدث فيه من تطور محدود الفكر بالنسبة لوضع المرأة وحقها في التحرك والسفر بعيداً عن ظلال الرجل".

"التمييز بين الأخوة والأفضلية للشقيق الذكر"

تؤكد الدكتورة منى المهدي، أستاذة الصيدلة في جامعة أسيوط، أن الرجل في الصعيد إن وضع تحت اختبار أن يعلم أحد أبنائه، يختار الذكر. فالفتاة بالنسبة لهم، مكانها الطبيعي المنزل ثم الزواج.

وتقول المهدي: "لدينا في الصعيد ازداوجية، فينادي الرجل بحقوق المرأة وبأنها ليست نصف المجتمع بل المجمتع كله، ولكن حين يرى أن المرأة ستترأسه في العمل يرفض".

ولفتت إلى أنها حين كتبت شعراً في إحدى مراحل عمرها التعليمية، طلب منها معلمها أن تكتب، ولكن من ذكر دون اسمها كاملاً وأن تكتفي بأول حرف فقط من اسمها، حتى لا ينظر لها أحد نظرة سيئة، حتى إن كان شعرها ليس عاطفياً، ففي الصعيد ينظرون للمرأة التي تكتب الشعر على أنها غير محترمة، رغم أن الرجل مصرح له أن يكتب ما يريد.

وأوضحت المهدي أنه حين تنجب المرأة في الصعيد فتاة، لا ينادونها باسمها، ينادونها باسم صبي، وإن لم تلده بعد. وكأن اسم الفتاة عار يتبرأون من حمله. من هنا تبدأ حلقات التمييز بين الولد والبنت داخل المنزل. فهو الذي يملك أن يتدخل في حياتها، ويرفض أو يوافق على أبسط الأشياء التي تفعلها كملابسها ومتى تخرج، ومن هم أصدقاؤها، كما يعطون أنفسهم الحق بتفتيش تلفونها الخاص.

"وظائف للمرأة مغضوب عليها"

لطالما وضعوا قائمة سوداء للوظائف التي لا يمكن للمرأة العمل بها، فيرون في الصعيد أن الأفضل للمرأة ان تجلس في منزل والدها او زوجها، وان قاومت وأكملت تعليمها وتطلعت للعمل فما هو أفضل من أن تعمل كمدرسة أو موظفة في دائرة حكومية بالمجالس المحلية؟ وإذا حاولت التطلع لأكثر من ذلك أو اختارت عملاً آخر لا يفضلونه، كالتمريض أو الصحافة أو الفن وغيرها، فينالون من سمعتها وشرفها.

تقول عبير العدوى محررة صحفية من أبناء بني سويف: "أصعب أمر تواجهه الفتاة في عملها الصحافي خصوصاً في المجتمعات المحلية الضيقة بمحافظات الصعيد، هو محاولات النيل منها في السمعة والشرف، ويزداد الأمر صعوبة إن اختارت لنفسها طريق التحقيقات الصحافية في ظل مجتمع مليء بالفساد الإداري والانحرافات الوظيفية. فأقسى تجربة تعرضت لها كانت في عهد محافظ سابق، إذ قمت بإجراء تحقيقات عن مخالفاته الإدارية والوظيفية. واكتشفت أنه لم يكن من السهل عليه تقبل هذه الأشياء، ففوجئت بحرب شنيعة ومحاولات تشويه لا تتوقف استخدموا فيها كل أسلحتهم اللاأخلاقية، ومحاولات استدراجي لأكثر من فخ، فالفتاة أكثر عرضة للتشويه إذا حاولت العمل بالصحافة والكتابة بشرف".

وعن رفض المجتمع لعمل المرأة في وظائف معينة، قالت: "كنت سأرتبط بشخص، وأتذكر أنه ذات مرة أبدى لي عدم رضاه وسخطه وغضبه لأنني كنت أقوم بعملي الصحافي بتغطية تظاهرة كبيرة في الشارع، وعلق قائلاً: أخي عاتبني على ما تقومين به".

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي