برامج المقالب الرمضانية: كيف نتصالح مع "داعش"؟

برامج المقالب الرمضانية: كيف نتصالح مع "داعش"؟
يدير ظهره للكاميرا مرتدياً بزة رجل إطفاء. يقوم بحوار داخلي مع نفسه، أراده أن يكون بين "ضميره الحيّ" وبين "نزعة الشرّ" الذي تتملكه.

الضمير: إنت مجنون.. ما تزودهاش السنة دي أحسن ما حدّ يموت على إيدك.
نزعة الشرّ: الموت علينا حقّ.
الضمير: ممكن أعرف إيه اللي حتستفيدو من ده كلو.
نزعة الشر: يااااه قدّ إيه ممتع تشوف حدّ بيولع قصاد عينيك.
الضمير: إنت ما فيش قلب.. معندكش ضمير؟
نزعة الشرّ: أنا قلبي مات وضميري انتحر.

ينتهي هذا الحوار سريعاً لدى المقدّم المصري رامز جلال لصالح "نزعة الشرّ"، التي أراد لها أن تتخذ قالباً فكاهياً في برنامجه الجديد "رامز بيلعب بالنار".

لم يجد صاحب مقالب رمضان المثيرة للجدل، من "رامز عنخ آمون" و"رامز واكل الجو" إلى "رامز قرش البحر"، حرجاً أمام كل هذا الحريق الذي يلتهم المنطقة ويدبّ الذعر الحقيقي في نفوس أبنائها، فقرّر أن يلعب بالنار، باستسهال دفعه للقول "ثلاثة أرباع الضيوف في برنامجي، كثر يتمنون لهم الحريق، ونحن سنتولى المهمة عوضاً عنهم".

يقول المثل الشائع "لا تلعب بالنار تحرق أصابعك". لكن هذا ما يريده صاحب البرنامج الذي يقول إن "برنامجه وطني، يلبي رغبة كثر بحرق أعدائهم"، فيشبّه نفسه برأفت الهجان، ويزيد من السخرية ليجعل برنامجه استحضاراً لمهمة نادية الجندي التي أرعبت العدو.

يستخف رامز جلال بذلك الحريق الذي التهم جسد الطيار الأردني معاذ الكساسبة، وبشعور كل من تابع "المشهد السينمائي" وما زال يؤرق خياله، يستخف بكل تلك التفجيرات التي تحصد آلاف الأرواح البريئة وبذلك الهلع الذي ترصده شاشات التلفزة على وجوه الضحايا وذويهم لحظة وقوع التفجير. يريد رامز استعادة الهلع نفسه، فيضيع لديه الخط الفاصل بين الفانتازيا والواقع. يصبح ما نراه على أرض الواقع أشبه بمقلب أو مشهد من أحد الأفلام، وما نراه على التلفاز من مقلب مركب أشبه بواقع. إنها الخفة بأبهى تجلياتها وأكثرها ثقلاً وألماً.
أقوال جاهزة

شارك غردلم يجد صاحب مقالب رمضان المثيرة للجدل، رامز جلال، حرجاً أمام كل هذا الحريق الذي يلتهم المنطقة، فقرر أن يلعب بالنار

شارك غردبأي حق تستخف المحطات التلفزيونية بكل هذا الرعب الذي يحيطنا؟

من فؤاد المهندس إلى رامز جلال، أكثر من مقلب

تعيدنا برامج رامز جلال وأشباهها إلى تلك الحقبة التي بدأت فيها المقالب الخفية. بعد بدئها منذ وقت طويل في الغرب على شكل كاميرا خفية ترصد تنفيذ مقالب تعتمد على المرح والترفيه مع الناس العاديين، انتقلت الكاميرا الخفية باكراً إلى مصر مع الممثل فواد المهندس. كان الممثل الكوميدي الشهير يناقش أحد المواقف في بداية الحلقة، ثم ينتقل لتطبيقه على المواطنين في الشارع. انضم اسماعيل يسري لاحقاً إلى فريق البرنامج، ونجح مع المهندس بتنفيذ العديد من المواقف الطريفة التي أفرحت المشاهدين ودفعتهم إلى التفكير في العديد من تلك المواقف والنقاش حولها.

تطور هذا النوع من البرامج لاحقاً مع إبراهيم نصر الذي كان يعمد إلى تغيير شكله بواسطة الماكياج، ليكون صعيدياً في مرة ونوبياً في مرة أخرى، ثم امرأة إن اقتضى الموقف. وكانت السمة الغالبة على مقالبه هي الطرافة والمرح.

تبع ذلك برنامج "إديني عقلك" الذي كان يحاول استفزاز المواطنين وقياس ردة فعلهم وقد استمر بالعرض على الشاشة لسنوات طويلة. مع حسين الإمام بدأت المقالب ترصد الفنانين أكثر من المواطنين، وكانت تعتمد على مقلب يتم التحضير له في الاستديو حيث الضيف، مثل استفزازه عبر اتصال هاتفي أو احتراق سلك هاتفي في الاستديو، ليتبعه لاحقاً ببرنامجي "ما تيجي أقولك" و"بالبيجامة".

لكن التحول الخطير بقي مع برامج رامز جلال التي أثارت الكثير من الانتقادات. برامج جلال ركزت على النجوم والفنانين حصراً، ونقلت المقالب إلى مستوى متقدم فيه الكثير من الهلع وخطر الموت أو القتل. وفتحت هذه البرامج الباب على مصراعيه أمام البرامج التي اعتمدت على إثارة هلع الضيوف. كما وجهت الانتقادات إلى تلك البرامج باعتبارها مفتعلة، إذ يجري التحضير مسبقاً مع الضيوف/ الضحايا كما حصل مع برنامج محمد فؤاد "فؤش في العسكر". والحال نفسه انسحب على برنامج "هبوط اضطراري" لهاني رمزي.

في هذا الموسم الرمضاني، وإلى جانب جلال في "رامز بيلعب بالنار"، يطلّ كل من هاني رمزي ببرنامج "هاني في الأدغال"، وخالد عليش في "ميني داعش"، وبرامج أخرى كـ"مافيا" و"أوعى يجيلك إدوارد".

عندما يصبح "داعش" مضحكاً

في الحلقة الأولى من "رامز بيلعب بالنار"، كان الضيف الفنان اللبناني راغب علامة. هدّد رامز بأنه "سيترك علامة على وجه راغب". أُحضر الضيف إلى أحد فنادق المغرب لتكريمه، كما قيل له، قبل أن يحصل انفجار ضخم في المبنى ويرصد البرنامج تعامل الفنان "الوسيم" مع الموقف، وطريقة هروبه وصولاً إلى السطح حيث ينتظره الخلاص، عندما يعلم أن كل ما جرى مجرد مقلب. أموال كثيرة صُرفت لتنفيذ التفجيرات بشكل متقن، تحت إشراف فريق عمل أجنبي متخصص. ويلفت البرنامج إلى أن المعدين يحرصون على سلامة الضيوف، الذي كان من بينهم أجانب كأنطونيو بانديراس.

في "هاني في الأدغال" حوصرت الفنانة إلهام شاهين في عربة داخل أحد الأدغال، كان الأسد يشن هجوماً على العربة، بينما يخرج ثعبان ضخم من أحد الصناديق داخلها. ترصد الكاميرا لحظات الرعب والهلع التي يعيشها النجم الذي يرى الموت نصب عينيه، قبل أن يظهر رمزي ليحضن الضيف الذي ينهار على الهواء.

في "ميني داعش" تذهب الأمور إلى مرحلة متقدمة من الأذى. يستضيف البرنامج فنان أو صاحب حرفة معينة، يأتي على أساس أنه يزور داراً للمسنين. فيفاجأ بوجود عناصر مسلحة من تنظيم "داعش". لم يكتف المخرج بقتل فتاة بالنار أمام الضيفة هبة مجدي، الممثلة المصرية، فاستمر بالترويع وإطلاق النار، وهو يهددها بضرورة الانضمام إلى "داعش". ولمزيد من "التشويق"، قتل شخصاً آخر أمامها، وأحضر كاميرا ليسجل اعترافها بالانضمام للتنظيم. كل ذلك، والرعب ترصده الكاميرا بدقة، قبل أن تغطي سحب الدخان المكان وتكتشف الضيفة/ الضحية المقلب.

يتساءل المشاهد لو لم يكن لما يجري أمام الكاميرا نسخة واقعية مؤلمة، أكان لمشاهد مماثلة أن تمرّ أقل وطأة؟ لا جواب أكيد، لكن الأكيد هو أن ما تنقله المقالب الرمضانية، بنسختها الحديثة والواقعية، أقل ما يُقال عنه "لا إنساني"، كما وصفه فنانون على مواقع التواصل الاجتماعي.

كيف نتصالح مع الهلع؟

في سيناريو مختلف، كان يمكن لأسئلة من نوع "هل تستحق برامج مماثلة كل هذه الأموال الطائلة التي تُهدر؟"، و"هل تُبنى الفكاهة على الرعب؟"، و"كيف يمكن للمقالب أن تتم بالاتفاق مع الفنانين؟"، أن تجد مكاناً. قد يكون للحديث عن لهاث المحطات لحصد أكبر عدد من المشاهدين، وعن تلك الفيديوهات الشهيرة على شاكلة "هيفاء وهبي تشتم رامز عنخ أمون"، مناسبة مهمة.

لكن السؤال اليوم أمام مقالب "التفجير" و"التكفير" يصبح أخطر. بأي حق تستخف المحطات بكل هذا الرعب الذي يحيطنا. كيف لا ومشاهد وشهادات الفتيات الأيزيديات الصادمة حول تعامل عناصر "داعش" معهن تؤرق الأذهان، كيف لا والمنازل تعج بأمهات فقدن أولادهن في تفجير، ويمضين ليالي طويلة يتساءلن عن تلك اللحظات الأخيرة التي عاشوها قبل موتهم؟ كيف لا وثمة أطفال يشاهدون تلك البرامج ويُعتبرون في الحرب مادة خصبة لتعبئتهم وجرّهم نحو التطرف؟

ربما يمكن أن نتذكر هنا ذلك الطفل الذي قطع رأس دمية عقاباً لها، أو تلك الأم التي تشكو من كيف تحول أولادها ليتقمصوا شخصية "داعش" أثناء لعبهم. قد لا يكون تأثير برامج مماثلة بهذه المباشرة، وقد يقول البعض إن الفكاهة سلاح فعال في وجه التطرف، وهذا صحيح، لكن أيتم ذلك بممارسة هذا التطرف نفسه، وباستخفاف مرعب؟

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي