ما هي حقيقة المخطط الهادف إلى التغيير الديموغرافي في حمص؟

ما هي حقيقة المخطط الهادف إلى التغيير الديموغرافي في حمص؟

تشير الوقائع التي شهدتها سوريا إلى أن النظام كان يملك تصوّراً واضحاً لعملية التغيير الديموغرافي. فقد هدف إلى تغيير التركيبة الطائفية في مدن بعينها على وجه الخصوص، وتغيير هذه النسب على المستوى الوطني، وهو ما نجح فيه إلى حدّ كبير.

بشكل عام، تتمكّن المجتمعات من تجاوز آثار الحروب مهما طالت مدتها أو اتسعت رقعتها، ما لم يرتبط هذا الأثر بالسكان، سواء بإجبارهم على الانتقال إلى بلد أو منطقة أخرى وإحلال آخرين مكانهم، أو بتغيير انتماءات الأشخاص كما كان شائعاً في الحروب القديمة. حتى أن بعض المؤرّخين قال إن الحرب لا تُحقّق نصراً ما لم تتمكّن من تغيير الواقع الديموغرافي على الأرض.

في سوريا، تناقص عدد السكان بشكل كبير خلال السنوات السابقة، ليصل في نهاية 2015 إلى 16.6 مليوناً بعد أن كان قرابة 22 مليوناً عام 2011.

ولا تنشر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أيّة معلومات عن التركيبة الدينية والطائفية للاجئين، برغم أنها تجمع هذه المعلومات من اللاجئين في كل الاستمارات التي يقومون بتعبئتها. لكن التقديرات تُشير إلى أن الأغلبية الساحقة منهم هم من السُنّة، في الوقت الذي قام فيه النظام بمنح جنسيات سورية إلى مئات الآلاف من العراقيين والإيرانيين الشيعة.

أقوال جاهزة

شارك غردمن البداية حتى النهاية... كيف تم التخطيط لتغيير ديموغرافيا مدينة حمص؟

شارك غردكيف جرى تهجير أهل حمص وأيّ أساليب اعتُمدت لذلك؟ وما الذي يجري حالياً لتغيير تركيبة المدينة السكانية في المستقبل؟

ومثّلت مدينة حمص نموذجاً لعملية التغيير الديموغرافي المبكّر، إذ شهدت المدينة تفعيلاً لما يقول كثيرون بأنّه مشروع انطلق قبل سنوات من بدء الأزمة السورية، لكنه وجد فرصته للتنفيذ السريع بعد عام 2011.

لماذا حمص؟

حمص هي أكبر المحافظات السورية من حيث المساحة. وبرغم أن معظم هذه المساحة صحراوي وغير مأهول، فإنّ حمص هي المحافظة الوحيدة التي تملك حدوداً مع ثلاث دول، هي الأردن والعراق ولبنان، كما أن ريفها الغربي يمثّل المعبر الوحيد بين العاصمة دمشق ومحافظتي طرطوس واللاذقية، معقل الطائفة العلوية في سوريا.

لم تعرف مدينة حمص وجوداً علوياً إلا خلال العقود الأربعة الأخيرة، بعدما حضر العلويون من ريفي حمص وحماة ومن الساحل. لذا فإنّ كل العلويين فيها ما زال لهم أقارب في القرى التي جاؤوا منها.

وتمتّع العلويون بامتيازات للبناء غير مسبوقة، كما قدّمت مؤسسات حكومية تسهيلات لهم في الحصول على مواد البناء، فضلاً عن حصولهم على امتيازات في وظائف الدولة، وخاصة في القطاعات الأمنية والعسكرية.

ويسكن العلويون في حمص الآن في ثلاثة أحياء رئيسية، هي النزهة والزهراء وعكرمة، لكنهم قبل عام 2011 كانوا موجودين بنسب مختلفة في الأحياء الأخرى، وخاصة في أحياء السبيل والعباسية وأطراف حي الأرمن وضاحية الوليد ومساكن الإدخار وحي الجامعة وأطراف حيي كرم الزيتون وكرم اللوز.

حمص في خمس سنوات

تعرّضت مدينة حمص منذ عام 2011 إلى عنف مفرط من طرف النظام، فشهدت عدداً كبيراً من المجازر المتتالية، ثم شهدت قصفاً مستمراً أدّى إلى تدمير عدد من أحيائها في الوقت الذي بقيت فيه الأحياء ذات الغالبية العلوية كما هي.

