معشر الحشاشين السوريين في بيروت: "جوينت" للتأقلم مع غبن المدينة

معشر الحشاشين السوريين في بيروت: "جوينت" للتأقلم مع غبن المدينة

"الديلر" اسمه موسى. كان يجول في سيارته "الجيب" أحياناً بين الجعيتاوي وبيت الكتائب وفسوح ومار مخايل، أحياء منطقة الأشرفية في بيروت. يوزع حشيشاً حسب الطلب. يعرفه حشاشو المنطقة جيداً. يمرّ على الشباب السوريين المتمركزين في أحياء قريبة من بعضها بين الأشرفية والحمراء. كان لا بدّ من رقم موسى على هواتف أولئك الشباب، منذ أن أصبحت بيروت، مخيماً كبيراً لهم؛ إذ "يحتاج الأمر حشيشاً بالضرورة"، للعبور في كلّ هذ الشقاء.

عرفنا منتصف العام الفائت أن اسمه مروان، حين اعتقل وأحيل إلى سجن رومية بتهمة تجارة الحشيش. تقول ثرثرات أخرى أن اسمه علي. لا يهم، ما يهمّ فعلاً هو أن غياب موسى من أرجاء الأشرفية، خلق بعض الفوضى في بيوت لم تخل من الحشيش، منذ لحظة استئجارها من أصحابها، كبار السن غالباً.

اضطر الشباب للبحث عن موزع آخر. موسى لم يكن وحيداً في تجارته، والحشاش الجيد لا يعرف إلى الحشيش سبيلاً واحداً أو حتى اثنين، فجميع الطرقات تودي إلى بعلبك. لكن موسى في النهاية، كان "ديلفري" جيد، يقدّم خدمات التوصيل بأسعار مقبولة، وبعد ساعة أو ساعتين من الاتصال.

كيف أصبحت حشاشاً

المراحل نفسها تقريباً، مر بها الجميع، بدءاً بالـPuff الأولى، وصولاً إلى الـJoint اليومي، وهي مصطلحات لا بد أن يعرفها الحشاشون، كل سحبة ونفخة هي Puff، كل سيجارة حشيش ملفوفة مع تبغ هي Joint. يدور "صاروخ" واحد على الجميع، إذا كان عدد الجالسين قليلاً، ويسحب كل واحد ثلاث سحبات ويزفرها، ثم يمرر السيجارة إلى الشخص الجالس عن يمينه. الموسيقى فرضٌ، والإضاءة الخفيفة مرغوبة، والبيت عفن قديم غالباً، مع بعض الرسومات والغرافيتي والملصقات الصورية الجميلة على الحيطان، وسهرة السبت عامرة.

أقوال جاهزة

شارك غردالوقت في بيروت كفيل بأن تصبح حشاشاً، لأنك لو لم تفعل، ستموت من تراكم الغبن اليومي الذي تسببه المدينة


بالطبع، هناك استثناءات وحالات مختلفة. فهناك مجربو الحشيش الذين لم يعجبهم، ومفضلو الكحول على الحشيش، والمتوجسون من الصواريخ، والخائفون من فجائيّة لمخفر "حبيش"... هناك أيضاً المفكرون في ما إذا كان الحشيش مسبباً للإدمان أو لا، والمناقشون الدائمون في هذا الموضوع. وهناك أيضاً من ينفخ نفخة أو اثنتين إذا ما كانت السهرة جميلة، لمرافقة الآخرين لا أكثر. عدا عن هؤلاء، هناك موجة كبيرة من الحشاشين السوريين، "يتكيفون" الحشيش ليلاً حتى يناموا، ويستيقظون صباحاً، يدخنون "جوينتاً" خفيفاً قبل العمل، ثم ينطلقون إلى أعمالهم وحياتهم اليومية، هادئين سعداء. وإن لم يفعلوا في الصباح، فسيكون تدخين سيجارة الحشيش أول ما يفعلونه عند العودة من العمل في المساء.

من سوريا إلى لبنان

بالطبع، لم يتعرف السوريون على الحشيش في لبنان، فقد بدأ شباب دمشق باستهلاكه منذ العام 1995 تقريباً. في تلك الفترة، كانت مزارع الحشيش السرية في محافظة الحسكة، وعلى الحدود الشمالية مع تركيا، قد بدأت بتصدير إنتاج جيد يضخ في العاصمة غالباً. لكنّ الحشيش لم يكن دارجاً بنفس الشكل الذي ظهر فيه لاحقاً، مع موجة من الانفتاح الاجتماعي الشكلي بعد تولّي بشّار الأسد الرئاسة في العام 2000.

ثم جاء الوقت الذي بدأت الحرب تطحن فيه جميع السوريين، والحروب مرتع انتشار التعاطي بأشكاله، فكان الحشيش أقل المهدئات أضراراً، ما أدى إلى انتشاره الهائل في الأعوام الخمسة الماضية، ليس فقط في دمشق بل وصولاً إلى أصغر مناطق سوريا ومدنها.

ومع الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد، وصعود تجار الحروب الذين يجدون في مادة ممنوعة كهذه صفقة رابحة جداً، كان لا بد من تغيرات شديدة في الأسعار والمصادر. فمن خمسة آلاف ليرة سعراً للـ25 غرام من الحشيش الجيد، في وسط دمشق عام 2011، إلى عشرة آلاف ليرة، لنفس الكمية من الحشيش، بجودة أقل، بين عامي 2013 و2014. وفي الفترة الأخيرة، باتت أسوأ أنواع الحشيش تباع بمبلغ يتراوح بين 19 و20 ألف ليرة سورية، لكميات منقوصة عن 25 غرام، مع صعوبة كبيرة في الوصول إليها. أمّا خارج دمشق، فحدث ولا حرج. يمكن لطالب الحشيش أن ينتظر شهراً كاملاً قبل أن تأمين طلبه في اللاذقية مثلاً. فقد يعدك الموزع، المرتبط مع شبكة تجارية كاملة في حي الصليبة في اللاذقية، بأن يؤمن لك 50 غراماً من الحشيش، بمبلغ 15 ألف ليرة سورية، إلا أنه سيغيب طويلاً قبل أن يأتيك به. والمشكلة في طرطوس مثلاً، لا تكمن في تأمين الطلب، فابن المدينة قادر على عبور جميع الحواجز من دون أدنى تفتيش، لكن المشكلة في الأسعار، إذ يباع الـ20 غرام، مقابل 18 ألف ليرة سورية.

يا ليتني حشاش

يعمل عادل، وهو اسم مستعار، في سوبر ماركت في منطقة جل الديب، ويسكن في مار مخايل. خرج من سوريا بعد تخرّجه من الجامعة مباشرةً، هرباً من الخدمة العسكرية، وأمضى السنوات الثلاث الأخيرة في بيروت. يقول لرصيف22: "عندما كنت في سوريا، كنت ألتقي بعض الأصدقاء في مدينة اللاذقية، ندخن في سهرة نهاية الأسبوع، ونضحك كثيراً، لأن دمنا كان نقياً من الـ THCالمادة الرئيسية في القنّب، المسببة لكل الشعور المرتفع بعد تدخين الحشيش. يكمل: "في بيروت، أصبح الحشيش متوافراً بشكل أكبر، وكان أحد الأصدقاء قد استضافني عنده لمدة شهر، دخلت معه في النظام اليومي، ارتفع منسوب المادة في دمي كثيراً، فارتفع العيار الذي أحتاجه لأضحك كثيراً، وصرت حشاشاً".

أما مها (27 عاماً) فتقول أن الحشيش "أسلوب حياة". فحين تصبح مدخّناً للحشيش بشكل رسمي، ستفكّر كالحشاشين، وتنتبه إلى تفاصيل لم تكن لتنتبه لها لو لم تكن حشاشاً. وتكمل: "الوقت في بيروت، كفيل بأن تصبح حشاشاً، أي متبنياً لأسلوب حياة الحشيش، لأنك لو لم تفعل، ستموت من تراكم الغبن اليومي الذي تسببه المدينة، في الغالب، لسوري مثلك".

من جهته، جرّب رامي الحشيش عدة مرات مع أصدقائه ولم يستلطفه. يشير إلى أنّه من جيل أوائل الثمانينيات، الجيل الذي تعلم الكحول أولاً، فلم يعد من الممكن أن يدمن على موبقات أخرى. يقول: "يا ليتني كنت حشاشاً، كان ذلك سيكون أفضل بكثير من استيعاب كل هذا الهراء الحاصل في المدينة".

شاتيلا تجمعنا

عندما غاب موسى، وغابت معه بعض الأسماء الأخرى، بين الاعتقال والخوف منه، كان لا بد للشباب السوريين المقيمين في الأشرفيّة من البحث عن مصادر رخيصة أخرى. صادف أنّ صديقهم السوري الفلسطيني المقيم في مخيم شاتيلا، يعرف تاجر حشيش كبير من بعلبك. والرجل ليس موزعاً، بل تاجراً، فهو صاحب أراض مزروعة، يتاجر بما ينتج، باتفاقات تحت الطاولة مع الجيش اللبناني والقوى المسلحة الموجودة في المنطقة. زار الشاب الفلسطيني مع بضعة أصدقاء بعلبك، واتفق مع التاجر، وحمل ما يقارب أربعة كيلوغرام من الحشيش، وزعها على قمصان الصديقات البنات الداخلية، خوفاً من أي تفتيش على الحواجز. عاد بالحمولة إلى شاتيلا، ووزّعها على رفاقه بأسعار أرخص بكثير. كان موسى يبيعهم 25 غراماً بخمسين دولار، والآن يحصلون على خمسين غراماً من حشيش البعلبكي النظيف، بخمسين دولار!

في شاتيلا، يمكن إيجاد الحشيش بأنواع مختلفة، "اللبناني" ويقصد فيه البعلبكي، الأفغاني وهو أسود، والمغربي وهو بني، والسالفيا والماريوانا وهي نبتات أخرى. في شاتيلا، لا مصدر واحد للحشيش النظيف بل مصادر متنوعة.

من جمعة مخيم اليرموك على سطوح دمشق مع سيجارة حشيش مميزة، إلى أسطح شاتيلا وسجائرها، يبحث السوريون عما يلهيهم عن مرّ عيشهم، من سوريا وإلى لبنان.

كلمات مفتاحية
سوريا ملف الحشيش

التعليقات

المقال التالي