من الحدود السورية التركية إلى الأردن ثم مصر، كواليس الاتجار بالأعضاء البشرية

من الحدود السورية التركية إلى الأردن ثم مصر، كواليس الاتجار بالأعضاء البشرية

خُدِع الشاب الأردني بإعلان نشر على صفحات فايسبوك بعنوان "احصل على 4 آلاف دولار خلال ساعتين". لا يجيد الشاب الكتابة والقراءة جيّداً، واستدرجه الفضول والحاجة الماسة للمال، فوقع ضحيّة ذلك الاعلان المزيّف.

هو "عالم اللاعودة" كما يقول الضحية. لم يكلّفه الأمر سوى رسالة صوتيّة واحدة إلى صاحب الإعلان، ليكتشف أنّه من أكبر سماسرة بيع الأعضاء البشرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن ذلك الاتصال، دخل في النفق.

تجارة الأعضاء تنحسر ثمّ تعود في الأردن

سُجلت أولى حالات الاتجار لأعضاء بشرية في الأردن العام 1999، خصوصاً بيع الكلى. بقيت التجارة ناشطة حتى العام 2003، ثمّ بدأت بالانحسار تدريجياً بعدما شدّدت الحكومة الأردنيّة العقوبات المترتبة على السماسرة. لكنّها عادت لتظهر حديثاً، منذ عام 2014، من دون أي أرقام رسميّة لعدد الضحايا الجدد، بسبب ما يحيط بتلك التجارة من تكتّم وسرية سواء من طرف السماسرة أو من طرف الضحايا.

جمال (35 عاماً) كما فضّل أن نسميه، شاب أردني متزوّج وله طفلان، يقطن في إحدى ضواحي العاصمة عمَّان. كان بائع إكسسوارات على بسطة في وسط البلد، يجني منها 15 دولار يومياً، أي نحو 10 دنانير تقريباً. لم يكن يعلم أن مبلغ 4 آلاف دولار (يعادل تقريباً 2800 دينار أردني)، سيغير مجرى حياته. يقول جمال: "أخبرني أبو مدحت صاحب الإعلان أن الإنسان يستطيع العيش بكلية واحدة، ولكن منذ بيع كليتي أعاني من مضاعفات صحيّة ليس لها نهاية، لولا الفقر وحاجتي للمال لما قمت بذلك".

عملية انتزاع الكلية: من المشرحة إلى الشقة

أقنع أبو مدحت سمسار بيع الأعضاء البشرية جمال بالسفر إلى مصر في يناير العام الماضي، لإتمام صفقة البيع. اشترى التذاكر وحجز شقة لمدة يومين في إحدى ضواحي القاهرة. وبعد وصول جمال أخذ إلى مشرحة لإجراء عملية نزع الكلية.

أقوال جاهزة

شارك غردكل ما تودون معرفته عن الإتجار بالأعضاء البشرية، من الإستدراج الإلكتروني للضحية وصولاً إلى السفر والعملية الجراحية وبيع الكلية..

شارك غردخريطة طريق: عصابات الإتجار بالأعضاء البشرية هي شبكة واحدة منتشرة فروعها في كافة الدول العربية

يروي جمال: "تم سحبي إلى العيادة – المشرحة، في تمام الساعة السابعة مساءً. شعرت بالخوف، ولكن تفكيري كان منصباً على المال وكيف سأنفقه على الأولاد والبيت، وأرسم ابتسامة على وجه عائلتي، لم أكن أفكر بالألم أو ما سيحصل لي بعد العملية".

بعد الإنتهاء من العملية الجراحية بساعات قليلة، تسلّم جمال المبلغ المتفق عليه، لكنه كان ناقصاً، بعدما اختزلوا منه تكاليف السفر والإقامة. ويبدو أن الأمر ذاته تكرّر مع ضحايا آخرين، لم يستلموا المبالغ المتفق عليها كاملةً. بعد إجراء العملية مباشرةً، أخرجته العصابة من المشرحة إلى الشقة، وهو ما زال يتألم وينزف. بقي في الشقة حتى جاء صاحبها يطالبه بدفع أجرتها.

غادر جمال مصر إلى الأردن وجرحه مفتوح، من دون الأخذ بعين الاعتبار العواقب الصحية التي يمكن أن تطرأ. مضى أسبوع على عودته، لتبدأ رحلة مراجعة غرف طوارىء المستشفيات الحكومية، لإصابته بفشل كلوي بحسب الأطباء. يوضح: "كان وزني 80 كيلوغراماً قبل العملية، أما الآن أصبح 55، وأذهب إلى المستشفى مرتين في الأسبوع لإجراء غسيل للكلى".

مخاطر صحية ونفسية

عملية استئصال أي عضو من أعضاء الإنسان، خصوصاً الكلية، على أيدي أطباء غير متخصصين، إن جازت تسميتهم "أطباء"، قد يُعرّض الضحية إلى احتمال الإصابة بالفشل الكلوي. يقول الطبيب جميل القصاص (أخصائي باطنية)، والطبيب عماد خالد (أخصائي طب أسرة)، إن عملية كهذه تتطلّب إجراء فحوص مسبقة، للتأكّد من أن المريض قادر على العيش بكلية واحدة. لكنّ تلك الرفاهية غير متاحة في حالة الاتجار بالأعضاء البشرية. كما أن الجهد سيتضاعف على الكلية، ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى فشل كلوي، بالإضافة إلى الإحساس بوخزات دائمة في مكان العملية، واحتمال حدوث فتق به في أي وقت. ولا يستبعد الأطباء المعالجون لجمال حدوث تسمّم بالدم أثناء إجراء عملية كهذه، لعدم توفر البيئة الآمنة.

ما تحدّث عنه الطبيبان، يشخّص حالة جمال الصحية، ويشير إلى كمّ الآلام التي يعاني منها بشكل يومي. لكنّ الأمور لا تتوقف عند هذا الحدّ، كما يقول جمال، بصوت خافت والعرق يتصبب منه: "كلما نظرت إلى جسمي ومكان العملية أعضّ أصابعي ندماً، والحسرة تأكلني يوماً بعد يوم. فحالتي النفسية سيئة جداً". يتابع: "أستطيع تحمل الألم الجسدي لكن الألم النفسي أشدّ بكثير، أتمنى لو أستطيع الرجوع بالزمن، لما كنت سلمت نفسي وبعت كليتي".

تلقي زوجة جمال اللوم على نفسها، وعلى الأحوال المعيشية المتردية التي أجبرت زوجها على بيع كليته. وتقول: "لم أكن أعلم بنيته الذهاب إلى مصر ليبيع كليته، ولو عرفت لمنعته! لم نستفد شيئاً من المال جراء بيعه كليته، بالعكس نحن الآن ندفع أضعاف ذلك ثمن العلاج، ولولا أهل الخير الذين يتكفلون بالعلاج والمصاريف لمات زوجي وتشردنا".

الإطار القانوني: "الجاني= المجني عليه"

يشير أستاذ القانون في معهد الإعلام الأردني صخر الخصاونة، إلى أن قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان رقم (33) لعام 1977، والمعدل رقم (32) لعام 2002 الفقرة (ب) من المادة الرابعة في قانون العقوبات الأردني، ينص على: "لا يجوز التبرع بأيّ عضو من أعضاء جسم الإنسان، أو أيّ جزء من ذلك العضو، مقابل بدل مادي أو بقصد الربح".

عقوبة كل من يبيع عضواً من أعضاء جسمه، هي الحبس لمدّة لا تقل عن سنة أو الغرامة بما لا يقل عن 10 آلالف دينار أردني، أو كلتا العقوبتين. ويحاكم البائع بصفته ضحية وشريكاً في الجرم. أما بالنسبة للسمسار، فيُعاقب بموجب أحكام المادة (80/2) من قانون العقوبات، بصفته متدخلاً بالجريمة. ويعد متدخلاً في جناية أو جنحة، من ساعد على وقوع جريمة بإرشاداته الخادمة لوقوعها، كما أن من يتخذ بيع الأعضاء مهنةً له قد تصل عقوبته إلى حد عقوبة الاتجار بالبشر.

ويضيف الخصاونة لـ"رصيف22" أنّ هذه العقوبات من شأنها تثبيط عزيمة الضحية في الإبلاغ عن حادثة بيع أعضاء بشرية تعرض لها. لافتاً إلى أن "السبب يكمن في خوف الضحية من الملاحقة القانونية والتي تصل إلى السجن والغرامة". ولكن بالنسبة لجمال، الوضع مختلف قليلاً، إذ لا يرى الخصاونة فائدة بإبلاغ الجهات الأمنية بعد فقدانه كليته، بل يعتبر أن "التبليغ لن يفيد شيئاً، بل سيزيد الأمور تعقيداً، خصوصاً أن الناس لا ترحم إذا علمت بأنه باع كليته".

تعقّب الأموال لمعرفة من المستفيد!

المستفيد الأول والأخير من دون شك، هم "سماسرة تجارة الأعضاء البشرية"، بالإضافة إلى المرضى الأثرياء الذين يدفعون أموالاً طائلة جراء زراعة أعضاء لهم.

يتبيّن بعض المؤشرات غير الرسمية أن معظم الأعضاء البشرية تذهب إلى أثرياء في دول الخليج العربي، ودول أوروبا الغربية، فتدفع مبالغ طائلة، من الممكن أن تصل إلى مئات آلاف الدولارات، للحصول على كلية أو أي عضو آخر. ولا يحصل الضحية إلا على القليل من هذه الصفقة غير القانونية.

يتساءل جمال كما غيره عن دور الحكومات في الحد من هذه التجارة، زارعاً الشكّ من خلال سؤاله، عن مدى تورط مسؤولين كبار في معظم البلدان العربية بها. يشير إلى أن ما حدث معه، وما يحدث مع كثيرين غيره، يجيري على مرأى ومسمع السلطات المحليّة والخارجيّة من دون التحرّك أو محاولة ملاحقة السماسرة.

ويختم جمال: "هذه تجارة دولية كتجارة المخدرات والأسلحة، ولا أستغرب إن كان هناك علاقة لمتنفذين ومسؤولين عرب وربما أجانب فيها، لأنني لم أسمع يوماً أنه قبض على كبار السماسرة، بل في العادة يُقبض على الوسطاء الصغار".

يشار إلى أنه ألقي على عصابة تتاجر بالأعضاء البشرية على الحدود السورية التركية، وبعد التحقيق، تبيّن أن هذه العصابة شبكة واحدة تتألف من عدة فروع، متغلغلة في معظم الدول العربية. وتستخدم سلاح المال لإقناع من ضاقت بهم سبل العيش وعانوا من البؤس والفقر ببيع أعضائهم. لم يكن جمال يعلم بأن 4 آلاف دولار تلقّاها مقابل بيع كليته ستكلّفه حياة كاملة وموتاً بطيئاً ينتظره.

ربيع الحمامصة

ربيع الحمامصة، صحفي أردني مستقل، يعمل لعدة مؤسسات إعلامية محلية وعربية

التعليقات

المقال التالي