حارة الصاغة العتيقة في القاهرة وحشيشها الطيب وذهبها المضروب

حارة الصاغة العتيقة في القاهرة وحشيشها الطيب وذهبها المضروب

عن مزاج الصنايعية ومركباتي الأحجار الكريمة مع شحطة حشيش، عن الفن الحر في حفر الذهب وعشق النساء للصيغة المصرية القديمة، عن الجنيه بين وزن الماس ووزن الزيركون. عن ذوبان المعادن في قوالب ثقافية مصرية يهودية وأرمنية. عن أسرار حارة الصاغة ونهضة دكاكين الذهب المضروب. عن مصر "أم الذهب".

في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة، بات الصائغ المصري يطل علينا شبحاً في الإعلانات. والحقيقة أن ذلك الصائغ لم يعد موجوداً، هو وأقلامه الصلبة، ومنحوتاته الذهبية. هذا ما تكشفه رحلة رصيف22 مع أحد شيوخ الصاغة، الذي يخبرنا الكثير عمن ارتدين الذهب. كيف عشن، وما هي أسرار الموضة في العقود الماضية، وكيف ينعكس تغيير الذوق واختلاف المجتمع وسماته، في مرآة الذهب.

قصة أم الذهب

من شارع الموسكي قبل جامع الأزهر، حتى شارع خان الخليلي والنحاسين، يمتد حي الصاغة في القاهرة الفاطمية، حيث لكل شارع قصة عن أهله وحرفتهم. هناك جسد «الصاغة» لزمن طويل، مركزًا لصناعة المصوغات الذهبية، وصناعة الموضة.

لم تدخل الماكينات في صناعة الذهب حتى نهاية الثمانينيات، سيطر اليهود المصريون ومنافسوهم من الأرمن، على صناعة المصوغات والمجوهرات. عرفوا بالمهارة والأمانة، ومن تحت أيديهم تخرجت أجيال من «المعلمين».

أقوال جاهزة

شارك غردعن مزاج الصنايعية ومركباتي الأحجار الكريمة مع شحطة حشيش، عن الفن في حفر الذهب وعشق النساء للصيغة المصرية القديمة

شارك غردأحد شيوخ الصاغة في مصر يخبرنا الكثير عن كيف ينعكس تغيير الذوق واختلاف المجتمع وسماته، في مرآة الذهب

بالملابس الداخلية، ومع صوت أم كلثوم، ومن دون أي محرك للهواء رغم حرارة الصيف، حتى لا تطير (كسور) الذهب، كان يجلس الصائغ أو مركباتي الأحجار الكريمة، من دون همس أو حديث. فقط نظارة العمل المكبرة، فنجان من القهوة، وسيجارة الحشيش الملفوفة يدوياً. يقول أحمد حسن المركباتي: "الصنايعية المصريون كانوا مضروبين إما بالخمرة أو بالحشيش، ولكن كان الشغل بمزاج، فكان البعض لا يعمل إلا وأمامه على التزجة (أي طاولة العمل) كتلة الحشيش".

IMG_4308 أحمد حسن في شبابه

كل مراحل العمل حينها، من صهر الذهب وكسوره، لصناعة السبيكة، حتى تركيب الأحجار الكريمة والتلميع، كانت تتم يدوياً. ولكن مع بداية التسعينيات، يقول أحمد: "بدأ رجال الأعمال رحيلهم إلى بيروت، يجيبوا كتالوجات من هناك، وصنايعية من السوريين والأرمن مرة أخرى، ثم الهنود والتايوانيين في فترة لاحقة". حينها بدأ الاعتماد على الماكينات، وعلى صب الذهب في أشكال جاهزة. وبدأت المصانع تحتل مكانة الورش، التي اعتمدت على إنتاج "الشمعة"، نموذج مفرغ يصب فيه الذهب. يشير أحمد إلى أنها سهلت الإنتاج كثيراً، ولكن على حساب القيمة الفنية، وبينما يعمل الصائغ على إنتاج بروش ذهبي مثلاً، في أسبوع، ينتج المصنع في اليوم الواحد أعداداً هائلة من المصوغات.

IMG_4309

حارة الصاغة

في السبعينيات، كانت العائلات ذات الأصول الأرستقراطية في مصر، وبعض من الطبقة المتوسطة، يفضلون الذهب عيار 18، إذ كان كل كيلوغرام من الذهب الخالص عيار 21، الذي طبع على سبيكته رقم 9999 (أي بنسبة شوائب واحد في الألف)، يتضمن 15% من النحاس الأحمر، ليصبح أكثر صلابة، ما يمكن الصائغ من صناعة وزخرفة أشكال مختلفة، وهذا ما كان يدركه الأرسقراطي جيداً.

حتى أوائل السبعينيات، سيطر السوليتير ذو القطعة الواحدة من الأحجار الكريمة، على الموضة، ومعه ما يجعل الطاقم كاملاً (عقد، قرط وسوار). وذلك فضلته بعض الشرائح من الطبقة المتوسطة. لكن استمر الطلب على الموضة الشعبية القديمة، مثل الكردان الفلاحي، الذي ترتديه النساء بدلاً من العقد في صعيد مصر وريف الدلتا. كما استمر الطلب على الحلق المخرطة، وغصن الزيتون، والخاتم الوردة، وغيرها من العيار 21.

لكن مع نشوء الطبقة الشهيرة بطبقة الانفتاح الاقتصادي، على يد السادات، تغيرت موضة الذهب كثيراً. وفضلت الطبقة الناشئة، عيار 21، بسبب استخدام الذهب كوعاء مادي للأموال، وليس للتجميل أو الاقتناء.

يحكي المعلم عن إحدى العائلات التي عملت في تجارة المخدرات حينها، في منطقة باب الشعرية، حيث مات نجل الرجل الكبير «مناع» في مواجهات مع الشرطة. رداً على ذلك لم تحاول العائلة إخفاء أرباحها من المخدرات، بل كلفت كبار الصاغة بتجهيز براويز ذهبية مرصة بالألماس لصورة الفقيد، بعدد نساء العائلة. 

يوم الجنيه كان من ذهب

"يوم السبت العظيم، فرح الصنايعية وزعل المعلمين"، مثل شهير شاع في الصاغة. يقول المركباتي "كانت حياتنا كويسة، في السبعينيات، معلمنا ماكنش حارمنا". ويضيف: "كان الجرام في حدود 3 جنيهات، وفي حين كان الراتب الشهري للمهندسين، في حدود 15 جنيهاً (1.69$)، كنت أتقاضي 18 جنيهاً (2$)، أجرًا عن الأسبوع الواحد عندما كنت أعمل في الإنتاج». أما عن قيمة الجنيه حينها، فيقول، «كانت تذكرة السينما بـ26 قرشاً، وزجاجة البيرة بـ75 قرشاً، نقعد في كازينو النيل السياحي، وماندفعش إلا 5 جنيهات (0.56$)، بالبقشيش اليافت (المبالغ فيه)».  

مرصعة بالفتاوى

شهد أواخر الثمانينات تراجعاً في صناعة الأقراط، فبدأ انتشار التيار الديني السلفي في مصر، ثم انتشار الحجاب، ما دفع النساء للاستغناء عن تلك القطعة. فضلاً عن زيادة الطلب على الأشكال الجديدة ذات الرموز الدينية، مثل المصحف الذهبي أو لفظ الجلالة، والسلسال الشهير بالـ"ما شاء الله"، بأشكاله العديدة. ولم يمر الأمر من دون فتوى، فحرّمت تلك الأشكال والرموز، وتنوعت الفتاوى في ذلك. لجأ الصاغة إلى حيل تناسب الذوق الجديد، منها استبدال المسجد النبوي بالـ"ما شاء الله".

ووصل التحريم منذ أواخر الثمانينيات، إلى السوار ثعبان، الذي فضلته النساء لعقود طويلة، قبل الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب.

نهضة الزركون

مع نهاية الثمانينيات، ظهرت موضة المحبس أو التوينز، وهو خاتم أو محبس عريض يلبس فوق المحبس. ويقول أحمد عن تلك الفترة: "كان الناس يشترونه فوق الشبكة زيادة، ومع سنة 2000، بدأت صناعة المحبس التوينز، من الذهب المرصع بالألماس، ولذلك كان ثمنه غالياً جداً، يصل لـ200 ألف جنيه (22,524$) وده رقم كبير جداً وقتها". لذلك لجأ الصاغة إلى الزركون، وهو زجاج نقي يحاكي الألماس، ليصبح الثمن نحو 2000 جنيهاً (225$).

ويضيف أحمد المركباتي: "لم يعد هناك صنايعية، منذ بداية التسعينيات، ومعظم العاملين بالصاغة حالياً، إما ساقطين دبلوم، أو جايين من بره الصاغة، ما تربوش فيها ولا شربوا الصنعة".

