تعرّفوا على أقدم مصبغة خيوط في مصر

تعرّفوا على أقدم مصبغة خيوط في مصر

منذ طفولته يرى الحياة بالألوان، ودفعه حبه للألوان أن يبحث عن عمل يشبع شغفه. في حي الدرب الأحمر وسط القاهرة، وهو من أقدم الأحياء التاريخية، تقع أقدم مصبغة لصباغة الخيوط، جوار مسجد أصلم السلحدار، والمعروف باسم مسجد "أصلان".

عُرفت باسم مصبغة "عم سلامة"، أو الحاج سلامة. وهو رجل في بداية الثمانين، لا يجيد القراءة ولا الكتابة، لكنه يجيد فن التعامل مع الآخرين، وما زال يتمتع بصحة جيدة، ويقابل الجميع بالابتسامة والترحاب.

Sh-(16)

يقول لرصيف22: "عملت منذ طفولتي في مهن كثيرة، لكنني لم أجد نفسي إلا في هذه الصنعة. فأنا وُلدت في أسرة ميسورة الحال في محافظة القليوبية، وانتقلت عام 1950 للعيش في حي الجمالية بالقاهرة، وبدأت العمل في المصبغة عام 1955 ولم أزل".

تعلم العم سلامة فن الصباغة في هذه المصبغة على يد الحاج حنفي الزعبلاوي منذ عام 1955، وهو المستأجر الرابع لها. فهي موجودة منذ عام 1901، وتابعة لوزارة الأوقاف حالياً، إذ تعدّ المصبغة البلدية الوحيدة في مصر.

أقوال جاهزة

شارك غردمصبغة "بلدي" موجودة في القاهرة منذ عصر الخديوي عباس حلمي الثاني، وعمرها 116 عاماً...

يقول العم سلامة: "أجيال عاشوا من خيرها، وأبنائي يعملون معي فيها. لدي 11 ابناً، أربعة صبيان وثماني بنات. كلهم متزوجون ولدي أحفاد متزوجون أيضاً".

وضع-الصبغة-فى-حوض-الصبغ--(1)

لون العم سلامة المفضل هو الأبيض، لأنه يذكره بمحبة الله ومحبة الناس، والقلوب الصافية. يقول: "الألوان هي عشقي الأول".

يروي بسعادة: "دائماً ستظل أول عشرة ألوان صبغتها بيدى لحسابي الخاص، وجلت بها مصر كلها لأعرض المنتج على الزبائن، هي أحسن ألوان الخيوط التي عملتها في حياتي: البمبي، اللبني، الأحمر، الذهبي، الأصفر الكناري، الأحمر الطرابيشي، البنفسجي، الأخضر الزرعي، البصلي، والأبيض".

تعتبر صباغة الخيوط عملية منظمة ومرتبة "مثل الكون تماماً"، بحسب العم سلامة. تتم في خطوات ثابتة وبمعايير محددة. فإذا زادت صبغة اللون عن المطلوب وصلنا إلى لون آخر. ويعود تاريخ صباغة الخيوط إلى عصر المسيح، وهناك من يقول إنه يرجع إلى العصور الفرعونية القديمة. إذ اكتشفت ماده الكبريتات التي كانت تستخدم في صباغة وتبيض الأقمشة.

تطورت الصبغات بتطور العصر، وأضيفت مواد كيميائية أخرى في الصباغة وطرق صباغة جديدة، بالإضافه إلى تطور الصناعة نفسها، في التصميم مثل مزج الألوان لتخرج خيوط ممزوجة بمجموعة من الألوان المتداخلة.

يسترسل العم سلامة في الحديث عن تفاصيل صباغة الخيوط: "الصبغات أنواع ولها أسماء. لكل صبغة طريقة عمل معينة. فالريأكتيف توضع بها مادة صودا القش، و50 كيلوغراماً من الملح للحوض الواحد. أما الأدنجريه، فهي معروفة بأنها ضد الكلور، أي أن الصبغة لا تخرج منها بعد غسيل الأقمشة بمادة الكلور، ولا يضاف إليها ملح نهائياً. إنما تضاف إليها صودا كاوية وبودرة سلخ لتثبيت اللون. أما الصبغة المباشر (العادية)، فيضاف إليها ملح بكمية قليلة وصودا قش بنسبة 50%".

shaimaa-(6)

صباغة-الخيط-باللونين-مختلفين--(5)

ويقول محمد مصطفى، الذي يعمل في هذه المهنة منذ 15 عاماً، والمتزوج ابنة الحاج سلامة: "الألوان المستخدمة في الصباغة طبيعية، كالتي تستخدم في العصائر مثل صبغة التمر الهندي. كل هذه المواد تستخدم بنسب محددة، وبالميزان. فالعملية مرتبة ومنظمة مثل المعادلة الكيميائية تماماً. وبالخبره اكتسبناها".

تأتي الخيوط القطنية من مصانع مدينة المحلة، في محافظة الغربية، وهي من أكبر المدن المشهورة بالغزل في مصر. تفك الخيوط وتفرد قبل مرحلة الصبغ على القضبان، ثم تحضر كمية الصبغة بناءً على كمية الخيوط المطلوبة، ونوع الصبغة. توضع الخيوط في حوض الصبغة، يضاف إليها 50 ليتراً من الماء الساخن. ودائماً الألوان الفاتحة أسهل في صباغتها من الألوان الداكنة.

يعتبر مصطفى أن الصبغ اليدوي أفضل من الصبغ في المصانع. ويقول: "هناك مصانع معروفة تصبغ الخيوط لكن لا تتحكم في درجة اللون مثلما نفعل. نستطيع أن نتحكم في درجة تفتيح اللون". ويؤكد على أن المصبغة البلدية ستظل، ولن تنقرض فهي الأساس، مضيفاً: "ما زال لدينا زبائن حتى إن قلوا عما قبل، مثل تجار الجملة، وتجار الأقمشة، ومصنع قطونيل أيضاً لأنهم يعرفون قيمه المصبغة اليدوية، وأن الألوان ثابتة وتخرج لون العينة نفسه في وقت أسرع وأرخص".

shaimaa-(4)

Sh-(44)

يعتبر مصطفى أن الخطر الحقيقي الذي يهدد هذه الصناعة هو غزو الصين، فتعرض الخيوط بالسوق المصري بسعر أرخص للبكرة الواحدة. العمل قل في السنوات الخمس الأخيرة في مصبغة الحاج سلامة، وانخفض عدد العمال من 7 إلى 3. ويوضح مصطفى: "الحكومة أخطأت بتصديرها للقطن طويل التيله للخارج، لأننا نعود ونشتريه من الخارج بمبلغ كبير".

تخرج-الخيوط-من-العصارة-ويحملها-محمد-فوق-رأسه-الى-الدور-الثانى-السطوح-ليتم-نشرها--(2)

shaimaa-(7)

shaimaa-(5)

ويتذكر محمد أول أسبوع له في المصبغة وهو طفل: "كنت أحصل على 18 جنيهاً أسبوعياً، وجنيهين كمصروف نظير عملي. الآن بعد 15 عاماً أتقاضى 100 جنيه في اليوم. هذا العمل ليس مربحاً، خصوصاً في ظل ارتفاع المعيشة".

أما مصطفى، فيروي حادثة طريفة حصلت في المصبغة، وهو يستعيد ذكريات عمله الطويل فيها: "كنا في رمضان. قال الحاج لأحد العمال واسمه إبراهيم: احتفظ بهذا المبلغ، وكان 8 آلاف جنيه، وضعهم في جيبه الخلفي. كنا نصبغ خيط حرير لزبون، وكان الجو حاراً جداً وكنا صائمين. فدخلت وقلت له: خلاص ياعم كده خلصنا الزبون مش عايز خيط تاني. من فرحته بانتهاء العمل قفز في حوض الصبغة بالفلوس، وفي هذا اليوم قبضنا رواتبنا مبللة بالمياه بسبب ابراهيم".

 

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي