ما خلف التعايش الإسلامي المسيحي

ما خلف التعايش الإسلامي المسيحي

في محاولة دائمة للتأكيد على قيم التعايش والتآخي الديني في الأردن، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي وحتى المواقع الإخبارية بنشر صور عن إقامة مؤسسة مسيحية خيرية حفل إفطار لمسلمين، أو صور لشبيبة الكنائس يوزعون التمور والماء على السائقين خلال فترة آذان المغرب.

احتفال المسيحيين مع المسلمين بشهر رمضان والعلاقات القوية التي تربط بينهم ليست بالأمر الجديد ولا المستحدث. فطالما جلسوا معاً على موائد الإفطار وطالما احتفل المسلمون مع المسيحيين في مناسباتهم تحديداً عيد الميلاد والرأس السنة، حتى أنه في الماضي وفي مدن كالكرك غالباً ما كان لكل مولود مسيحي أخ بالرضاعة مسلم؛ لم يكن أمراً كهذا يستعدي الوقوف عنده كثيراً.

اعلان


لكن المستحدث اليوم هو المبالغات في إظهار التعايش بين مكونات المجتمع ليصل الأمر في بعض الأحيان حد اختلاق قصص غير حقيقية. أحد تلك الاختلاقات كانت قصة الإشبينة المحجبة التي اختارتها صديقتها المسيحية لتقف إلى جانبها في أهم يوم في حياتها، بعد أن لاقت الصورة انتشاراً كبيراً تبين لاحقاً أنها من حفل إكليل في مصر وليس الأردن.

إذاً هو سؤال يطرح نفسه، ما الداعي الذي استجد للتركيز إعلامياً على أمور كانت عادية في السابق ولم تكن تستحق أي تركيز إعلامي؟

ما تم أن تغييراً طال عدداً من مكونات المجتمع خلال السنوات الماضية تحديداً بعد الحرب الأمريكية على العراق، منذ ذاك الحين تأصل تقسيم مكونات المجتمع وفقاً لانتماءاتهم الدينية، ليتحولوا من "أشقاء" إلى "الآخر".

ففي وقت كان الإعلام الأردني يتغنى بموائد الإفطار المشتركة وبالعيش المشترك يقع اعتداء على أحد الكنائس في مدينة الزرقاء.

الاعتداء جاء نتيجة لمشاجرة فردية ولم تكن هناك أي نية مسبقة في الاعتداء على الكنسية بحد ذاتها؛ هذا الخبر جاء على لسان أكثر من مسؤول رسمي وكنسي، كما التزمت غالبية المواقع الإخبارية بالخبر الرسمي لوقوع مشاجرة فردية بين شخصين أمام الكنسية، لكن خلفه، هناك الكثير. فمجرد أن يستباح حرم الكنيسة وبغض النظر عن السبب، فإنه مؤشر مهم على التغيير في المجتمع خصوصاً وأن دور العبادة غالباً ما يتم تحييدها خلال المشاجرات احتراماً لقدسيتها.

وفق شاهد العيان ليث بشارات، ما تم أن رجلاً وزوجته كانا متجهين لحضور مراسم عمادة طفل في الكنيسة، وبعد نزول الرجل وزوجته من المركبة الخاصة بهما تحرش بائع عصير لفظياً بالسيدة وأطلق عبارات مسيئة ما دفع الرجل إلى قلب عربة العصير التي يعمل عليها الشاب المتحرش.

أقوال جاهزة

شارك غرديمكن السكوت عن أي شيء تحت عنوان "الحفاظ على وحدة النسيج الوطني والابتعاد عن الفتنة"

شارك غردهل بدأ المجتمع الأردني يتحول ليصبح أكثر انغلاقاً ورفضاً للآخر؟


لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، قام المتحرش بالاستنجاد بأقاربه ومعارفه للهجوم بالأسلحة البيضاء والحجارة على الكنيسة وإلحاق الضرر بها وإطلاق الشتائم، تبع ذلك تكسير سيارات الاشخاص الذي كانوا داخل الكنيسة لحضور مراسم العمادة.

رواية البشارات يؤكدها عدد من الكهنة وقادة المجتمع الكاثوليكي، أيا من هؤلاء لم يرغب في الخوض في تفاصيل القضية حفاظاً على ما أسموه "وحدة النسيج الوطني والابتعاد عن الفتنة".

في مقابل ذلك خرج محافظ الزرقاء رائد العدوان ببيان مقتصب قال فيه إن القانون سيأخذ مجراه بحق المتشاجرين ومن ألحق الضرر بالكنيسة. وشدد خلال اجتماعه مع كهنة وأبناء محافظة الزرقاء في ديوان الكنيسة، بحضور أعضاء البلدية وسائر الأجهزة الأمنية، أن ما حصل هو غير مقبول، ومدان ومرفوض.

وجدد المحافظ أن الحادث لا يحمل أية نوايا مسبقة للهجوم على الكنيسة، لافتاً إلى أن المتسببين بالحادث المدان هم الآن بقبضة الأمن، وسيتم إنزال أقصى عقوبة بحقهم، ولن يتم تكفيلهم إلا بطلب من الكنيسة نفسها.

لم تكن هذه الحادثة الوحيدة التي تتعرض بها كنيسة الى اعتداء، ففي ديسمبر الماضي ومع بدء الاحتفالات بعيد الميلاد، تعرضت كنيسة ماركا للروم الارثوذكس في العاصمة عمان لحريق عُلم لاحقاً أنه تم على أيدي مخربين، خرج بيان مقتضب من الأمن العام يقول إن "حريقاً محدوداً نشب داخل الكنيسة وتم تشكيل لجنة تحقيق للوقوف على أسبابه".

الحفاظ على وحدة النسيج الوطني وردء الفتنة كانت السبب الرئيسي خلف التكتم عن طبيعة تلك الحالات والتي وإن كانت فردية لكنها تعكس حالة مزاج لدى بعض أفرد المجتمع.

دستورياً يتساوى جميع الأردنيين في الحقوق والواجبات ولا تمييز بينهم وإن اختلفوا في العرق واللغة والدين، كما يحظى المسيحيون بالاحترام من قبل مؤسسات الدولة ويمارسون شعائرهم الدينية بكل حرية، كما أن تمثيلهم في المواقع الرسمية العليا ظاهر وفي مناصب حساسة في الدولة كذلك، إلى جانب الكوتا المخصصة للمسيحيين في مجلس النواب والتي في الواقع تفوق تعدادهم حقيقي.

يضاف إلى ذلك المبادرة الملكية في العام 2014 عندما فتح الأردن أبوابه لاستقبال 8000 مهجر مسيحي من مدينة الموصل العراقيه بعد أن طردهم تنظيم الدولة الإسلامية من بلادهم.

لا تبدو المشكلة في السياسات المعلنة للدولة، إنما في الأفكار المجتمعية وما عاناه وما يزال يعانيه المجتمع الأردني خلال السنوات الأخيرة تحديداً منذ الغزو الأميركي على العراق، بدأ يتحول المجتمع الأردني ليصبح أكثر انغلاقاً ورفضاً للآخر.

يصعب تفسير الأسباب خلف هذا التغيير، غالباً ما يحمل المفكرون الأردنيون المد الفكري الوهابي مسؤولية التغييرات الجوهرية في المجتمع الأردني، مدللين بذلك على الخطب الدينية الخارجة من المساجد حيث يتكرر الدعاء على "النصارى واليهود والشيعة ومن ولاهم"، يمتد هذا الخطاب إلى المناهج المدرسية التي تقسم العالم في إجزاء منها الى مؤمنين وكفار.

هذا الخطاب ووجود تيارات متشددة تتركز في عدد من المدن والأحياء الأردنية، دفع بالمسيحيين إلى مغادرة الأحياء الأكثر تشدداً لأحياء أكثر انفتاحاً، على سبيل المثال فإن 10 عائلات مسيحية تهجر مدينة الزرقاء سنوياً بحسب ما أقر أحد مسؤولي المحافظة، تعرف المدينة بنمو الاتجاه السلفي بها بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة وينتمي لها زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أبو مصعب الزرقاوي.

بحسب التعداد الأخير للسكان والمساكن، يبلغ عدد سكان مدينة الزرقاء نحو المليون وهي ثالث أكبر مدينة بعد العاصمة عمان واربد، لم تكشف دائرة الإحصاءات العامة (الجهة المسؤولة عن مسح السكان) عن تعداد المسيحيين في هذه المدينة أو غيرها من المدن.

ليست الزرقاء فقط التي تعيش حالة هجرة للمسيحيين، يبقى خيار الهجرة متاحاً لدى نسبة كبيرة من المسيحيين الى خارج الأردن. فبحسب دراسة للكنيسة الكاثوليكية، تراجعت نسبة المسيحيين في الأردن من 12% عام 1956، إلى 3% عام 2012 وتعدّ الهجرة الاختيارية سبباً رئيساً لهذا الانخفاض.

العام الماضي وفي رمضان كذلك، نشرت الناشطة لبنى بجالي مقالة بعنوان "بدعة التعايش" هزئت بها من السذاجة في محاولة إظهار صورة قيم العيش المشترك بين الأردنيين.

تقول بجالي في مقالتها "صور اليوم التي تنتشر لتعبر عن ما يسمى «التعايش الإسلامي–المسيحي»، وصور الكنيسة بجانب الجامع التي يتناقلها الناس لإظهار التسامح وانعدام الطائفية، تؤكد وجود خلل. في هذه الصور نؤكد على أننا نصنف بعضنا بناءً على هويتنا الدينية ولا شيء آخر".

وتتابع "هل الصورة الوردية التي نحاول أن نظهرها اليوم بسذاجة بالغة من خلال نشر هذه الصور تلغي وجود التعصب والتمييز الذي تنتهجه سياسات الدولة من خلال المؤسسات التعليمية والمؤسسات الدينية والماكينات الإعلامية؟ هل نستطيع أن نلغي أن مفاهيم التعايش والتسامح وحوار الأديان التي لم تكن ضمن قواميسنا قد تم إدخالها بطريقة ممنهجة؟".

التعليقات

المقال التالي