أعياد الربيع في حمص

أعياد الربيع في حمص

كانت مدينة حمص حتى مطلع الخمسينات من القرن الماضي مسرحاً لاحتفالات أعياد الربيع التي كانت تبلغ ذروتها عند طواف أصحاب الطرق الصوفية بمواكبهم في شوارع المدينة وضواحيها. ولا يزال البعض ممن تقدمت بهم السن من أهالي حمص يحتفظون بذكرى حية عن هذه الأعياد التي كانت تشهدها مدينتهم.

هذه الأعياد هي عبارة عن سبعة أيام خميس، تتالى من فبراير إلى أبريل: خميس الضايع "التائه"، خميس الشعنونة، خميس المجنونة، خميس القطط، خميس النبات، خميس الأموات، خميس المشايخ، ويسمى أيضاً "خميس الأسرار"، وخميس البيض. ونقطة انطلاقتها تقع في فترة الصوم الكبير لدى المسيحيين الشرقيين.

اعلان


الضايع، الشعنونة، المجنونة، القطاط (القطط)، ليس فيها مواسم أو مناسبات احتفالية، لوقوعها في أواخر الشتاء، بين فبراير ومارس. أما خميس النبات وخميس الأموات وخميس المشايخ، فترافقها الاحتفالات.

يُشكل الخميس التائه فاتحةً لشهر فبراير، أما خميس "الشعنونة" فيُشير إلى تقلبات الطقس في شهر فبراير، فيبدأ اليوم مشمساً، ثم يتحوّل ماطراً، ليعود مشمساً وهكذا. وفي خميس "المجنونة"، يصبح صفير الريح شديداً جداً، ويطلق اسم خميس "القطاط" على اليوم الذي يكون فيه موسم تزاوج الهررة في ذروته. أما خميس "النبات" فمرتبط بتفتح ورد الأرض.

ويصادف خميس النبات يوم الخميس الذي يسبق أحد الشعانين لدى المسيحيين الشرقيين، واسمه مأخوذ من بئر كانت في قلعة حمص، وكان أهالي حمص يُجرّبون حظهم في البئر بأن يُلقوا فيها حجراً. إذا ترك الحجر دوياً وطنيناً يعني أن لصاحب الحجرة حظاً وفيراً، وإذا لم يصدر أي صوت دلّ ذلك على أن حظّه خائب.

كانت القلعة مكان احتفال هذا الخميس، ويجري بعد زوال الشمس إلى الأصيل، فتتوافد على القلعة أفواج النساء والصبايا والصبيان، ويقبل عليها جموع الباعة. يتجمعون عند سفح القلعة الغربي والمجاور للطريق الذي يوصل للقلعة، فيصعد من يريد الكشف عن حظّه إلى ظهر القلعة حيث البئر. ويمتاز خميس النبات بأن بعض الناس كانوا ينقعون بالماء بعض الأزاهير مساء الأربعاء، حتى صباح الخميس، فيغسلن بمائها وجوههم.

أقوال جاهزة

شارك غردحمص اليوم تشتاق أعيادها، خميس الضايع، خميس الشعنونة، خميس المجنونة، خميس القطط، خميس الأموات، خميس المشايخ…

شارك غردإذا بدر سلوك غريب عن أحد أبناء حمص يوم أربعاء، يكون التبرير جاهزاً: "لا حدا يعتب علي، اليوم عيد المجانين"


خميس الأموات أو خميس الحلاوات، يأتي في شهر أبريل بُعيد انتهاءِ عيد الفصح الشرقي. تُصنع في هذه المناسبة الحلاوة على أنواعها المختلفة: البشمينة والخبزيّة والشوشيّة والرّاحة. وتخرج النساء بعد ظهر الخميس إلى القبور، يوزعن ما حملن من الحلاوة للقراء والفقراء.

خميس المشايخ: ذروة أعياد الربيع

وإذا كان كل واحد من هذه الأخمسة يحمل ذكرى ما في حمص، فإن الجزء الأساسي من هذه الذكرى يتركز على خميس المشايخ، لأنه ما زال الوحيد الذي يُذكر في شكل عفوي، وبقي بالنسبة للبعض، بعد أكثر من ثلاثين عاماً من اختفائه، الصورة الأكثر تعبيراً عن الازدحام والمرح الصاخب.

خميس المشايخ هو آخر أيام الخميس، ويُصادف اليوم الذي يسبق أحد الفصح على التقويم الشرقي، فيليه يوم الجمعة العظيمة، فسبت النور، ثم عيد الفصح. ألغي هذا الاحتفال رسمياً بعد الاستقلال. في هذا العيد كانت تبرز قوة المشايخ (أصحاب الطرق الدينية بالمحافظة)، من خلال مواكب خاصة لكل شيخ، تسير في الشوارع، ويتقدّم كل موكب راية، ثم تليه جوقة من المنشدين يضربون على الدفوف والمزاهر، والطبلات والصنجات. وينشدون نغمات دينية.

خلف الراية يحتشد الناس حول شيخهم، وقد اعتلى حصاناً يليه خليفته معتلياً حصاناً آخر. كانت هذه المواكب تنطلق منفردة من منزل الشيخ أو من زاويته نحو مسجد بابا عمرو، في الضاحية الجنوبية الغربية لحمص. هناك يُصلّى صلاة الظهر، وتعود بعدها المواكب بشكل استعراض باتجاه جامع خالد بن الوليد، لصلاة العصر، ثم ينتهي الاحتفال.

أصل العيد

يعتمد بعض الباحثين والمؤرخين في تفسيرهم لأصل العيد، وبعض الأحداث المتعلقة به على روايتين، الرواية الأساسية وهي الأكثر شيوعاً، تنسب أحداث العيد إلى السلطان الأيوبي صلاح الدين. ويمكن أن نميز روايتين مختلفتين. في الرواية الأولى، حين رأى صلاح الدين تدفق الحجاج اليهود والمسيحيين الصليبيين إلى القدس في زمن الفصح، أراد إقامة عيد إسلامي في المدينة المقدسة يقع في الفترة نفسها، وهنا تنقسم الرواية إلى احتمالين، كما يشير الباحث الانتروبولوجي الفرنسي جان ايف جيلون، إما لأنه أراد إظهار الطابع الإسلامي للقدس، وإما لأنه خشي أن يحاول كل هؤلاء الحجاج المسيحيين الصليبيين القيام بحركة عصيان للاستيلاء على السلطة، فأراد أن يمنع ذلك بإغراق جمعهم بجمع أكبر من الزوار المسلمين.

وفي الرواية الثانية، تخيل صلاح الدين خطة لمهاجمة المدينة أو المعسكر أو القلعة التي يسيطر عليها الصليبيون، فجعل جنوده يمرون متنكرين بلباس الدراويش خلف رؤسائهم الذين يلبسون لباس الشيوخ على أنغام الموسيقى الدينية. اتجه الموكب نحو مواقع الخصم الذي خرج دون حذر ليتأمل المشهد، وعندما أصبح عدد الصليبيين كبيراً، رمى السائرون في الموكب ألبسة الدراويش وكشفوا عن أسلحتهم وهجموا على العدو فحصلت معركة دامية.

سنجق سيدي خالد

كان موكب خميس المشايخ ينطلق من مسجد خالد بن الوليد يتقدمه سنجق سيدي خالد وهو راية عريضة مستطيلة الشكل تُنصب بواسطة سارية موجودة في الوسط بينما جناحاها يُشدان بواسطة حبال ليصبح شكل السنجق المنشور والمرفوع عبارة عن مستطيل يعلوه مثلث، وليس مجرد مستطيل، وقد غُطي قماش السنجق بعبارات قرآنية أو حكم تمجد النبي محمد. ولا يزال هذا السنجق ذاته محفوظاً في متحف الآثار الإسلامية في حمص، وخلف السنجق تمشي أفواج الموكب من نوبات المزاهر والششتري والمريدين الذين يحمل بعضهم سيفاً أو شيشاً أو بلطة أو لتاً كما يحمل بعضهم الآخر كشاكيل آنية من النحاس المطروق.

وخلف نوبات المزاهر والششتري يأتي الدراويش أو الفقراء والمقصود بهم المريدين النشطين على عكس الأنصار العاديين في الطريقة وعددهم من عشرين إلى ثلاثين يلبسون لباساً أبيض ويضعون الكسوة ويتلون الأسماء الحسنى على طول الطريق تحت إدارة نقباء الشيوخ.

نساء يسعين للبركة

كان المسير يجري بطيئاً يومي الخميس والجمعة على حد سواء وذلك بسبب عدم انتظامه، إذ تتوقف النوبات كلما شوهدت بين الجمع إحدى الشخصيات المرموقة، وتقدم الأمهات أولادهن إلى المشايخ ليباركوهم. أما النساء اللواتي يسعينَ إلى البركة لغاية شخصية من أجل الخصوبة مثلاً، فيباركهن الشيوخ بواسطة العصي لتحاشي التماس الجسدي مباشرة.

تستمد أعياد الربيع جذورها من أعياد سامية قديمة، ما زال بعضها حياً إلى اليوم، بممارسات مختلفة. ففي بلاد ما بين الرافدين من أهم أعياد الربيع عيد رأس السنة الذي يقع في منتصف شهر أبريل، الذي يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. أما اليهود فيحتفلون في الربيع بعيد الفصح الذي يقع في منتصف شهر أبريل. وعند عرب الجزيرة العربية قبل الإسلام، كانت أعياد الربيع معروفة، وترافق موسم الحصاد، الذي يقع في منتصف شهر أبريل.

الأربعاء، عيد المجانين

يخرج الزّائر من حمص حافظاً عشرات الطرائف والنكات، التي يتفرد أهل المدينة بتأليفها، على أن يكون بطلها حمصياً ساذجاً. وربما تكون مجالسة أحد العجائز كافية للتعرف إلى مرويات تُظهر عمق ارتباط هذه المدينة بالميثيولوجيا القديمة.

أن تشاهد نقشاً لعقربٍ على عتبات الدور القديمة في حمص، فهو أمرٌ شائع. فللمدينة حكاية مع هذا الصنف من الزواحف. إذ تقول السّير الشعبية المتداولة محليّاً، إن "حمص مرصودة"، وترابها عصي على الحيات أيضاً، فإذا وضعت هذه الكائنات بيضها في ترابِ المدينة، يموت الجنين ضمن القشرة، وتوصد في وجهه أبواب الحياة. ويذهب البعضُ إلى حدّ المراهنة على أن الإتيان بعقرب بري من أي بقعةٍ في الأرض، وإطلاقه في تراب حمص، سيجعله يترنح بعد مسير قصير قبل أن ينقلب ميتاً.

بعيداً عن رواية الرّصد المتداولة شعبياً، يشير عددٌ من العلماء والباحثين، إلى أن تراب حمص فيه نسبة عالية من الزئبق، ما يفسر موت الزواحف بهذه الصورة الغرائبية.

وليوم الأربعاء حصّته من الطرافة الحمصيّة، فالشائع أن هذا اليوم هو "عيد المجانين" في حمص، فإذا بدر سلوك غريب عن أحد أبناء المدينة، مصادفاً يوم أربعاء، يعاجل المستغربين بتبريرٍ ضاحك: "لا حدا يعتب علي، اليوم عيد المجانين".

لهذا الأربعاء قصص كثيرة تُفسره. لكن الرواية الأكثر شيوعاً، ويصادق عليها غالبية المؤرّخين الذين بحثوا في تاريخ المدينة، تقول إنه عندما اجتاح تيمورلنك بلاد الشام، كانت حمص المدينة الوحيدة التي سلمت من بطشه ومن أذى جيشه. فسكانها تظاهروا بالجنون، علقوا على رؤوسهم القباقيب (أحذية خشبية)، ولبسوا أكياساً من القنّب، وراحوا يتجوّلون في الشوارع ويقرعون على أطباق وأوانٍ نحاسية، حتى قيل لقائد جيش المغول، إن هذا الشعب شرب من ماءِ العاصي، فصاروا مجانين. ما أثار تخوّف الغزاة، فانصرفوا من حمص على الفور. وشاءت الصدف أن وقعت الحادثة في يومِ أربعاء، فتحول لاحقاً إلى عرف طريف يتداوله العامّة.

حمص اليوم تشتاق أعيادها، فالحرب جاءت على كلّ شيء في المدينة. ولعل العيد الوحيد الّذي ينتظره الحماصنة، صار يتمثل ببلاغٍ وطني، يقول لكل السوريين إن الحرب الدائرة في بلادهم انتهت، والوقت حان لإعادة إعمارِ البلد، بما فيه من حجارةٍ ونفوس.

 

كلمات مفتاحية
حمص سوريا

التعليقات

المقال التالي