العذاب الجميل: صور الحروب والاتجار بالألم

العذاب الجميل: صور الحروب والاتجار بالألم
من أعمال الفنان مان راي

أخبار يومية تحمل صور دمار وقتل، ومعها أصبحت الصور، وقدرتها على "الاتجار" بآلام الناس، مجالاً أساسياً للتواصل الاجتماعي، وممارسة يومية لا مفر منها. هذا الشغف يظهر خصوصاً في الإعلام، الذي يعشق صور الفجيعة. وفي الحياة الاجتماعية، وعالم الفن، وفي السياحة، وفي سوق الأزياء والإعلانات. لكن سنركز في هذا المقال على صور الحروب والدمار التي أصبحت مشاهد يومية تتداول على أنها "توثيقية" وإخبارية.

الكاميرا رفيقة الحروب

اهتمام الحضارة البشرية بالألم يتجسد في عمق مفهومنا لإنسانيتنا، وقد تعاملت معه شعوب العالم، عبر التاريخ. لكن ما تغير اليوم، هو التعبير عنه في شكل تصويري، وعلاقتنا مع الآخرين التي باتت تتبلور بمواقفنا من أحزان "الآخرين". عمر الصورة، أو الكاميرا، أقل من قرنين، لكن تاريخها كان دائماً حافلاً وغنياً، وكذلك عفناً ونتناً، فالكاميرا رافقت كل حرب ودمار، منذ نشأتها حتى اليوم.

لكن التصوير فن أيضاً، لم يعترف به إلا منذ فترة قصيرة، وهو أيضاً مصدر توثيق، وهذا ما حققته الصحافة التصويرية. لذا يتأرجح التصوير بين عالمين: التوثيق "الحيادي"، والفن الإبداعي الفردي. وفي خدمة هذين المسارين في تاريخ الصورة، نشأ صراع بين هدفين: التجميل، والتعبير عن تصور أخلاقي لقول الحقيقة وتوثيقها.

صور جميلة للدمار

في معرض مفتاحيّ عام 2006، قدمت مجموعة من الأكاديميين والقيمين في متحف الفنون لجامعة وليامز، معرضاً ترافق مع كتاب، حملا عنوان: "العذاب الجميل: التصوير والاتجار بالألم"، ومنه عنوان هذا المقال. يتساءل المعرض والكتاب معاً عن فكرة إذا لم تكن صور الموت، والأشلاء والجرحى، والأبنية المدمرة، والصدمة والفجيعة، قد أصبحت علامة مميزة لحياتنا المعاصرة. والمفارقة الهامة التي يتخذها المعرض ومقالات الكتاب في صلب مشروعهم النقدي، هي أن اعتبار صور القتل والدمار والقتلى، التي تلقى الانتشار الأوسع، ضمن تقييمها الفني، ساحرة ومثيرة. فكيف نوافق بين فجائعية الواقع وجمالية الصور؟ وما المشكلة في كون صور الدمار "جميلة"؟

السؤال الملح المتضمن في هذا التقييم هو: هل يعني هذا أن مواقفنا تجاه العذاب والدمار، أصبحت محكومة بمعايير جمالية؟

أقوال جاهزة

شارك غردكيف نوافق بين فجائعية الواقع وجمالية الصور؟ وما المشكلة في كون صور الدمار "جميلة"؟

شارك غردهل يحقّ لنا أن نرى آلام الآخرين؟


هذه إشكالية ليس فقط للتصوير نفسه، بل لمفاهيمنا الإنسانية التي بدأت تتأقلم معه. فمثلاً، في أكبر موقع للتصوير Getty Images، الذي أصبح مجانياً لأي متصفح، جُمع حتى اليوم نحو 78 ألف صورة عن الحرب في سوريا وحدها. اختيرت لقيمتها التوثيقية، ولكن أيضاً لأنها صور عالية الدقة، مثيرة بتشكليها ومنظورها وإضاءتها وتظليلها.

Syrian-Kurds-Battle-IS-To-Retain-Control-Of-Kobani

البحث عن "الحقيقة"

ربما كان القلق من تحكم الصورة بحدود معرفة الآلام وشكلها، نابعاً من وهم "المباشرة"، وكأن هناك "حقيقة" واحدة لما يجري، وطريقة لمعرفتها بشكل "مباشر" من دون أي وسيط، تغيير أو تحوير. لكن الصورة شكل من أشكال نسق تعاملنا مع أخبار العالم. بمعنى آخر، ربما أصبحت أخلاقيات نظرنا الآن محكومة باستراتيجية الصورة، لكنها دون شك، كانت محكومة بأشكال اختلفت مع موجة التغيرات والميول الثقافية لسياقاتها. أي أن ما نعتبره وسيطاً (الراديو، التلفزيون...) كان دائماً جزءاً من الخبر: من ماهيته، واختياره، نوعه، وطوله، وتأطيره، وعنونته، وربطه مع مواضيع أخرى، فما الذي يجعل الصورة مختلفة؟ وكيف تنسحب هذه الأسئلة على المجال الأوسع؟

يتفق الكل على أن العالم يغرق اليوم في فائض من المواد البصرية، كل شيء على وجه الأرض تم تصويره، وربما كله متاح لنا مجاناً عبر شبكات الانترنت. في كافة المواقع الإخبارية، أصبح هناك زاوية "الأسبوع في صور"، وفيه قولبة تاريخ العالم أسبوعياً، عن طريق اختيار مواضيع لتقنين المعرفة في إطار صور منتقاة، الغاية منها توجيه علاقة قرائها مع العالم، وتأطيرها وفق اعتبارات ثقافية وسياسية، تنسجم مع توجهات هذه المواقع الإخبارية.

في الصور انفتاح معرفي لنا: فنحن نشاهد أماكن وتجارب من أرجاء العالم. ولكن، في معظم الأحيان، تصبح  الصور نظيراً لجزء من الواقع وبديلاً له، فتحد من شغفنا أو فضولنا للتواصل معه، وتشبع حساسياتنا وتعمم اهتمامنا بما نشاهد. وهنا تكمن خطورة صور الحروب والدمار والموت. هناك تخوف دائم من أن تصبح تجربة "المشاهدة" نفسها هدفاً، وأن تحل الصورة مكان الحدث أو الشخص الذي تصوره. وأن تتقزم وقائع التاريخ وأحداثه إلى تصور مبسط، أحادي النظرة، يجعلنا ننشر صورة الدمار على صفحة الفيسبوك، نضيف وجهاً عابساً أو باكياً، ونتابع حياتنا متحررين من أي مسؤولية تجاه ما يحصل.

هل أصبحت الصورة هي "المتن"؟

نحن اليوم، من دون شك، نحمّل التصويري، في شكل صور وفيديوهات وبوسترات، مسؤولية "المعرفة" نفسها. أي أن الصور أصبح لها مهمة تعريفية وإخبارية معاً. لم تعد الصورة ترافق النص، وأصبحت الكلمات التي ترافق الصور، باستثناء العناوين، هي التي تعطيها أبعاداً دراماتيكية - تزينية زائدة، وتصويرية. فنجول ببصرنا على النصوص المرافقة للصور، نقرأ جملة هنا وعبارة هناك، لكن تركيزنا منصب على الصورة التي نتخيل فيها حقيقة الأحداث، والأشخاص والأمكنة، التي تؤطرها لنا. وقد بدأ هذا الميل مع الحرب العالمة الثانية، حين فشلت اللغة في التعبير عن صدمة فجائع الحرب، واحتلت الصورة صدارة التواصل مع العالم الذي مزقه الدمار. حينها لم تكن الصورة وسيلة لتصوير الأحداث فحسب، بل إطاراً واستراتيجية لفهم أسبابها، وكيف لنا أن نتعاطى معها ونتذكرها.

والمثال هو عشق الإعلام بكل وسائله لأخبار داعش: الاهتمام اليومي، ليس فقط بالأحداث، بل بالقصص والصور والفيديوهات المتقنة الإنتاج، والتي يخاطب من خلالها داعش، عالماً يعاني إشباعاً بصرياً، ويميل إلى الانجذاب لما هو غريب ومفجع.

هل أصبحت ذاكرتنا على قياس صورنا وعددها؟

في فيسبوك اليوم خاصية لـ"ذكريات في مثل هذا اليوم". وفيها تظهر على الصفحة الشخصية اقتراحات تذكر صاحبها بـالصور والتعليقات التي شاركها على صفحته. هذه النسخة الشخصية لتاريخنا الخاص، تستدعي سؤالين: هل الصورة هي الطريقة المثلى لنتذكر؟ وهل بدأت ذكرياتنا تقيس نفسها، وتمد معانيها بما بتناسب مع قياس الصور التي تربطنا بها؟.

ورغم أن فيسبوك بدأ بتقديم هذا الخاصية مؤخراً، لكنها تتقاطع مع دور قديم لعبته الصور على مجال أوسع، في تشكيل ذاكرتنا التاريخية الجمعية. فغدت الصور، التي أخذت شهرة عالمية وأصبحت "لافتات"، تذكرنا بتفاصيل أحداث معينة، كصورة القنبلة النووية في هيروشيما، أو ابتسامة الأميرة ديانا بخوذة على رأسها وهي تدعم حملات التخلص من الألغام، وغيرها الكثير.

1024px-Atomic_bombing_of_Japan

الملكة ديانا، تصوير مايك فورستر الملكة ديانا، تصوير مايك فورستر

تحمل الصورة انطباعاً توثيقاً، لا تزال تتمتع به الصور حتى اليوم. وفي سذاجته يحمل أوهاماً عديدة، على رأسها أن الصورة "أبلغ" من ألف كلمة. حقيقة الصورة أنجع من كل الفنون التي سبقتها لأنها توحي بأنها توثق "الحقيقة"، فلا حاجة لأن نبحث أكثر وأبعد منها، لنفهم الأحداث التي تمثلها. لذلك أصبحت للصور القدرة على قولبة ذاكرتنا في حياتنا الخاصة وكشعوب وجماعات. وأن العنف والدمار الذي نراه في الصورة يحتاج لردود فعل عاطفية شخصية من كل من يشاهدها، وأن تجاوبنا معها يكفي.

أيضاً تعطينا صور الدمار الانطباع بأن الفجيعة التي حدثت في الواقع قد وثّقت، وذلك يوهمنا بأنها تحت السيطرة، وفي طريقها للحل. لذا يمكننا أن نستبعدها وننساها بعد أن "نشارك" أصدقاءنا على صفحات الفيسبوك بها.

ولعل أقوى ادعاءات الصور، وربما سبب سحرها وشغفنا بها، هو السلطة التي تمنحنا إياها بـ"النظر" إلى العالم وأحداثه. فبنظرنا الصورة، أياً كانت الفجيعة التي تصورها، تدخلنا في علاقة مع ما نراه، ونتوهم أننا نسيطر على أحداث الصورة، ولنا القدرة على تغييرها، أو أن نختار أن نكون آمنين عنها.

إنه عصر الصورة بلا أدنى شك، وهذه الفوضى البصرية لصور الحروب، غيرت مفاهيمنا لما يستحق المشاهدة، والأهم من ذلك، غير معايير وأخلاقيات "النظر". فهل يكفي أن نعرف ونعترف بهذا؟ لعلنا نبدأ بفهم القلق الذي يغذّي الهوس بتصوير وعرض القتل والدمار، وبسؤال أنفسنا، كيف يحق لنا أن نرى آلام الآخرين؟

إيناس خنسه

إيناس خنسه باحثة سورية مختصة بشؤون العالم العربي. عملت كأكاديمية ودبلوماسية في عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. حاصلة على شهادة دكتوراه من جامعة جورج تاون وعلى منحة زمالة ميلون من جامعة هارفارد. إيناس تكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي