عن يومٍ في حمص

عن يومٍ في حمص

بعد ليلة صاخبة بفعل أصوات الطائرات الحربية المتجهة من مطار القصير إلى ريف حمص الشمالي، تستيقظ حمص على صوت العصافير. عصافير لم تهاجر من هذه المدينة شأن نصف سكانها تقريباً، الذين وصل عددهم قبل عام 2011، إلى مليون ونصف المليون في حمص وضواحيها، بحسب البي بي سي.

لا إحصاءات حديثة تعطي فكرة عن عدد من بقي. إلا أن صوراً وتسجيلات فيديو حديثة أظهرت دماراً هائلاً يلف المدينة من كل اتجاه، لتظهر حمص كمدن الأشباح. لكن وسط الدمار، هناك حياة. نجا في مدينة الحجار السوداء نحو 4 أحياء من أصل 15 حياً، يكتظ فيها معظم من صمد لخمسة أعوام أمام الموت والنزوح.

صباح حمص وطوابيرها

I3acheh_AFP

حركة الحياة تبدأ في حمص باكراً جداً. يحركها مرتادو الطوابير المختلفة الأغراض، التي يبدأ تشكلها من ساعات الفجر الأولى.

طابور الخبز، تقف فيه جميع الفئات العمرية والاجتماعية، ويطول الوقوف فيه حتى ما بعد الظهر.

طابور ثانٍ له نوع آخر من العملاء، هو طابور الصراف الآلي (ATM). يقف فيه الموظفون الذين يقبضون رواتبهم الشهرية. يبدأ الاصطفاف عنده من الساعة الرابعة فجراً.

يصل الموظف المسؤول عن ملء الآلة بالنقود، في الثامنة والنصف. قد تنقطع الكهرباء بعد ساعات الانتظار، فيتوقف الصراف الآلي ساعات، ويستمر الطابور بالنمو، أو قد ينفد النقد فيه فيضطر الواقفون للانتظار ساعات إضافية ليأتي الموظف المختص لملئه من جديد.

أما الطابور الأشد وطأة، فهو طابور محطات الوقود، أو "الكازيات"، كما تسمى في حمص.

في منطقة الإنشاءات السكنية جنوب غرب حمص، محطتان. غالباً ما  تتناوبان على العمل، فالمحطة التي تعمل يوم السبت تقفل يوم الأحد مثلاً.

أقوال جاهزة

شارك غرد"لا الشوارع شوارعنا ولا الناس ناسنا ولا البلد بلدنا"، تقول غنى، لوصف حال مدينتها بلهجة حمصية

شارك غرد24 ساعة في حياة سكان مدينة حمص اليوم


تمتد سلسلة السيارات المنتظرة على مد البصر، ما دفع الناس إلى خلق حلول لتخفيف شدة الزحام. فقسموا السيارات بحسب أرقامها، زوجي أو فردي، وخصصت أيام لتموين هذه، وأخرى لتموين تلك.

أشكال الكهرباء الكثيرة

طابور "الكازيات"، ليس حكراً على أصحاب السيارات والحافلات.  بعض "المناضلين" في هذا الطابور، يشترون البنزين لمولدات الكهرباء التي تعوض عن انقطاع التيار، الذي يصل أحياناً إلى 17 ساعة يومياً، ما اضطر الناس لإيجاد بدائل عن كهرباء الشركة العامة.

Waiting-in-line-2_AFP

تزداد أزمة الكهرباء في حمص في عز الشتاء وعز الصيف، حين يزداد الضغط على ما تبقى من الشبكة العمومية.

تقول غنى (40 عاماً) إن البرد أبكاها هي وأبناءها الثلاثة: "مرت علينا أيام كنت وأولادي نبكي من شدة البرد".

في مكان آخر في المدينة، يتحسر شادي، الذي أتم تصميم منزله الجديد قبل الثورة والحرب في مدينته، لاختياره أساليب التدفئة الحديثة، التي تعتمد على الكهرباء والوقود. يقول إنه لو أبقى في بيته مدافئ تقليدية كانت ستنفعه في كل شتاء مر عليه منذ عام 2011. يقول ساخراً بلهجته الحمصية: "كنت مفكر إننا عم نتطور مالي خبر ما لابقلنا حضارة".

اضطر شادي في بداية الأمر إلى إشعال فحم في غرفة الجلوس ليدفىء أطفاله الثلاثة، ثم استسلم وأحضر المهندس الذي أشرف على تصميم بيته وطلب منه حفر مدخنة في الحائط.

مدينة الحواجز والجدران

تواكب طوابير حمص الصباحية الجامدة والبطيئة، حركةٌ إيقاعها سريع تبدأ مع دورة حافلات المدارس وخروج الموظفين إلى أعمالهم.

في هذه اللحظات، قد يبدو الصباح مشابهاً لبداية أي يوم في مدن العالم. لكن يعرقل تدفق الحياة هذا جدران إسمنتية يصل ارتفاع بعضها إلى 3 أمتار تقريباً، سدت غالبية الشوارع الفرعية للأحياء المأهولة. والهدف منها توحيد مسار جميع السيارات في حمص، في الشوارع الرئيسية، لتجعلها تصب عند نقاط تفتيش تدعى "الحواجز".

حمص

اتخذت هذه الحواجز جذوراً في الشارع، فباتت ثابتة يُحدد بها مواقع الأمكنة والمسافة بينها. منزل فلانة مثلاً يقع بعد "حاجز السامسونغ" بشارعين، وهو حاجز حصل على اسمه لقربه من محل بيع أدوات سامسونغ الكهربائية.

غرفٌ صغيرة مسبقة الصنع، لا تتجاوز مساحتها المتر مربع. هذه هي الحواجز التي استطاع كل واحد منها، على مدى 5 سنوات، أن ترسم ملامح شخصيتها، وتنسج الكثير من الذكريات حولها. هنا حاجز اختفى عنده عدد لا يستهان به من الناس، وحاجر آخر عُرف برأفته بالمارين، وكأنه يقول لهم من بعيد "لا تقلق". وحواجز كانت مسرحاً لتفجير أودى بحياة الكثيرين.

يحرس الحواجز جنود بأسلحة. أكثرهم شباب يقومون بتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية. ينتظرون المارة، تميزهم من نظراتهم. منهم من تكاد تجزم أنه في قفص، كالمغلوب على أمره، ينتظر يوم انتهاء خدمته. ومنهم من ينظر وكأنه وجد في هذا الموقع القوة التي بحث عنها لسنوات. إعطاء الأوامر وفرض سلطة، تجعلاه في لحظات صاحب أهم قرار في حياة الواقف عند حاجزه.

مدينة مكتظة

ديمة سيدة أربعينية، تعمل مدرسة في حضانة خيرية للأطفال الفاقدي الرعاية الأبوية، ولم تشأ استعمال كلمة أيتام في وصفهم. تغادر بيتها صباحاً مع أطفالها وزوجها. ورغم الإرهاق الذي يسببه لها عملها خارج البيت، يظل الضوء الوحيد المتبقي، في حياة أظلمت أمامها من كل نواحيها.

تتحدث عن عملها بفخر وشغف، وتقول إن نظام الحضانة يقوم على مبدأ "طفل يكفل طفل". أي أن  الأطفال الذين ما زالوا ينعمون بوجود آبائهم، يدفعون قسطاً للحضانة يُستقطع جزء منه لتغطية تكاليف طفل فقد والده. غالبية الأطفال الذين تتعامل معهم، إن لم يكن جميعهم، يعانون من اضطرابات في السلوك مختلفة الشدة، نتيجة للحياة المضطربة التي يعيشونها.

أما أطفالها هي، فيرتادون مدرسة حكومية. تضاعف عدد زملائهم في الفصل الضيق الصغير من 20 طالباً تقريباً إلى 40.

طلاب مدرسة

لكن تكدس الأطفال في الفصل مشكلة ثانوية برأي ديمة، أمام مشكلة التغيير الديموغرافي السريع والمفاجئ الذي يعيشونه كل يوم. اكتظاظ الفصل والتبدل الديموغرافي، فيهما انعكاس لحالة تعيشها مدينة حمص اليوم. إذ لم يتبق فيها سوى 4 أحياء يقطنها سكان. 4 أحياء، تشهد اكتظاظاً غير مسبوق لجميع طبقات حمص، وصراعاً على المساحة والوجود. تماماً كالفصول الدراسية في مدرسة أبناء ديمة.

أصبح هناك خليط من الطلبة يتفاوتون في الخلفية والمستويات العلمية، تصفه ديمة بلهجتها الحمصية بأنه "عم يروح الصالح بالطالح"، أي أنه يستحيل أن يجد الطالب الجيد مكاناً ليثبت وجوده أمام أفواج من طلاب أقل مستوى. تضيف: "أطفالي يسمعون ويعايشون تصرفات ومواقف متناقضة".

"لا الشوارع شوارعنا ولا الناس ناسنا ولا البلد بلدنا"، تقول غنى، لوصف حال المدينة بلهجة حمصية. تقضي غنى يومها في رعاية شؤون البيت وزوجها وأبنائها الثلاثة. ثم تنشغل بالدروس الخصوصية للتلاميذ، التي أصبحت مهنتها خلال الحرب. سكان العمارة التي سكنتها لسنوات تبدلوا، نزح الكثير من "جيران العمر"، وحلت مكانهم وجوه لم ترها من قبل. فيهم من وصفته "بالشبيح"، يدخل البناء حاملاً سلاحه ويبدل سيارته الفارهة باستمرار. أما جارها الآخر فهو عجوز يرعى القطط بعدما استشهد ابنه الوحيد.

وقت الغداء: مجدرة طوال أيام الأسبوع

الأزمة الحقيقية بالنسبة لأهل حمص اليوم هي الأزمة الاقتصادية، فالارتفاع المضطرد لسعر الدولار لم يدع ثباتاَ في أسعار السلع التموينية والطبية والتجارية. راتب الموظف العادي يراوح بين 20 و30 ألف ليرة سورية (ما يعادل 33 و50 دولاراً أمريكياً)، لا يكاد يصمد حتى منتصف الشهر.

تقول ديمة: "أشتري الدواء اليوم بـ1000 ليرة وعندما أذهب لشراء علبة أخرى تتمة للجرعة المطلوبة أجده أصبح بـ2000 ليرة. مرتبي يعادل ثمن بنطال لطفلي ذو الثمانية سنوات وهو لا يكفي ثمن حليب وحفاضات لابني الرضيع"

تقول بأسى وخجل:"أنا وزوجي موظفين، كنا نعدّ أنفسنا من أفراد الطبقة الوسطى، أما اليوم فالموظف  أصبح فقيراً".

تكلف طبخة المجدرة، وهي طعام شعبي يتألف من الأرز والعدس، لعائلة من 5 أفراد، بين 900 و1000 ليرة. أي أن دخل العائلة، لن يكفي إطعام أفرادها مجدرة حتى آخر الشهر. أما اللحم، فبات رفاهية لا يحلم بها الكثيرون، بعد أن وصل سعر الكيلو منه إلى 3500 ليرة سورية. هذا ما دفع الغالبية العظمى من سكان المدينة للجوء إلى مدخراتهم، أو ما تبقى منها. ومن لم يجد، فإلى الجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية التي تقدم معونات عينية، ومساعدات طبية بشكل منقطع.

زيارة للطبيب

وعن الطبابة حديث آخر. يصف شادي المستشفيات بالـ"مسلخ". الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والأمنية المزرية انعكست سلباً على قطاع الصحة. نقص حاد في المواد والكوادر الطبية، أطباء حمص المتمرسون والمشهورون غادروا المدينة منذ زمن، ولم يبق منهم سوى عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

مستشفى

تتذكر ديمة مرض ابنها ذي الشهرين في الشتاء، وكيف رفضت إدخاله المستشفى رغم إصرار الطبيب. فرص نجاته في البيت، برأيها، أعلى من المستشفى التي ينقصها التعقيم والعناية والاهتمام.

عن البقاء

وداع شادي لزوجته كل صباح بات مختلفاً في الآونة الأخيرة. فالمنطقة التي تقع فيها شركته أصبحت مستهدفة، ووقع انفجار على بعد 25 متراً من مركزها. يركن سيارته بعيداً عن المكتب وفي مكان يتسنى له مغادرة المنطقة منه بسرعة في حال حدوث تفجير. يشعر بأن الحياة طبيعية أثناء انخراطه في العمل: الحركة والزحمة تنسيانه أنه في بلد حرب.

لا يرى شادي مستقبلاً له ولأبنائه خارج حمص، ويلوم كل من ترك البلد من أصدقائه. "صدمني وآلمني قرارهم بالمغادرة"، يقول. ويضيف: "حزنت وتأثرت جداً حتى أنني بكيت أحياناً، لكن ذلك زاد إصراري على البقاء".

هو يرفض حتى اليوم إصدار جواز سفر بدل الذي انتهت صلاحيته، خوفاً من أن يفكر حتى بترك مدينته.

كل يوم، بعد احضار أولاده من المدرسة، يتعمد المرور معهم أمام أوسع وأشد المناطق دماراً في المدينة، منطقة حمص القديمة التاريخية. يتأملونها بصمت وألم.

أشياء صغيرة تشعره بالسعادة. كموكب الزفاف التقليدي الذي رآه يسير في شارع الحمرا. أول عرس يراه في حمص منذ خمس سنوات. انضم للموكب بعفوية، رقص وسار وراء العربات، ارتفع صوت بوق عربته. غمرته السعادة بموكب عرس لا يعرف من هم أصحابه.

تسترق غنى النظر إلى العالم خارج مدينتها عبر الـWhatsapp ووسائل التواصل الاجتماعي. في دردشة عبر مجموعة تضم أخوتها المغتربين، تحاول إقناعهم أن يزوروا المدينة في الصيف القادم لحضور عرس، لكنها تفشل.

الحذر والخوف يدفعاها وكل أصدقائها في حمص إلى مسح الصور والمحادثات عن هاتفهم بشكل دوري، مهما كانت بريئة أو شخصية. لا يعلم الفرد منهم متى قد يقع الهاتف بيد من قد يستخدم أي شيء فيه كدليل إدانه على جرم ما.

يحين المساء، ونبحث عن حياة طبيعية

في المساء، وليشعر بحياة اجتماعية طبيعية، يصطحب شادي عائلته إلى الكنيسة المجاورة، التي أصبحت أشبه بنادٍ يلتقي فيه الجميع كباراً وصغاراً. هناك أصبح لديه وزوجته أصدقاء جدد تكونوا خلال السنوات الخمس الأخيرة، يشاركونهم في الهموم نفسها.

ديمة تقضي ما تبق من يومها في مذاكرة دروس أطفالها، والتحضير لعمل اليوم التالي من مواد تسلية وأشغال يدوية، ونشاطات لتلاميذها في الحضانة.

غنى، تزور والديها الشيخين كل مساء. تجدهما كما تركتهما البارحة، وكأن الوقت لا يتحرك في بيتهما. والدها يعاني بصمت من تآكل الغضاريف وأمها تصلي المغرب. تحاول الأم تهوين الحياة على ابنتها: "صدقيني يا بنتي بكرا أحلى"، ترد غنى بأسى: "وشو تأخر بكرا".

تبكي السيدتان.

 

ملاحظة: تم استبدال أسماء الشخصيات في المقالة بأسماء مستعارة حفاظاً على أمنهم في حمص.

 

مدونة سورية من حمص، تقيم في القاهرة. درست الأدب الفرنسي في حلب والترجمة في القاهرة.

التعليقات

المقال التالي