"فليصمت العقل ولتتكلم الروح": رحلة مع التأمل

"فليصمت العقل ولتتكلم الروح": رحلة مع التأمل

"رحلتي الأولى مع التأمل بدأت قبل 25 عاماً، عندما كنت أدرّس في الجامعة الأمريكية في بيروت. كان الزمن زمن حرب، وقررت أنا وطلابي اختبار التأمل التجاوزي Transcendental meditation، بحثاً عن تفسير في داخلنا حول العنف المحيط بنا. إلا أن هذه الممارسة التي رافقتني بعض الوقت، لم تعد مع السنوات ضمن جدول حياتي. ولكن، قبل عام، في رحلة البحث عما يساعدني على الشفاء من حزني لفقدان شريك حياتي، عرفت أن التأمل سيكون الحل. فتقدمت بطلب لبرنامج جامعة UMASS الطبية للحصول على شهادة في "الحد من الإجهاد اعتماداً على الوعي التام" أي  Mindfulness-Based stress reduction.

وبدأت رحلة وداد (65 عاماً)، المقيمة في القاهرة، في التأمل، الذي جعلها "بالإجمال شخصاً أكثر سعادة وأكثر إيجابية، والأهم جعلها شخصاً واثقاً بأنه يستطيع التعامل مع أي شيء يحصل في حياته".

اعلان


كثيرة ومختلفة الأسباب التي تدفع الناس إلى انتهاج التأمل أو اليوغا في حياتهم. فسامر (36 عاماً)، وهو لبناني مقيم في دبي، بدأ ممارسة التأمل قبل 12 عاماً. يقول: "بدأ كل شيء من باب الصدفة، عندما التقيت مجدداً بشاب أعرفه. كان يشرب الكثير من الكحول قبل سنوات، لكنه بدا كأنه اختار مساراً مختلفاً. فشعرت بالدهشة والفضول". ويضيف: "تغيرت كثيراً، تحول جذري. ومن بين هذه التغييرات الإيجابية، أصبحت شخصاً أكثر هدوءاً وأكثر صبراً وأكثر إدراكاً مع قدرة تحمل عقلية أفضل، والأهم أكثر صحة جسدياً وعقلياً".

التأمل، أكثر من تربع على الأرض وإغلاق العينين

يقول سادغورو Sadhguru، مؤسس مركز إيشا، منظمة غير ربحية تقدم برامج اليوغا في جميع أنحاء العالم: "حالياً العقل هو سيدك وأنت العبد. ولكن، متى تصبح أكثر تأملاً، تنعكس الأدوار وتصبح أنت المسؤول والعقل العبد، وهكذا يجب أن تكون الأمور. إذا سمحت للعقل أن يحكم، هو سيد رهيب وسيجعلك تختبر كل أنواع العذاب. ولكن، إن كنت سيده، العقل قوي جداً وهو عبد خارق".

20040211_XXX_0021_NetraDarshan-1024x681 Sadhguru مؤسس مركز إيشا

ويضيف: "السبب الذي دفع معظم الناس، الذين جربوا التأمل، إلى اعتباره صعباً جداً أو مستحيلاً، هو أنهم يحاولون تأديته. لكن التأمل ليس عملاً تقوم به، بل تصبح تأملياً. التأمل هو صفة وليس فعلاً محدداً. حين تعمل على رفع جسدك وعقلك وطاقاتك وعواطفك إلى مستوى معين من النضج، سيحدث التأمل بشكل طبيعي".

أقوال جاهزة

شارك غرد"حالياً العقل هو سيدك وأنت العبد. ولكن، متى تصبح أكثر تأملاً، تنعكس الأدوار وتصبح أنت المسؤول والعقل العبد"


وتعتبر صونيا كيران بونجابي، مؤسسة مركز إلومينيشون  Illumination في دبي أن التأمل ممارسة قوية تنطوي على التركيز من خلال التواصل مع الذات الداخلية بغية الشعور بالسلام والوضوح داخلنا وسط فوضى الحياة".

وتشدد على أن التأمل جزء لا يتجزأ من اليوغا، "لتحقيق معدلات أعلى من الوعي والاسترخاء العقلي. فنادراً ما تكون ممارسة اليوغا مكتملة من دون التأمل"، تؤكد بونجابي. وتقول: "غالباً ما يربط الكثير من الناس اليوغا بالتمارين، لكنها أكثر من ذلك، هي طريقة حياة تتضمن وضعيات الجسم وطرق التنفس المنضبطة، وسكون العقل لتحقيق استرخاء الجسم، وهدوء العقل".

للتأمل فوائد كثيرة…

لا يختلف أحد على أن التأمل يحمل الكثير من الفوائد للجسد والروح والعقل. وتعدد ماري كريستين جبر، المتطوعة اللبنانية والمرشدة في مركز إيشا في الهند، هذه الفوائد: "من خلال تجربتي الشخصية مع "يوغا إيشا"، لاحظت الفائدة على أصعدة مختلفة. لم تحصل التغييرات بين ليلة وضحاها، لكن حتى أثناء اتباعي أحد البرامج، وجدت أنني لا أنفعل بسرعة، ومرتاحة أكثر مع نفسي ومع الآخرين، وأكثر انسجاماً وأقل توتراً".

وتضيف "على الصعيد الصحي، تعزز هذه الممارسة جهاز المناعة. كثيرون من الذين يعانون من أمراض مزمنة كالحساسية والصداع وآلام الظهر والربو، وارتفاع ضغط الدم إضافة إلى أمراض أخرى، اختبروا اختفاء هذه الأعراض". أما على الصعيد العقلي، فتشير إلى أن تقنية "الكريا" تساعد على تحقيق الوضوح والتوازن، وتسهل مهمة اتخاذ القرارات وتنخفض تقلبات المزاج.

.... ومئات آلاف الطرق

يوجد عشرات الآلاف من تقنيات التأمل المختلفة، التي يمكن استخدامها، بحسب الحالة الذهنية التي نرغب في تنميتها. القاسم المشترك بينها هو الحاجة إلى "التدرب"، أي تكرار نوع معين من التقنيات مراراً وتكراراً. ويرى سادغورو أنه مهما اختلفت التقنية، فهناك 4 حقائق أساسية لا يمكن تجاهلها: جسدك، عقلك، عاطفتك، وطاقتك التي تجعل كل شيء ممكناً".

والنصيحة الأفضل هي اختيار ما يناسب شخصيتك ونمط حياتك اليومي. فتمارس وداد تأمل فيباسانا Vipassana الذي يعتبر من أقدم تقنيات التأمل في الهند. ويهدف الى رؤية الأشياء على ما هي حقاً عليه. تقول وداد إنها لا تدري سبب اختيارها لهذه التقنية، التي تعرفت إليها خلال خلوة الصمت التي قامت بها مؤخراً، لا سيما أنها الأصعب على الإطلاق، حتى لو أنها ما زالت تمارسها يومياً لساعة من الوقت.

وتضيف: "دامت الخلوة 10 أيام، أقسمنا على "الصمت النبيل"، أي عدم التواصل بعضنا مع بعض أو حتى تبادل النظرات. وكانت القوانين صارمة جداً وشبيهة بوصايا موسى العشر. كنّا ننام على سرير خشبي ونتشارك الحمامات". وتتابع: " كنا نستيقظ عند الرابعة صباحاً وننام عند التاسعة والنصف مساءً، ونمضي أكثر من 11 ساعة في التأمل مع بعض الراحة، ووقت للأكل (أطباق بسيطة ونباتية). لم يكن الأمر سهلاً، لكنني بعد 10 أيام أدركت ما علمتني هذه التقنية: كل شيء له تاريخ انتهاء صلاحية".

لكن يجب معرفة الفرق بين المرشدين الحقيقيين والفنانين الزائفين. وفي هذا السياق، تقول صونيا: "أفضل طريقة هي أن تدرك أنه حين يقول لك أحدهم إنه قادر على تغيير حياتك، فهذا أول إنذار. وحدك قادر على تغيير حياتك! وكل مدرسة، مرشد أو مقاربة تمنحك المعرفة والأدوات والممارسات لإرشادك نحو التغيير". وتتابع: "العامل الثاني، هو أن العديد من الممارسات تنطوي على شعائر غريبة وتتطلب مبالغ طائلة من الأموال، ما يجب أن يثير الشك فيها".

ويرى سادغورو أنه لا حاجة لإصدار الأحكام حول إذا كانت عملية احتيال أم لا. ويوضح: "كل ما تحتاجه هو أن ترى ما يقدمونه لك. طبّقه في حياتك. إذا ساهم في تحسينها، حافظ عليه وإن لم يفعل، تخلص منه وابحث عن أمر مختلف".

ولكن هل كل ما يتعلق بالتأمل وردي؟

يبدو أن كثرة تقنيات التأمل يجعلها غير مناسبة للجميع. أيضاً يجعلك التأمل تتواصل مع نفسك، ما قد يطلق العنان لمجموعة من المشاعر التي دفنتها. وقد تشعرك بالتوتر وهذا أمر طبيعي، لأن هذا الشعور سيختفي تدريجياً. ولكن، لا يختفي هذا الشعور دائماً، وقد لا يكون الفرد مستعداً لهذه المشاعر، وقد يخرج الوضع عن السيطرة. فقد أظهرت بعض الدراسات في الولايات المتحدة وبريطانيا، أن ممارسة التأمل تسببت بالهلوسة والاكتئاب والذهان والهلع لدى البعض.

حتى اليوم، يؤمن العديد من الأشخاص الذين يمارسون التأمل بأنه يجعلهم أكثر صحة وسعادة، وحتى أن عدداً متزايداً من الدراسات يؤكد ذلك. لكن علماء آخرين يشككون فيها، ويعتبرون أنه لا يوجد عدد كافٍ من الدراسات العلمية حولها. حتى الآن، يبدو أن التأمل يساهم في التخفيف من التوتر والاكتئاب والألم، لكن المزيد من الأبحاث ضرورية لإثبات تأثير التأمل على أمراض أخرى.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي