قبل أن تنالي حريتك... استقلي مادياً

قبل أن تنالي حريتك... استقلي مادياً

"يفقد الإنسان كرامته حين يعجز عن الإنفاق على نفسه"، تقول الناشطة النسوية والكاتبة نوال السعداوي. ربما كان ذلك القول أكثر انطباقاً على الفتيات منه على الذكور. وأخيراً أصبحت بعض الأسر تقرن فعل بناتهن ما يحلو لهن بقدرتهن على الاستقلال المادي.

نادين محمد، 20 سنة، طالبة، تروي أزمتها مع الأسرة: "أجبرتني أسرتي على ارتداء الحجاب ومنعتني من التمثيل الذي أحبه. وعندما قلت لهم إن ذلك شأني تعرضت للضرب والإهانة والحرمان من الخروج، وفي النهاية ساوموني على الإنفاق عليّ".

وأضافت لرصيف22: "قالت لي والدتي بصراحة: طول ما أنا بصرف عليكي كلامي هو اللي يمشي وتنفذي أوامري بدون نقاش" وتابعت: "فشلت في الحصول على عمل حتى الآن وانضممت إلى فرقة مسرحية وهم يظنون أنني آخذ "كورسات" من أجل العمل. أنتظر "الشغل" بشدة حتى لا يكون لهم "حجة" ضد تصرفي بحرية".

أقوال جاهزة

شارك غرد"أنا الآن أقوى وعلاقتنا عادلة. أصبحنا شريكين وليس هنالك سيد وعبدة"، قالت سيدة عن أثر عملها على حياتها الزوجية


أما لميس محمد، 22 سنة، خريجة تجارة، فقالت: "والداي معترضان على كل تصرفاتي خصوصاً الخروج بشكل متكرر والبذخ، وردهم الدائم عند كل خلاف "اشتغلي وسافري أو اتجوزي. قبل كدا تمشي على مزاجنا وبس"، أنا بدأت أشتغل فعلاً والسفر هو خطوتي القادمة. فقلة المال هي ما يمنعني فقط، ومن المريح أن تحكمات أهلي بحياتي قلت كثيراً منذ أن توقفت عن طلب الأموال منهم".

علاقات عادلة

أميرة محمد، 40 سنة، معلمة، لها قصة مختلفة: "كنت أعاني من رفض أسرتي لتصرفاتي وكان الحرمان من المصروف هو العقاب الدائم. وبعد الزواج وجدت نفس المساومة من زوجي وإن اختلف المسمى إلى "مصروف البيت". تمردت على ذلك وبدأت أعطي دروساً منزلية لأبناء الجيران. اعترض زوجي وعاندني لكني تحملت. أنا الآن أقوى وعلاقتنا عادلة. أصبحنا شريكين من غير سيد وعبد".

"هي مجرد "فزاعة" يطلقها الأهالي ظناً منهم أن هذا الشرط تعجيزي. كانوا يقولون لي "لما تشتغلي وتصرفي على نفسك تبقي حرة". أنا الآن أعمل منذ عامين ولم يجدّ في الأمر شيءٌ، تحكماتهم لا تنتهي"، هذا ما قالته أمنية خليل، 25 عاماً، وتعمل محاسبة، قبل أن تضيف: "عندما نختلف الآن يهددوني بالقتل إذا ما خرجت عن طاعتهم. أشعر بقلة حيلتهم في إرهابي للخضوع لهم وأشفق على الفتيات اللواتي يحلمن بالاستقلال المادي ليعشن بحرية... لا حرية للمرأة في مجتمعنا للأسف".

خطورة المساومة

في رأي نهاد أبو القمصان، المحامية والناشطة النسوية ورئيس المركز المصري لحقوق المرأة، إن "مساومة الأهل للمرأة على حريتها وخاصة على "الفلوس" أمر شديد الخطورة ويرسخ قيماً سلبية في ذهن الفتاة ربما تدفعها إلى التمرد".

ولكنّها قالت لرصيف22 أن "هذا لا ينفي ضرورة عمل المرأة حتى لا تضطر، مجبرة، إلى اتخاذ قرارات ربما تدمّر حياتها، مثل الزواج من شخص لمجرد ثرائه، أو الاستمرار مع زوج مدمن لعدم وجود عائل آخر".

وعن مزايا الاكتفاء المادي للمرأة، أكّدت أبو القمصان أن "استقلال أي شخص مادياً يحميه من العديد من الأخطار أبرزها الخضوع لإرادة الآخرين وتحكماتهم وكذلك العنف وأغلبه يُمارَس ضد الفتيات والنساء اللواتي يقبلن بالإهانة ما لم يكن لديهن مصدر رزق".

واعتبرت أن "الرجل ذاته لن يهين المرأة إذا أيقن أنها قادرة على الاستغناء عن نفقته سواء أكانت ابنه أو زوجة".

للمرأة غير المتزوجة شأن آخر

توافق شيماء إسماعيل، خبيرة العلاقات الأسرية، على الحديث السابق. وأوضحت: "إذا سلمنا بأن الاستقلال المادي أمر إيجابي للفتاة أو الزوجة، فإنه ضرورة وملحة لمَن يتأخر زواجهن، فهؤلاء الفتيات يكن أكثر حساسية وشعوراً بالعبء على الأسرة، وقدرتهنّ على الإنفاق على أنفسهنّ يساعدهنّ على اتخاذ القرارات الأفضل، فلا يلجأن مثل بعض المراهقات إلى الحلم بعريس ثري يغدق عليهن الأموال وكفى".

ماذا عن العيوب؟

وترى إسماعيل أنه "عندما يكون لدى المرأة دخلها الخاص تغدو أكثر ثقة في ذاتها وأكثر تفتحاً وإشراقاً، حتى أنها إذا تعرضت للانفصال أو غياب الأهل أو الشريك تكون أقدر على الصمود والاستمرار".

وترفض إسماعيل اتهامات تهميش المرأة المستقلة للزوج وتقول: "في أغلب الحالات التي تعاملت معها، تعاني المرأة المستقلة مادياً أو العاملة، من القهر والضغوط وليس العكس. فأغلب الأزواج يظنون أنهم يتفضلون على نسائهم بالسماح لهنّ بالعمل ويعتبرون أن وقت عملهن هو حق مسلوب منهم. وفي المقابل يستولي الزوج على المرتب بالكامل أو يترك زوجته لتتحمل نفقات المنزل".

وتستنتج من ذلك أنه "برغم أن الفلوس قوة فهي عبء أيضاً وربما دفع ظلم الرجل المرأة إلى عدم الاعتماد عليه، وهو مَن يختار ذلك من الأساس".

وعن التحولات الاجتماعية السلبية التي قد يحملها الاستقلال المادي للمرأة يؤكد  محمد سيد أحمد،  اختصاصي في علم الاجتماع في المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة، أنه "بالنسبة للفتاة، عندما تجبرها الأسرة على العمل لنيل حريتها خاصة في فترة المراهقة، تعلن التمرد والعصيان وترفض مراجعة سلوكياتها السلبية، بل ترفض ولاية الأسرة بشكل تام وتتربص الكسب المادي ليظهر عقوق الوالدين بخلاف الانطواء والعزلة عن الأسرة".

ويتخوّف سيد أحمد من ظاهرة الزوجة المستقلة اقتصادياً ويقول: "الزوجة التي تسعى إلى العمل والاستقلال المادي فقط من أجل الندية مع الزوج تهمش دوره في الأسرة وتفرض سيطرتها وإرادتها، بما يتسبب بخلل في الأسرة وتبادل أدوار غير محمود العواقب".

وبرأيه، "وحدها الزوجة العاقلة تستطيع تفادي ذلك حتى لا يتأثر الأبناء وتترسخ تلك القيم السلبية في أذهانهم وتظهر في تكوين أسرهم في ما بعد".

في المقابل ترفض أبو القمصان هذا التحليل وتعلّق: "هذا مجرد هراء! فالمرأة "تطحن" في العمل والمنزل ولا فرصة لديها للاستقواء، ما رأيته مراراً خلال عملي هو إصرار الكثير من الأزواج على إحباط المرأة والمغالاة في انتقادها والاستيلاء على مرتبها تارة أو التوقف عن الإنفاق عليها وتحميلها مسؤوليات الأسرة تارة أخرى، فالرجل الشرقي يخشى كثيراً أن تشعر زوجته بأنها ناجحة".

ولتفادي تلك الأزمات، تنصح إسماعيل بـ"ضرورة المشاركة الحقيقية بين الزوجين ووضع أسس سليمة للمعاملات المادية بينهما بشكل واضح من البداية وتربية الأبناء على المشاركة وليس الطمع والأنانية لأن ما يرونه اليوم سيكون الأساس الذي يؤسسون عليه أسرهم في ما بعد".

سامية علام

محررة صحافية مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي