بين الحصار والموت... كيف يقضي السوريون المحاصرون رمضان؟

بين الحصار والموت... كيف يقضي السوريون المحاصرون رمضان؟

يأتي شهر رمضان من كل عام حاملاً معه معاني الخير ولمّ شمل العائلات حول موائد الإفطار. لكن الأمر يختلف بالنسبة لآلاف السوريين العالقين في المناطق المحاصرة.

داريا: لا طعام ولا جامع

ولعل هذا العام هو الأقسى على العديد من أبناء المناطق المحاصرة، لا سيما أبناء بلدة داريا الواقعة في ريف دمشق الغربي، والتي خلا وفاضها من أية لقمة تسد رمق صائم عند وجبة الفطور أو تهيئه للصيام عند وجبة السحور.

فبعد قطع الطريق الواصل بين بلدتي داريا ومعضمية الشام، في نوفمبر 2015، أخذ الحصار "شكل الموت المحتم ولا شيء إلا الموت"، فهو طريق الإمداد الوحيد للغذاء والشراب والدواء، بحسب ما قاله محمد الإمام، مسؤول المكتب الإعلامي للمجلس المحلي لبلدية داريا لرصيف22.

وبنبرة تهكمية تابع الإمام "ما تسميه الأمم المتحدة بالمساعدات الإنسانية، دخلت إلى داريا قبيل حلول شهر رمضان بيومين، لكنها كانت خالية من أيه مواد غذائية ومحملة بنكهة السخرية من مصيرنا وإنسانيتنا، فعندما تستبدل أهم مقوم للحياة وهو الطعام والشراب بمعدات للوقاية من الناموس والحشرات، فأنت بالتأكيد تسخر من إنسانيتنا ومساعداتك هذه هي ليست إلا مادة ليتحدث عنها الإعلام بضعة أيام".

وكانت قد دخلت أول قافلة مساعدات إلى داريا في الأول من يونيو، ولكنها لم تتضمّن مساعدات غذائية. وفي التاسع من يونيو الحالي دخلت قافلة مساعدات غذائية لأول مرة منذ عام 2012، ولكن أبناء المدينة اشتكوا من أنها لا تكفي أبناء البلدة أكثر من أسبوعين.

أقوال جاهزة

شارك غرد"شغلنا جوعنا وتشتتنا عن تأدية العبادات واغتنام شهر رمضان في طاعة الله وشكره"

شارك غردلا ملامح لشهر رمضان في بلدات يتقاذف أبناءها الجوعُ من جهة والقصف والبراميل من جهة أخرى

وعن الأجواء الرمضانية تحدث الإمام أنه لا يوجد أي شيء يوحي بحلول شهر رمضان مقارنة بالأعوام السابقة عندما كانت داريا خلالها محاصرة أيضاً. فهذا العام مختلف. الشوارع خالية تماماً خوفاً من القصف المستمر على المدينة، وقطع طريق داريا-المعضمية شتت كثيراً من العوائل التي اختارت الهرب من داريا والتسلل فرداً تلو الآخر إلى المعضمية، ناهيك بأعداد الضحايا التي ارتفعت بشكل مخيف بعد حملة البراميل المتفجرة التي شهدتها البلدة في العام الأخير، والتي وصلت إلى 6600 برميل.

أما عن تفاصيل الحياة في رمضان وغيره، وكيف يتدبر الناس أمورهم في ظل الحصار الخانق المفروض على المدينة منذ خمسة أعوام، قال السيد سليم القدة، 42 عاماً، وصاحب محل لتصليح المركبات الهوائية: "منذ قطع طريق الإمداد الأخير إلى داريا بشكل كامل بات كل منزل يحاول أن يدّخر ما يمكن ادخاره من المواد الغذائية الجافة والبقول ليقتات بها في رمضان عند نفاد المخزون الغذائي".

وتابع القدة أنه "بحمد الله لا تزال هنالك بعض الحشائش والخُضَر التي نتغذى عليها، لكن 80 في المئة من حقول القمح التي كنا نصنع من غلالها الخبز احترقت بسبب القصف على المدينة".

ولم تلتهم الحرائق حقول القمح والأشجار فحسب بل طالت آخر رمز للدين الإسلامي في داريا وهو جامع المصطفى الذي كانت تقام فيه شعائر صلاة التراويح، وذلك بعد ليلة طويلة من القصف في اليوم الثاني من رمضان، بحسب القدة.

وبنبره يكسوها الحزن تابع القدة: "عن أيّ شعائر نتحدث وعن أي موائد نُسْأل وأبناؤنا وأخواننا نصفهم قضوا، وأطفالنا ونساؤنا ينامون جياعاً".

وأضاف: "بالنسبة لمَن يتساءل عن حكم الصيام في المناطق المحاصرة، فمشكلتنا ليست مع المفهوم العام للصيام إنما مشكلتنا هي صيام الجوع والبؤس تحت قذائف الغدر وحصار الموت".

سكان داريا الذين يقدّرهم مجلسها المحلي بـ8300 شخص، ليسوا وحدهم المتفردين في هذه المأساة، بل هم جزء من ستمئة ألف سوري آخرين يعيشون ظروفاً متشابهة فرضها حصار الجوع والدم المطبق على 19 منطقة في سوريا.

الزبداني ومضايا... مأساتنا شغلتنا عن العبادة

تعيش بلدتا الزبداني ومضايا الواقعتان في ريف دمشق الشمالي الغربي، أيضاً نفس المشهد البائس برغم تلقيهما بعض المساعدات الإنسانية في الرابع من مايو الماضي.

وبسبب ضآلة كمية المساعدات وافتقارها إلى أهم العناصر الغذائية من المواد البروتينية، لم يكن لها أثر كبير في ملء بطون اشتد فيها الجوع وإنعاش قلوب فتتها الانتظار، بحسب شهادة السيدة رائدة الططري.

السيدة رائدة، 38 عاماً، وهي ربة منزل، فقدت زوجها وواحداً من أبنائها في إحدى عمليات القصف على مدينة الزبداني، قبل أن يتم تهجيرهم إلى مضايا. ووصفت الوضع الحالي هنالك بـ"الأكثر من مأسوي ليس فقط في رمضان بل منذ شهور عدة".

نساء ينتظرن الإعاشات في سوريا

وأشارت الططري إلى افتقار السوق للمواد الغذائية، مع توافر بعضها بأسعار باهظة جداً، وإلى أن مساعدات الأمم المتحدة التي وصلت قبل شهر ونيف نفدت فور وصولها، واصفة إيّاها بأنها "لم تكن كافية لسد رمق عصافير لا بشر". وروت أنهم كانوا ينتظرون وصول مساعدات أخرى مطلع هذا الشهر لكنها تعطلت لأسباب تجهلها.

تقف السيدة رائدة كل يوم حائرة لا تعلم ماذا ستطعم أبناءها الأربعة على وجبة الإفطار. وقالت: "ليس لدينا إلا قليل من الأرز والبرغل والفاصولياء وبعض الحشائش التي زرعناها كالنعناع والبقدونس والتي شارفت الانتهاء، وكذلك الأمر بالنسبة للحطب والبلاسيتك الذي نطهو عليه".

وتابعت السيدة الريفية: "برغم أن الموت بات كثيراً في سوريا في الأيام الأخيرة إلا أنني لا أعلم كيف لا نزال على قيد الحياة في ظل ما نعيشه من ظروف قاهرة. فالجميع هنا متعب من الجوع ويائس من دخول مساعدات جديدة، حتى أن جوعنا وتشتتنا وبحثنا الدائم عن شيء نأكله شغلنا عن تأدية العبادات واغتنام شهر رمضان كما المعتاد في طاعة الله وشكره، فضلاً عن أنه جعلنا نلهث كي نطعم أبناءنا أي شيء خوفاً من أن يلتهمهم الجوع كما فعل بالكثيرين ممّن باتوا اليوم تحت التراب ومجرد صور تشاركنا مائدة الإفطار البائسة".

وصف عماد باسيل، 28 عاماً وهو عامل دهان، الوضع في مضايا والزبداني بـ"السيء للغاية". وقال لرصيف22: "ملامح شهر رمضان اندثرت في هذه البلدة التي يتقاذفها الجوع من جهة والقصف والبراميل من جهة أخرى، فسكانها متذمرون متعبون، لا يأكلون سوى نوع واحد من الطعام، ولا إمكانية للزراعة لأن المناطق المحاصرة خالية من الأراضي الزراعية، وإن وجدت قطعة أرض فلا يوجد مياه لريّها، فالماء بحاجة إلى كهرباء أو مازوت لاستخراجه وتوافر هذا الأمر أشبه بالمستحيل".

حي الوعر... تلفّنا الأحزان

ومن الريف الدمشقي إلى مدينة حمص حيث أعلن سكان حي الوعر المحاصر كسابقيهم دخول شهر رمضان عليهم وهم جياع وذلك بعد حصار مطبق منذ العاشر من مارس الماضي.

وفي وصف حال الحي المحاصر قال الناشط الإعلامي وعضو مركز حمص الإعلامي، محمد السباعي لرصيف22: "جميع وسائل الحياة كالطعام والشراب والدواء والكهرباء انقطعت تماماً منذ اللحظة الأولى لتطبيق الحصار على حي الوعر، ليستهلك مخزونه من الغذاء بشكل كامل وتلفه الأحزان من كل مكان مع دخول شهر الصيام، وذلك بالتزامن مع حملة عنيفة من التصعيد العسكري لم يشهدها الحي منذ عامين، أودت بحياة سبعة مدنيين قبيل حلول رمضان بيوم واحد".

وتحدث السيد غزوان الإخوان، 46 عاماً، عن حال البيع والشراء والسلع المتوافرة بالأسواق كونه صاحب أحد المحال التجارية في الحي، قائلاً "إن محال الحي خاوية تماماً، ليس من الزبائن فحسب، بل من جميع البضائع الغذائية والصحية، وحتى رغيف الخبز بات ضرباً من الخيال".

وبصوت فيه غصّة أردف الرجل الحمصي: "لا أعلم ماذا أفعل إلى حين انتهاء رمضان، وأطفالي الثلاثة تتلاشى أجسادهم النحيلة أمام عينيّ، وأنا عاجز عن تقديم أدنى طقوس البهجة الرمضانية التي اعتادوا أن أكافئهم بها على صيامهم، كالحلويات والمشروبات الملونة أو حتى المأكولات العادية على أقل تقدير".

"يا إلهي كم هو شعور قاس أن يأتي رمضان الذي أعتدنا روحانيته وسخاءه بحلة مغايرة تماماً عمّا اعتدناه. رمضان حزين وكئيب وفقير وخالٍ من كل الخيرات"، تابع غزوان.

وقال الشاب حسام بكار، 24 عاماً، وهو طالب في كلية العلوم في جامعة البعث وأحد سكان حي الوعر المحاصر، إنه لم يشعر بأي فرق بقدوم رمضان، فهم لا يتناولون سوى وجبة يتيمة عند المساء، والأمر الوحيد الذي اختلف هو صبرهم على الحر الشديد دون ماء في فترة الصيام أما بالنسبة للطعام فهو مفقود منذ ثلاثة أشهر.

الشهادات السابقة هي ليست إلا صورة مصغرة من المأساة الكبرى التي يعيشها آلاف السوريين في المناطق المحاصرة ومنها أيضاً بقين والزبداني ودوما ومعضمية الشام ونبل والزهراء وكفريا والفوعة وتلبيسة ودير الزور ومؤخراً حلب بعد إحكام الطوق الأمني على الريف الحلبي إثر السيطرة على طريق الكاستيلو الواصل بين المدينة وريفها.

التعليقات

المقال التالي