وقد شارك علويو حمص، بالإضافة إلى العلويين في أرياف حمص وحماة، في قمع التظاهرات التي خرجت في الأحياء الأخرى، وفي المجازر التي ارتُكبت فيها، من خلال ما كان يُعرف باسم الشبيحة، ولاحقاً ميليشيات الدفاع الوطني، بالإضافة إلى أن كثيراً من علويي حمص يعملون في الجيش وفي الأجهزة الأمنية التي كانت مسؤولة عن أعمال التدمير الممنهج للمدينة.

وساهمت هذه المعطيات في دفع معظم العلويين في حمص، كما في باقي المناطق إلى دعم خيارات النظام، إما لقناعتهم بها، أو بدافع الخوف على حياتهم في حال سقوط النظام، أو بدافع الرغبة في الحصول على الدخل والسلطة، أو المحافظة على المكتسبات التي حصلوا عليها خلال العقود السابقة.

كيف تم تفريغ حمص؟

كان عدد سكان محافظة حمص قبل عام 2011 يقدّر بقرابة 1.5 مليون نسمة، منهم 800 ألف تقريباً في مدينة حمص وحدها. لكن التقديرات تشير إلى أن عددهم في عام 2016 لم يعد يتجاوز الـ200 ألف، أي أن 13 شخصاً من كل 20 غادروا المحافظة بين هذين العامين.

واستهدفت عمليات التهجير بشكل أساسي أبناء الطائفة السنيّة في مدينة حمص، يليها الريف الشمالي والغربي والجنوبي.

وتمّت عملية التفريغ من خلال سلسلة من الأدوات، أهمها:

1- المجازر

قامت قوات الأمن والجيش والشبيحة بسلسلة من المجازر في محافظة حمص بين عامي 2011 و2013، وكان أبرزها مجزرة الحولة في 25/5/2012، والتي حظيت باهتمام عالمي كبير، وشُكّلت لجنة دولية لتقصي الحقائق بخصوصها، ووضعت اللجنة تقريراً في 26/6/2012، حمّلت فيه قوات الجيش والأمن والميليشيات الشعبية الموالية لها مسؤولية ارتكابها.

التغيير الديموغرافي في حمص وحقيقة المخطط - مجازر

2- العنف الجنسي

شهدت محافظة حمص بين عامي 2011 و2012 (وخاصة بين نوفمبر 2011 ومارس 2012) استخدام قوات الأمن والشبيحة للعنف الجنسي، وجرى توثيق قيام هذه المجموعات بأعمال اغتصاب، وإجبار نساء على السير عاريات في الشوارع، كما تمّ توثيق اختطاف نساء من المدينة وممارسة عنف جنسي تجاههنّ في أماكن الاحتجاز في حمص وخارجها. ولم يحصل توثيق انتهاكات مماثلة على نطاق واسع في سوريا سوى في تلك الفترة وفي حمص تحديداً.

وقد أدّى انتشار هذه المعلومات بين السكان في المدينة إلى موجة نزوح ولجوء واسعة، وربما شكّل هذا الأمر الدافع الأساسي للجوء معظم مَن خرج من المدينة في تلك الفترة.

3- القصف المكثف

تعرّضت أحياء مدينة حمص منذ بداية عام 2012 حتى بداية عام 2014 إلى قصف مكثّف من الطيران الحربي والمروحي، بالإضافة إلى القصف الصاروخي والمدفعي، الأمر الذي حوّل أجزاء كبيرة من المدينة إلى أطلال. وأظهر فيديو تم تصويره من الجو ونشرته وسائل الإعلام الرسمية الروسية حجم دمار مشابه لما هو معروف من صور عن برلين في الحرب العالمية الثانية.

استهدف القصف الذي عرض الفيديو آثاره معظم مناطق حمص القديمة والأحياء المجاورة ذات الأغلبية السنية. وتحدّد الخريطة التالية المناطق التي شملها الدمار.

التغيير الديموغرافي في حمص وحقيقة المخطط - مناطق الدمار

4- الحصار

يُعدّ حصار أحياء مدينة حمص القديمة من أطول فترات العقاب الجماعي الذي شهدته المدن السورية خلال السنوات الخمس الماضية، إذ بدأ الحصار على ريف حمص الشمالي يوم 25/5/2012، بينما بدأ على مدينة حمص يوم 7/6/2012، وفُرض الحصار على ريف حمص الغربي يوم 9/7/2013.

وفي 4/5/2014 تم التوصّل إلى اتفاق خرج بموجبه مَن تبقى من مقاتلين في حمص القديمة، وعددهم 2250، بسلاحهم الفردي وحقائب السفر، مقابل الإفراج عن 70 أسيراً لبنانياً وإيرانياً، وفك الحصار الذي تفرضه قوات المعارضة على بلدتي نُبّل والزهراء في ريف حلب. وبعد خروج هؤلاء المقاتلين أصبحت المدينة القديمة تحت سيطرة قوات النظام وانتهى الحصار المفروض عليها.

لكن هذا الاتفاق لم يشمل الحصار المفروض على حي الوعر في داخل المدينة، وعلى ريف حمص الشمالي، والذي ما زال مستمراً حتى الآن.

5- تغيير الملكية وإعادة الإعمار

تحتفظ السجلات العقارية لكل محافظة بأوراق تثبت ملكية العقارات والأراضي، مع تبيان مساحتها وشكل البناء المشيّد عليها إن كانت مبنية.

في 1/7/2013، قامت القوات الحكومية بقصف مبنى البلدية في حمص، ما أدّى إلى احتراق دائرة السجل العقاري التي تضمّ كل سندات الملكية العقارية وسجلات المساحة للعقارات في حمص وريفها. ويُعتقد أن معظم محتويات الدائرة قد نُقلت من المبنى قبل حرقه إلى دائرة حكومية في حي الإنشاءات، وتبيّن لمواطنين قاموا بمعاملات لنقل الإرث مثلاً أن بعض هذه الوثائق موجود لدى الجهات الحكومية.

وسمح احتراق دائرة السجل العقاري بإعادة التفكير في مشروع تغيير الملكيات في حمص القديمة، وهو المشروع الذي كان قد طُرح في عام 2010 باسم "حلم حمص".

وفي 19/5/2016 صدر المرسوم التشريعي الرقم 12 لعام 2016، والقاضي باعتماد النسخ الرقمية للسجلات العقارية، أي أنه سيكون من الممكن للسجلات العقارية أن تُقدّم صوراً إلكترونية للسجلات، كبديل عن تلك التي قيل إنها فُقدت في حريق 2013، وهو ما سيفتح باباً غير مسبوق أمام تزوير السجلات العقارية.

وفي نهاية عام 2015 أقر مجلس مدينة حمص المخطط التنظيمي لمشروع إعادة إعمار منطقة بابا عمرو والسلطانية وجوبر، والذي يُشكّل المرحلة الأولى من مخطط لإعادة إعمار 15 حياً في المدينة، أي الأحياء التي تقع داخل حزام التدمير الذي استهدف المدينة.

لم تعلن الحكومة السورية البدء في تنفيذ هذا المخطط، ولم تعلن تفاصيل المراحل التالية منه. لكنها بدأت في إعادة الحياة إلى أحياء حمص وأسواقها، وتم تزفيت الشوارع الرئيسية في حي القصور المهجور من أهله منذ سنوات، وجرى فتح الطرقات بين الساعة الجديدة والقديمة وصولاً إلى حي الحميدية وبستان الديوان، كما يتم العمل على تزفيت الطرقات الرئيسية في جورة الشياح وغيرها من المناطق المهدمة.

وفي 11/4/2016، أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن عطاء بنقل الأنقاض من حيي الحميدية وجورة الشياح في مدينة حمص، دون أن يُحدّد سبب نقل الأنقاض من هذه المنطقة بالذات. والمناطق المحددة في العطاء هي شوارع تجارية وخدمية مجاورة للأسواق التي يتم إعادة تأهيلها الآن، كالسوق الأثري وسوق الناعورة وسوق شارع القوتلي وشارع باب هود الرئيسي وجزء من طريق حماة التجاري وصولاً إلى جامع خالد بن الوليد. ومنعَ الإعلانُ المتعهدَ الذي سيرسو عليه العطاء من نشر أيّة صور عن المكان أو عن عملية نقل الأنقاض.

وتشكّل عملية إعادة الإعمار وتغيير الملكية إن تمّت المرحلة الأخيرة من خطة التغيير الديموغرافي للمدينة، حيث لن يكون بإمكان السكان الذين لا يملكون وثائق تثبت ملكيتهم للعقارات المطالبةَ بها، وفي حالة قيام عقارات جديدة مكان عقاراتهم المهدّمة فإنّ القانون لن يمكّنهم، حتى ولو أثبتوا ملكيتهم بأيّة طريقة، سوى من الحصول على تعويضات مالية للسكن في مكان آخر، إذ لا يُصلح الضرر بإحداث ضرر بحق الساكنين الجدد، والذين لن يكونوا مسؤولين قانونياً عن الوضع القانوني الذي سبق بناء العقارات التي اشتروها.

التعليقات

المقال التالي