وعن تعامل الناس مع الصائغ، يقول أحمد: "عشت طوال حياتي بكبرياء، وزود إحساسي بالكبرياء والكبر، نظرة الناس إليّ، كساحر، تأتي إلي قطعة الذهب صماء، فأحييها، أنحتها وأزخرفها وأركب الأحجار الكريمة، ولم يكن ذلك سهلاً. الآن يقوم الصائغ بلصق الأحجار، بأي مادة، بينما كان الأمر يتم يدوياً وبمهارة. نقوم بالحفر والزخرفة، وتخليق أطراف من القطعة نفسها لتثبيت الحجر الكريم، من دون لاصق، ومعظم الشغل ينسق به الكثير من الأحجار الكريمة الصغيرة جداً، حسب التصميم، وهو أمر شاق للكثيرين بينما سهل للصنايعي".

ويوضح المركباتي، أن الفارق بين "الصنايعي" وبين من يعملون في الصاغة حالياً، من دون مهارة أو "صنعة"، يتضح ببساطة، في حالة كسر أي قطعة. إذ يجب أن تخرج جديدة، وهو ما يفشل فيه المحدثون، مثلما يمثل توسيع أو تضييق مقاس الخاتم أزمة كبيرة لهم. لذلك كانت المصنعية (ثمن المجهود والصناعة الذي يضاف إلى قيمة القطعة الذهبية) في السبعينيات مثلاً 10 قروش للكيلو، بينما الآن في 2016 لم تتخطٓ الـ25 قرشاً.

حارة الصاغة

دكاكين الذهب المضروب

يكشف المركباتي أن الكثير من زملائه تقاعدوا من العمل، إما لظروف السن أو المرض، أو اتجهوا لأعمال أخرى، منهم "من فتح دكاناً للإكسسوارات الفضية والبلاستيكية".

قبل أن يتقاعد كبار المعلمين، خرج المعلم أحمد من السوق ليخوض تجربة السفر، مع بداية الأزمات الاقتصادية الطاحنة. وحين عاد إلى الصاغة عام 2000، فوجئ بالمعلمين الجدد. يقول: "خواجة فلان وخواجة علان، ورغم أن لقب خواجة يسبق اسم المعلمين المسيحيين فقط، إلا أن بعض الخواجات الجدد، الذين كانوا صبية الصاغة، الذين يقضون حاجات الصائغ صاحب الورشة، ويقومون بالتنظيف، كانوا يسرقون معلميهم، إذ كانوا يجمعون كسور الذهب ويصهرونها ويبيعونها، والآن بعد أن سيطروا على الورش، لم تعد هناك أمانة، فهم بيضربوا الذهب"، أي يقومون بغشه.

وأضاف: "يغشون الدمغة، فيقوم أحدهم برشوة أحد العاملين في الضرائب، ليصنع له قلماً مقلداً من قلم الدمغة الحكومية، والتي تعادل الـ5 جنيهات ونصف في الكيلو الواحد، ضريبة مبيعات. والخواجة بيشتغل على 25 كيلو في اليوم على الأقل، يعني بياكل على الدولة أكتر من 100 ألف جنيه (11,262$). كما يغير نسبة النحاس الأحمر ويضع 250 غرام في الكيلو، ما يعني أن كل 10 كيلو ذهب فيهم كيلوا نحاس كامل".

مع بداية الألفية الثانية، وخلال تلك الفترة التي وصل فيها حي الصاغة، إلى الصورة التي وصفها لنا أحد سحرته القدامى، ومع الأزمات الاقتصادية، صار عرف الناس في الخطوبة، أن يقدم الشاب "الشبكة"، (طقم الذهب)، مكونة من دبلة وخاتم ومحبس، أو دبلة وتوينز، فقط. ومن لا يستطيعون شراء منتجات الشركات الكبيرة، أصبحت "الدبلة والمحبس" عنواناً لمعاناتهم من أجل الزواج، وأصبح العرف في الكثير من طبقات المجتمع، أن تقتصر الشبكة على دبلة ومحبس، بالطبع "مغشوشين".

وائل فتحي

شاعر وصحافي مصري، عمل محررا ومسؤولا عن الأقسام الفنية والثقافية في مواقع مصرية وعربية، منها الموقع الإلكتروني لقناة الغد العربي، جريدة البديل وموقع الدستور المصري.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي