اليمنيون والقات… حكاية القطة والفأر

اليمنيون والقات… حكاية القطة والفأر

أصبحت تجارة القات، الأولى في عدن، على مدى السنوات العشرين الماضية. ترى ظهيرة كل يوم الآلاف من نساء ورجال، يتوافدون ويتدافعون بحماسة، متجهين نحو أسواق القات ليشتروا النبتة.

حين يناقش أهل عدن تأثير القات، قلّما يذكرون كيف أثرت تلك النبتة على حياتهم، وراء أبوابهم الموصدة في منازلهم. لا يرغبون بالاعتراف كيف غيرت علاقاتهم مع زوجاتهم وأطفالهم ومن حولهم. يتطرقون فقط إلى الجانب الاقتصادي والبيئي، ويتناسون الخراب الذي حل في بيوت من أدمن على تعاطي هذه النبتة. كل ذلك في محاولة لتبرير استمرار تعاطيه، ممسكين بحجّة توافر الحلول الاقتصادية والبيئية المناسبة، وغاضين النظر عن المشاكل الاجتماعية التي كانت ولاّدة للعنف.

منذ بداية الوحدة بين شطري اليمن عام 1990، بدأ استهلاك القات ينتشر على نطاق أوسع في جنوب اليمن. ذلك بعد أن كان دخوله ممنوعاً إلى المحافظات الجنوبية، إلاّ بمعدل يومين أسبوعياً. كان حينها عدد متعاطيه أقلية صغيرة مقارنةً بالنسبة الحالية، بل كان يُعتبر عادة مجتمعية دخيلة، قبل أن يصبح جزءاً لا يتجزّأ من ثقافة المجتمع في جنوب البلد.

"مولعي كبير" يقتل أحد باعة القات المتجولين

في أحد أسواق القات الشعبية في مديرية الشيخ عثمان، في محافظة عدن، جلس صلاح محمد الردفاني، أحد باعة القات المتجولين في المدينة. يأتي يومياً بسيارته من منطقة ردفان الجبلية، التي تبعد عن عدن نحو 90 كيلومتراً ليبيع القات لمدمنيه.

Yemen,-Qat-seller,-boy_Kate-Dixon_Flickr_NE

روى صلاح أن شقيقه قتل حديثاً على يد أحد زبائنه المدمنين، أو كما يقال "مولعي كبير". المشكلة بدأت بسبب زيادة على السعر 200 ريال. وقال: "أخي كان يعمل معي بتجارة القات وكنا نكسب الكثير من الأموال لأسرنا إلى حين أتى شخص مسلح، كغيره من زبائننا المسلحين لموقع تجارتنا، وطلب تخفيض سعر أحد أنواع القات، ليتمكن من شرائه. لكن أخي رفض، ولم يقبل المشتري بالسعر المعروف فتطورت المشادة الكلامية إلى عراك بالأيدي حتى أُردي أخي قتيلاً".

أقوال جاهزة

شارك غردهل يحظّر القات نهائياً في اليمن؟

شارك غرد90% من الذكور يستهلكون القات في اليمن، يمضغونه لـ3 أو 4 ساعات يومياً


يلعب انتشار القات بهذا الشكل دوراً أساسياً في تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وألقي عليه اللوم في معظم المشاكل العائلية، في مجتمع يبلغ الذكور المستهلكين لتلك النبتة نحو 90%، يمضغون القات لـ3 أو 4 ساعات يومياً، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية.

تؤكد منى الدبعي (ربة منزل)، أن وضع أسرتها كان جيداً سابقاً، قبل أن تعرف نبتة القات طريقها إليهم. تقول: "كان زوجي يبذل قصارى جهده لتوفير معظم احتياجات الأسرة، وكنا ميسوري الحال، وكثيرون يغارون من حالنا. لكن بعد إدمان زوجي على القات، تحوّل معظم دخله الشهري ليُصرف على شراء النبتة، وأصبح بالكاد يوفر لنا الاحتياجات الأساسية، أو حتى دفع فواتير المنزل، تاركاً حالنا شبيهاً بالفقراء على الرغم من دخله الجيد".

Yemen,-Men-with-qat_fiat

وأضافت: "إدمان زوجي حوّل حياتنا إلى جحيم، أطفالنا لم يتذوقوا طعم الفواكه في منزلهم منذ فتره طويلة، ولم يشتروا ملابس جديدة أو حاجيات الأعياد، بسبب تجاهل والدهم لهم". يدخل زوج منى إلى غرفته، يغلق الباب ليمضغ القات لـ8 أو 9 ساعات متتالية قبل أن ينام. فيقضي معظم يومه من دون أن ينطق حرفاً واحداً مع أطفاله.

يتسم مدمنو القات بالعديد من الصفات، منها العنف والعصبية المفرطة، وذلك عند انتهائهم من المضغ، أو عدم توافر السيولة النقدية لشراء النبتة بشكل يومي. ما يدفع بالبعض تحت تأثير الهيجان إلى سرقة الأموال، أو في بعض الحالات، ابتزاز الزوجة أو الأهل تحت تأثير السلاح، أو استخدام مختلف وسائل العنف للوصول لمبتغاهم.

97% من حالات العنف المنزلي أقدم عليها ذكور، والمتهم القات

وفقاً لدراسة نشرتها الجمعية اليمنية للصحة النفسية، 97% من حالات العنف المنزلي أقدم عليها ذكور. وصنفت الجمعية الإفراط في تعاطي القات، كأحد الأسباب الرئيسية في تفشي العنف المنزلي.

بثينة اليافعي، معلمة في إحدى ثانويات البنين الحكومية في مديرية البريقة في عدن، هي ضحية العنف المنزلي الناتج عن إدمان زوجها. تنفق كل دخلها لتوفير أساسيات الحياة لأطفالها، بعد خروجها من منزلها الزوجي مع أطفالها الثلاثة، عائدة إلى بيت أهلها منذ عدة أشهر. تقول: "وصل حال إدمان زوجي على القات إلى درجة لا تطاق. خصوصاً بعد أن فقد وظيفته في إحدى الشركات الخاصة. هو لم يحاول حتى البحث عن عمل آخر، نظراً لساعات نومه الطويلة، واكتئابه بسبب عدم توفر القات. ومنذ انعدام مصدر دخله، الذي كان يستهلك معظمه لشراء القات، باع سيارته وبعض أثاث البيت، الذي اشتريته من دخلي. كما حاول سرقة مقتنياتي الثمينة ومدخراتي، ليشتري النبتة".

Qat-seller,-Yemen_Carpetblogger_Flickr_NE

حاولت بثينة أن تمنعه عن استهلاك النبتة، واستخدمت معه جميع أساليب النصح والإرشاد، كما طلبت من أهله ومن المقربين التوسط بينه وبينها لإيجاد حلول، لكن دون جدوى. وتضيف: "وصل به الحال إلى ضربي أمام أطفالنا لأعطيه راتبي الذي أستخدمه لحاجيات البيت والأولاد الأساسية من طعام وغيره".

خفض استهلاك القات بصورة تدريجية قبل حظره نهائياً في البلاد

في قرار مفاجئ، بدأ سريانه منذ مايو الماضي، قررت سلطات محافظة عدن منع دخول القات إلى المدينة عدا يومين من كل أسبوع، وإعادة توقيت القات فيها إلى ما كان عليه إبّان حكم الحزب الاشتراكي.

تقول الحكومة اليمنية في عدن، إن زيادة الجرائم المتعلقة بالقات، دفعتها إلى حظر تجارته في المدينة، خمسة أيام في الأسبوع، والسماح بدخوله فقط يومي الخميس والجمعة. "وتهدف الحكومة من هذه الخطوة، إلى خفض استهلاك القات بصورة تدريجية قبل حظره نهائياً في البلاد"، وفقاً لنبيل المشوشي، قائد قوات الحزام الأمني في عدن، الذي يترأس القوات المسؤولة عن تفتيش البضائع قبل دخولها من بقية المحافظات.

Boys-hanging-out-eating-Qat,-Yemen_Jeff_Black_Flickr

في هذه الأشهر القليلة الماضية، شهدت أسواق الخضار في عدن تحسناً ملحوظاً في نسبة الإقبال عليها، من عدد من أرباب الأسر، الذين بدأوا في إنفاق مخصصات القات اليومية على شراء الفواكه والخضر، ومختلف الحاجيات التي حرمت أسرهم منها لفترة طويلة، منذ بداية رحلتهم البائسة مع الإدمان.

تقول آمنة باطويل لرصيف22، وهي تشتري الفاكهة برفقة أطفالها: "أنا وأطفالي فرحون لأن أباهم يعطيني يومياً المال منذ سريان قرار منع القات، فأذهب برفقتهم لشراء الفواكه التي يحبونها، بعد أن حرموا منها فترة طويلة. أنا ربة أسرة لا أملك وظيفة أو شهادة جامعية لأعمل بها. ونعتمد في كل دخلنا على راتب زوجي، الذي يذهب منه شهرياً ميزانية خاصة للقات".

التعليقات

المقال التالي