ماذا تعرفون عن الشرطة الدينية في مصر؟

ماذا تعرفون عن الشرطة الدينية في مصر؟

كان لا يزال الجدل محتدماً في الشارع المصري على خلفية فتوى دار الإفتاء المصرية التي قالت إن المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان تُعدّ اعتداءً على قدسية الإسلام، فأثارت بذلك سجالاً شبيهاً بالسجال الذي رافق شيوع خبر إغلاق عدّة مقاه في منطقة العجوزة في القاهرة، بدعوى أنها تفتح أبوابها في نهار رمضان.

جهنّم... وعقاب دنيوي

فتوى دار الإفتاء اعتبرت أن المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان لا تُعدّ من قبيل الحرية الشخصية بل هي اعتداء على قدسية الإسلام ومجاهرة بالمعصية وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام مقدساته، إلى جانب كونها تخالف الذوق العام في بلاد المسلمين.

وقد قوبلت تلك الفتوى باستياء واضح. فاعتبرها فريق تدخلاً فجاً في الحريات الشخصية للمواطنين، فيما اعتبرها فريق آخر تحريضاً على العنف، كونها تحمل إشارة ضمنية إلى معاقبة المجاهرين بالإفطار في نهار رمضان، سواء بإنزال عقاب رسمي بهم أو عقاب مجتمعي من قبل المسلمين "الغيورين على دينهم". بينما وصف معلق آخر الأمر بأنه "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نسخة الأزهر".

وبرغم سحب دار الإفتاء الفتوى عن موقعها بعد السجال الكبير، فإن ما قالته يعبّر عن قناعة كثيرين. وقال الدكتور صبري عبادة، وكيل وزارة الأوقاف السابق، لرصيف22 إن هذه الفتوى صحيحة 100% وإن المجاهرة بالإفطار ليس من الحرية الشخصية في شيء استناداً إلى قول النبي محمد: "كل أمتي معاف إلا المجاهرون".

ورأى أن الحفاظ على مشاعر المسلمين واجب شرعي، مناشداً جميع المفطرين بإخفاء معصيتهم لأن المجاهرة تجعل العقوبة مضاعفة. وشرح أن العقوبة تنقسم إلى قسمين، الأول أخروي موكل إلى الله، والثاني دنيوى أوكله الله إلى ولي الأمر، داعياً السياسيين والنواب إلى إصدار تشريع يسمح بتعقب ومعاقبة المجاهرين بالإفطار.

أقوال جاهزة

شارك غردهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... نسخة الأزهر والسلطة المصرية

شارك غردالسلطات في مصر تلتف على القوانين لتمارس صلاحيات "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"

وذهب عبدة إلى حد وصف من يفطرون جهاراً في رمضان بالشباب المنفلت، مشيراً إلى أن الحرية تنتهي عند المساس بحرية الآخرين، وأن حرية المسلمين تكمن في العيش في جو إيمانى يسمح لهم بممارسة شعائرهم في استقرار، مضيفاً بحدة: "المفطرون نبشرهم بعذاب أليم في نار جهنم وبئس المصير".

إغلاق مقاهي العجوزة

ولم يكد الجدل الدائر حول الفتوى يهدأ حتى اشتعل جدل مشابه، إذ أثار خبر إغلاق عدّة مقاه في منطقة العجوزة في القاهرة، بدعوى أنها تفتح أبوابها في نهار رمضان الجدل من جديد حول ما إذا كانت الدولة تتعمّد مراقبة أخلاق المواطنين، أو تسعى إلى تنظيم عملية تديّنهم.

وقبل يومين من ذلك، أُغلق مقهى "اللورد" الشهير الذي يقع في شارع المعز لدين الله الفاطمي، والذي يعتبر من الأماكن التي تقصدها الشرائح الميسورة في المجتمع المصري، وجرت مصادرة الكراسي والطاولات الخاصة به، وذلك لأنه يفتح أبوابه نهاراً في رمضان.

محمد ناصر، رئيس حي وسط القاهرة الذي يقع في دائرته المقهى المذكور، أكد لرصيف22 أن قرار الإغلاق جاء في إطار حملة لرفع الأشغال من الشارع العتيق، مضيفاً أن مخالفة المقهى لشروط الترخيص هي سبب إغلاقه وليس احتضانه الزبائن بشكل علني في نهار رمضان.

وقال اللواء أحمد عبد الرحيم، رئيس حي العجوزة، إن الحملة التي نفّذها الحي لإغلاق بعض المقاهي جاءت لمخالفتها تصاريح العمل اللازمة، نافياً ضبط المفطرين في نهار رمضان.

ولكن عدداً من النشطاء والحقوقيين شكّك بالأمر، وقالوا إن الادعاء بمخالفة تلك المقاهي شروط الترخيص يُعد التفافاً يهدف إلى تقنين عملية الإغلاق وإضفاء غطاء قانوني عليها، مشيرين إلى أن قانون العقوبات المصري لا يخوّل الدولة ضبط المفطرين أو معاقبتهم لعدم وجود نص صريح يسمح بذلك.

ولفتوا إلى أن أجهزة الدولة التنفيذية تلجأ إلى مضايقة ومراقبة مَن يؤون المفطرين في نهار رمضان، معتبرين أن إغلاق المقهى ومساءلة صاحبه من الأعمال التي تستهدف ردع كل صاحب مقهى آخر يفكر في فتح أبواب مقهاه أثناء ساعات النهار، كما يُعد نوعاً من الترهيب للزبائن الذين يجهرون بالإفطار.


في السياق نفسه، ضجّت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالانتقادات التي وجهها كثيرون إلى الواقعة وخاصة إلى مشهد الاقتحام المصوّر للمقهى، ووصفوه بالمفزع، مؤكدين أن جميع المقاهي التي اقتُحمت كانت مغلقة أو تتخذ ساتراً للبعد عن عيون الناس وعدم استفزازهم.

وأشار البعض إلى أن نائب رئيس حي العجوزة اتفق مسبقاً مع صحافي في جريدة الوطن لتصوير لحظة الاقتحام، وأنه تعمّد الدخول بشكل مباغت ومفاجئ في مشهد درامي مخطط له ويهدف بالدرجة الأولى إلى إرسال رسالة مفادها إرهاب كل مَن تسوّل له نفسه فتح أبواب مقهاه أو ارتياد المقاهي في نهار رمضان.

وانتقد كثيرون انتهاك خصوصية الجالسين في المقهى عن طريق تصويرهم دون إرادتهم، ومنهم كثيرون ظهرت وجوههم في مقطع الفيديو الذي نشرته جريدة الوطن المصرية، مما يعرضهم للتنكيل بهم مجتمعياً في مجتمع محافظ بطبعه، يهتم بإظهار مظاهر التدين علناً والتخفّي عن أعين البشر حين مخالفتها.

الدولة مراقب لأخلاق ودين المصريين

في مارس 2014، أعلن اللواء أمين عز الدين، مدير أمن الإسكندرية، تشكيل فريق من الضباط مهمتهم ضبط المجموعات الشبابية التي تروّج للإلحاد، وهو ما أثار حفيظة العديد من المختصين في الشأن الحقوقي. واتهمه البعض بأنه يريد تكوين جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على غرار تلك التي توجد في السعودية.

وجرى ضبط المفطرين في نهار رمضان في أوقات سابقة، إذ قُبض على 150 شخصاً عام 2009، وحُرّرت محاضر ضدهم بتهمة "الجهر بالإفطار في نهار رمضان". كما أُلقي القبض على عدد من المجاهرين بالإفطار في مدينة الغردقة بعد أن أمر محافظ البحر الأحمر بغلق المطاعم والمقاهي في نهار رمضان، إضافة إلى القبض على سبعة شباب لتدخينهم السجائر في نهار رمضان في مدينة طلخا بالدقهلية.

وأوضح عادل رمضان، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لرصيف22، أن الدستور المصري الصادر عام 2014 ينص في مادته الرقم 64 على أن "حرية الاعتقاد مطلقة".

وبرأيه، تهدد أفعال مثل اقتحام مقاهي العجوزة الحياة الآمنة للمواطنين، كما أن طرق الاقتحام والاقتياد للأقسام بدعوى المجاهرة بالإفطار تعد نوعاً من إفزاع المواطنين وهدماً لمسؤولية الدولة في توفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها وليس إفزاعهم ومراقبة مدى تديّنهم.

غطاء ديني لانتهاك الحريات الشخصية

وبعد إشارته إلى أن فتوى دار الإفتاء تتناقض مع المادة 54 من الدستور التي تنص على أن الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة ولا تمس، حذّر عادل رمضان من أن هذه الفتوى توفّر الغطاء الديني للسلطة التنفيذية لاعتقال المفطرين، خاصة في ظل وجود المادة الثانية في الدستور المصري التي تنص على أن الإسلام دين الدولة وأن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع.

وأوضح أنه لا يوجد أي نص قانوني يجرّم المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان، لافتاً إلى أنه حتى التراخيص التي تمنحها وزارة السياحة لمحال أو مقاه معينة لا تشترط بأي حال من الأحوال تحديد فترة للإغلاق في السنة، وبالتالي أصحابها غير ملزمين بالإغلاق في نهار رمضان أو غيره.

وأشار إلى أن موظفي الأحياء يلجأون إلى طرق أخرى لفرض سطوتهم الدينية أو الأخلاقية على المواطنين، فيتحايلون على القانون لابتزاز أصحاب المحال والمقاهي لإجبارهم على الإغلاق التام وعدم استقبال زبائن في نهار رمضان.

وتعليقاً على فيديو اقتحام مقهى العجوزة، انتقد رمضان سؤال الموجودين عن ديانتهم وهو ما يُعدّ جريمة كاملة ومخالفة واضحة للمادة 53 من الدستور التي تنص على أن المواطنين سواء لدى القانون ولا يجوز التمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة. وقال إنه عندما تسأل الدولة شخصاً ما هل هو مسلم أم مسيحي، فهذا يعني أنها ستتخذ إجراءً مبنياً على دين الشخص أو معتقده وهو ما ينطوي على تفرقة وتمييز علني يخالف الدستور صراحة.

وأشار إلى أن النزعات المتشددة أو المحافظة لدى بعض المسؤولين في بعض المناطق والأحياء الإدارية، هي السبب الرئيسي لازدياد تلك الوقائع، لكن إذا تكررت على نطاق أوسع فيمكن الاعتبار أنها تعبّر عن توجه إداري من السلطة التنفيذية لإقرار مظاهر وأخلاق معينة على المواطنين بدعوى الحفاظ على الآداب العامة.

ولفت إلى أنه، في أغلب الحوادث السابقة، كان يتم توقيف المفطرين وإحالتهم للنيابة التي تخلي سبيلهم فوراً لعدم وجود نص قانوني يجرّم ما فعلوه، مضيفاً أن ما يحدث فعلياً على الأرض هو معاقبة هؤلاء الأشخاص بتوقيفهم لمدة 24 ساعة بدون سند قانوني وهو ما يعد إرهاباً فكرياً ودينياً.

إزدواجية السيسي

قابل الكثيرون حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الموجه إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب، والذي تحدث فيه عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، بالحفاوة البالغة. وحدث الأمر نفسه حين قال إنه لا يخاف من وجود الملحدين، ومن مجاهرتهم بذلك.

إلا أن السيسي نفسه كان قد قال في حوار تلفزيوني، حينما كان مرشحاً لمنصب الرئاسة، إنه هو المسؤول عن كل شيء في الدولة حتى دينها، وهو ما قوبل بالاستياء، فشبّه البعض كلامه بمفهوم "ولاية الفقيه".

وعام 2006، في ورقة بحثية قدّمها حين كان عضواً في برنامج الزمالة الدولية في كلية الحرب الأمريكية، قال السيسي إن الديمقراطية في الشرق الأوسط لا يمكنها أن تشق طريقها إلا باتخاذ الدين ركناً رئيسياً وأساسياً من الدولة.

هذه الازدواجية دفعت عدداً من المراقبين إلى اعتبار أن الرجل يرى أن الدين هو سلاح في يده يستخدمه كيفما يشاء. فتارة يتحدث عن أهميته ووسطيته لدحض خصومه من الإسلاميين والسيطرة الروحية على المواطنين، وتارة أخرى يتحدث عن حرية الاعتقاد المطلقة وحرية المجاهرة بالإلحاد بدون خوف.

وفي الممارسة، تعددت أحكام المحاكم المصرية التي دانت مصريين بتهمة المجاهرة بالإلحاد أو ازدراء الدين الإسلامي. كما ثار سجال بعد إغلاق مقهى يطلق عليه المصريون اسم "قهوة الملحدين" بدعوى إيوائه ملحدين.

ووثّفت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أنه منذ عام 2011 أدين 27 شخصاً على الأقل من أصل 42 متهماً بتهمة ازدراء الأديان، وأضافت في تقرير لها: "زادت الهجمات على مواطنين يمتلكون وجهات نظر عكس الأغلبية وعلى آخرين حاولوا التعبير عن آرائهم في قضايا دينية مثيرة للجدل".

ويرى البعض أن الدولة المصرية تقحم الدين بالسياسة لتنفيذ أغراضها وللتمكن من السيطرة الروحية على المواطنين. وفي نوفمبر 2015، ولأول مرة في تاريخ الدولة المصرية، أصبح للمؤسسة الدينية شرطتها الخاصة التي لها سلطة المراقبة والضبط والإحالة إلى النيابة العامة.

وحدث ذلك بعد صدور تعديل تشريعي يسمح لوزير الأوقاف بإعطاء حق الضبطية القضائية لمئة من قيادات الأوقاف والأزهر، كما اعتبر أن إهانة الزي الأزهري جريمة يعاقب مرتكبها بالحبس سنة، وبغرامة تراوح بين 10 و30 ألف جنيه.

عهد الإخوان وعهود سابقة

شهدت فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين أمثلة عدّة عن الافتئات على حريات الفكر والاعتقاد. ووصل الأمر إلى حد تنظيم بعض المواطنين "جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وشهدت السويس جريمة قتل طالب هندسة أثناء سيره مع خطيبته "بدون محرم" في أكتوبر عام 2012، وقد قضت المحكمة الجنائية بالسويس بالسجن المشدد 15 عاماً على الفاعلين. كما شهدت محافظة الشرقية جريمة قتل موسيقييْن لأن الموسيقى والغناء محرّمان.

وتناقلت وسائل إعلام مصرية، أواخر عام 2012، أخباراً عن استعداد حملة سلفية من تلامذة الداعية السلفي محمد حسان، تعرف باسم "حماة الإسلام"، ويقودها الشيخ الشاب عبد الرحمن موسى، إلى تقديم طلب رسمي بالترخيص للأزهر الشريف بتأسيس "لجنة مراقبة المجتمع"، بحيث تكون بمثابة "هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، تحت رعاية وزارة الأوقاف والأزهر الشريف، بهدف "فرض الرقابة الشعبية الدينية على الظواهر المجتمعية والسلوكيات المناقضة للدين الإسلامي وأخلاقياته، في إطار التوعية والإرشاد الدعويين".

وفي عهد الرئيس الراحل أنور السادات، حاول الداعية الإسلامي الشيخ يوسف البدري إنشاء هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنّه مُنع وسُجن لمدة عام.

ودارت الأيام وفُتح النقاش حول الفكرة مرة أخرى خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتقدم أحد النواب بمشروع لإنشاء ما يسمى بـ"وزارة الحسبة"، يكون عملها شبيهاً بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن اقتراحه ظلّ حبراً على ورق.

كلمات مفتاحية
الدين مصر

التعليقات

المقال التالي