كيف يرى المسلمون المسيحيين في مصر؟

كيف يرى المسلمون المسيحيين في مصر؟

لطالما كانت العلاقة بين أبناء الوطن في مصر شائكة، يشوبها التحفظ، وربما التحفز في بعض الأحيان. وربما تسبب ذلك في انتشار الكثير من الأفكار المغلوطة لكل طرف عن الآخر. ما هي تلك المعتقدات الخاطئة التي يظنها المسلمون عن المسيحية والمسيحيين ولماذا انتشرت؟

أفكار صادمة

"أيوة إحنا بنبوس بعض في الكنيسة!" و"لن يختبر القسيس عذريتي". صرختا غضب أطلقتهما صحافية مسيحية شابة، لتكوّنا الحجر الذي حرك الماء الراكد. تحدثت كارولين كامل، للمرة الأولى وبجرأة عن أبرز معتقدات المسلمين الخاطئة عن المسيحيين، وهي "تقبيل الأقباط بعضهم بعضاً داخل الكنيسة ليلة الميلاد، مضاجعة القس للعذراء ليتأكد من عذريتها ليلة زفافها، وجود أسلحة داخل الكنائس، ممارسة رجال الدين اللواط داخل الأديرة، وممارسة الراهبات والقساوس الجنس في الكنائس كذلك".

عبّرت كارولين في مقاليها عن مشاعرها المتباينة، من غضب واحتقار وضحك واستغراب لهذه المواقف. ما اختبرته، يحدث ويتكرر مع الشباب والأطفال، وحتى رجال الدين المسيحيين. خصوصاً في المناطق التي تعيش فيها أعداد قليلة من المسيحيين مثل الدلتا.

مفاهيم مغلوطة

قالت دينا ألفي (25 عاماً)، وهي صحافية: "نعاني منذ الصغر من كثير من المفاهيم المغلوطة عن عاداتنا وممارساتنا الدينية". وأضافت: "الاحتشام هو الأصل في الدين، ولسنا متبرجات بحكم الإنجيل كما يشاع، فقديماً كانت غالبية المسيحيات محجبات لعيشهن في الصعيد، وحتى الآن ترتدي الفتيات الحجاب داخل الكنيسة. حتى أن بعض الأبرشيات تمنع تقدم الفتيات لتناول أحد أسرار وممارسات الكنيسة إذا كن يرتدين البناطيل".

أقوال جاهزة

شارك غردالمعتقدات الخاطئة التي يملكها بعض المسلمين عن المسيحية في مصر


مارو منصور (21 عاماً)، طالب في كلية الآداب في جامعة عين شمس، قال لرصيف22: "ربما لا يمكن حصر كل تلك الاعتقادات لكثرتها، لكنني أتذكر أننا عندما كنا صغاراً، إذا تشاجرنا مع طفل مسلم، يرسم الصليب ويشخبط عليه، ظناً منه أن هذا تحقير وإهانة. وكان يقال لنا إن الصليب علامة للكفر".

ويضيف مارو ضاحكاً: "من أبشع الأفكار التي واجهتها الاتهام بالنجاسة، زي الكلاب، في الطعام والسلام، وأن الكاهن يتبول في القربانة قبل أن نتناول منها في الكنيسة، ولا أفهم حقيقة كيف يظن أي شخص أن نقبل ديناً كهذا!" ويتابع: "قيل لي أيضاً إننا نحتجز المسلمين في الأديرة والكنائس، ونعذبهم لنجبرهم على تغيير ديانتهم. رغم أن الكنيسة لا ترمز إلا للسلام ولا تنادي بغيره".

أما ميرنا رأفت (19 عاماً)، وهي طالبة، فقالت: "البعض يظن أننا نؤمن بثلاثة آلهة ونمارس طقوساً مثل تقديم القرابين وعبادة الأوثان في الأزمنة القديمة. نتهم أيضاً بالتبرج ومشابهة الرجال، وشرب الخمر في الصلاة، وهذا غير حقيقي. بخلاف اتهامات مستفزة مثل أننا لا نغتسل عقب قضاء الحاجة! وأننا لا نسجد في صلاتنا ولا نصوم صوماً انقطاعياً، ونصلي على موتانا وصناديق الجثث مفتوحة، وكل هذا خطأ".

ردود أفعال متباينة

وعن رد فعلها على تلك الأفكار الخاطئة، تقول رأفت: "أضحك كثيراً، أحاول الرد والتوضيح بالطريقة التي يفهمها الطرف الآخر، وإذا استحال الأمر أغلقه فحسب".

وتقول ألفي: "كثيراً ما أتجاهل الشخص الذي يقول هذا، أشعر بالاشمئزاز من أفكاره التي تعكس التعصب والجهل، لكن إذا شعرت أن الآخر متفهم ويرغب في التعرف على الحقيقة فأوضح له الأمور".

أما مارو فيشرح: "أنا شاب متصالح مع نفسي والمحيطين بي، وأدرك أن كل هذه الأفكار ناتجة عن جهل الطرف الآخر، ولا تستدعي كراهيته، وأتعامل مع الموضوع على أنه كوميديا سوداء، لأن الكنيسة تعلمنا التسامح".

رجال الدين

القس لوقا راضي سنادة كاهن كنيسة مار مرقس بمركز القوصية محافظة أسيوط، أوضح لرصيف22 أن الأفكار المغلوطة كثيرة. وقال: "أمشي في الطريق فأجد الصغار يحكَون رؤوسهم، كناية عن عدم نظافتنا، إذ يروج لفكرة أن الكهنة والقساوسة لا يستحمون، ونرتدي الزي الأسود حزناً على دخول الإسلام مصر!".

وقال القس بولس جورج، المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لرصيف22: "حين خرج سليم العوا واتهم الكنيسة بإخفاء أسلحة داخلها، صدّقه المسلمون، وحدثت حالة من الاحتقان بين الطرفين، وتم إحراق 75 كنيسة، فأدرك الجميع أنه لو كان بالكنيسة أسلحة لكان أولى بها الدفاع عن نفسها ومن فيها".

السادات والتهميش

ويرى القس جورج أن أبعاد تلك المشكلة كثيرة، أبرزها الإعلام، الذي يتعمد تهميش وإقصاء المسيحيين، وعدم الحديث عنهم بأي شكل، والمسؤولية في هذا تشترك فيها مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الثقافة، التي تنتهج المسار نفسه، فلا نرى برنامجاً واحداً أو فقرة حتى تتحدث عن التعاليم الدينية أو الآداب أو العادات المسيحية".

ويضيف: "الخطاب الديني الإسلامي يلعب دوراً في هذا أيضاً. فبعض المشايخ والعلماء المتعصبين يعمقون الفجوة وينشرون الأفكار المغلوطة. إضافة إلى الخطاب الأحادي الموجه للمسلمين فقط.

ويوضح الأب لوقا: "الرئيس السادات طرح نفسه على أنه رئيس مؤمن لدولة مؤمنة، وكان طمس الآخر، المسيحيين، أمراً ضرورياً لاستكمال تلك الفكرة. من هنا، بدأ الإعلام في التعتيم على ثقافة المسيحية وتعاليمها وعادات أبنائها. وبمرور الوقت ترسخت لدى المسلمين فكرة أن المسيحيين منغلقون، وبدأوا يتكهنون في معرفتهم عنهم، ويتخيلون ويتوهمون أجوبة على تساؤلاتهم".

وأضاف: "المسيحيون ليسوا منغلقين، بل فُرض عليهم ذلك. فليس من حقهم الحديث عن دينهم إلا نصف ساعة خلال إذاعة قداس الميلاد فقط. لدينا أكلات مصرية قبطية خالصة، وكلمات فرعونية، وطقوس وممارسات مصرية خالصة أيضاً لا نستطيع تعريف المجتمع بها. يمكننا القول اختصاراً إن التراث القبطي المصري تعرض للتحريف عمداً عن طريق الإعلام، الذي لا يعلي من شأن الإنسان".

دور الكنيسة

"الجهل وغياب الوعي والتهميش، أسباب أدت جميعها لتفاقم الأزمة وبالتالي فعلاجها يتطلب الشفافية والصراحة وتبادل الحوار بصدقية تامة بين الطرفين، ومنح الآخر - أي الطرف المسيحي - الفرصة للتعريف بعاداته وعباداته وثقافته".

وتابع "نحن كرجال دين نعلم أبناءنا الشباب تقبل تلقي تلك الأفكار والرد عليها بلباقة وأدب، وندرك جيداً أن تكرار تلك المواقف يشكل أزمة نفسية حقيقية لديهم وأحياناً ينعزل بعضهم عن غير عمد لتفادي تلك المواجهات، لكن الكنيسة دورها نشر المحبة والسلام، ويكمن دورها هنا في الرد والتوضيح لتلك الاعتقادات إذا ما سنحت لها الفرصة".

أما القس جورج فقال إنه لدى الكنيسة منبر إعلامي واحد هو المركز الإعلامي، تقدم من خلاله البيانات والتعليقات على المواقف والأحداث، لمنع اللغط. ونسعى لتصحيح تلك المفاهيم الخاطئة قدر الإمكان، لكن القصور في التغطية والممارسات لا يساعد على تصحيح تلك المفاهيم بشكل كامل".

وختم: "لدينا مؤسسات اجتماعية متكاملة، لكن الكنيسة تشجع أبناءها على الانخراط والمشاركة في المجتمع، ليتسنى لنا تحقيق مواطنة حقيقية".

سامية علام

محررة صحافية مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع

كلمات مفتاحية
رمضان 2016 مصر

التعليقات

المقال التالي