علمانية رجال الدين وثيوقراطية الفقراء

علمانية رجال الدين وثيوقراطية الفقراء

هل يؤمن كبار رجال الدين، مسلمين ومسيحيين، بأن علمانية الطب هي فقط لهم هم، في وقت يروّجون للفقراء طرقاً دينية للعلاج من جميع الأمراض، مثل قراءة آيات معيّنة من القرآن الكريم، أو الاسترشاد بها في تركيب أدوية، أو مثل أخذ بركة القساوسة والنذور والبكور والعشور؟

هذا السؤال لا نطرحه رغبةً في الصدام مع رجال الدين وأتباعهم ومؤيديهم. ولكن ثمة تناقضاً مثيراً للغرابة. ففي الوقت الذي تجد أن وسائل الإعلام تطالعك، خلال فترات متقاربة، بأخبار عن سفر كبار المشايخ والآباء والكهنة للعلاج في الخارج، يفوت على مؤيديهم، وخاصة الفقراء، أن هؤلاء هم أنفسهم الذين يتبنون نظريات العلاج بالروحانيات.

اعلان


وعلى أقل تقدير، يُروَّج لطرق العلاج الغريبة تحت سمع هؤلاء وبصرهم دون أن يكون لهم موقف واضح ينتصر للعلم والمنطق، العلم والمنطق نفسيهما اللذين يطبقونهما على أنفسهم لدى اللجوء إلى العلاج في الخارج أو في أفخم مستشفيات الداخل، عندما يصيبهم أذى أو مكروه.

تداووا بالقرآن... أنتم وحدكم

تنتشر ثقافة العلاج بالروحانيات بشدة في أوساط التيار السلفي. فمن الشيخ محمد حسان، القطب والرمز الأعظم للسلفية في مصر والعالم العربي والإسلامي، مروراً بالمحدث الكبير الشيخ أبي إسحق الحويني، إلى مشايخ وأئمة كثيرين لن يتسع المجال لذكرهم... كل هؤلاء ينصحون الفقراء بما لا يفعلونه.

محمد حسان

للشيخ محمد حسان منزلة كبيرة في سائر أرجاء الوطن العربي والإسلامي، إلى درجة تدفع الحشود إلى حمله بسيارته عندما يتوجه لإلقاء خطبة الجمعة، أو إلقاء درس ديني، أو حتى زيارة أي مكان داخل مصر وخارجها.

أقوال جاهزة

شارك غردهل الدين هو فقط للفقراء بينما يتنعّم رجال الدين بآخر منجزات العلم؟

شارك غرديقول عالم الدين للمؤمن البسيط: تعالج بالقرآن، ولكن حين يصيبه مرض ما يذهب إلى أفضل المستشفيات الحديثة

يحثّ حسان على الإيمان المطلق بالعلاج بالقرآن وبتناول الوصفات التي يستغربها عالم الطب. ففي إحدى نصائحه، قدّم وصفةً مثيرة لعلاج الأمراض بماء المطر واللبن والعسل، عن طريق وضعهم في إناء واحد وتناولهم معاً، وبرّر وصفته بالاستناد إلى الآية القرآنية "وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا" (سورة ق، الآية 9). وليس هذا فقط. فبمجرد بحث قليل عنه على يوتيوب، ستجد فيديوهات لا حصر لها تتحدث عن الأمر نفسه.والغريب أن الشيخ حسان نفسه تعرّض لوعكة صحية خطيرة ودخل على أثرها إلى المستشفى، بحسب ما نشرته جريدة اليوم السابع المصرية، في 21 أغسطس 2009، نقلاً عن مصدر في مستشفى دار الحكمة التخصصية الشهيرة. وروت أنه أصيب بـ"البكم المؤقت" نتيجة تناوله علاجاً خاطئاً، ما سبب تراكماً للفطريات على جهازه التنفسي، وأدّى إلي إصابته بالتهابات حادة في فمه منعته من الكلام وحتى من تناول الطعام.

كما خضع حسّان، بعد ذلك بأقل من عامين، لعملية جراحية في القلب، في مستشفى دار الفؤاد التخصصي الشهير. والمثير أن الشيخ حسان الذي خضع للعلاج في أهم المستشفيات الخاصة، له مقطع فيديو يشرح فيه كيف تُشفى من مرض القلب بدون جراحة، وذلك عبر روايته قصة رجل كان مصاباً بضيق في شرايين قلبه، واحتاج إلى جراحة عاجلة في لندن.ويقول حسان: ذهب الرجل وخضع لفحوص كاملة، واستأذن للعودة قبل إجراء التدخل الجراحي لإنجاز بعض المهمات والعودة سريعاً، لتَسُوقه المصادفة خلال رحلة عودته القصيرة إلى مصر. وبعد قصة مثيرة يتبرع لسيدة ترعى سبعة أيتام بكيلوغرامين من اللحوم أسبوعياً لمدة عام، لتخرّ السيدة على ركبتيها وتدعو الله لمنحه الصحة والعافية، ويعود الرجل إلى لندن، ويكتشف أن الشريان توسّع، ولا حاجة إلى التدخل الجراحي، وسط ذهول الطبيب الذي كان شغوفاً بمعرفة السبب وراء هذه المعجزة الطبية، فيرد الرجل: إنها المتاجرة مع الله".

وهنا يحق التساؤل: هل كان الرجل أكثر عبادة وتديناً وعلماً وإخلاصاً أو حتى عطاءً من الشيخ محمد حسان الذي يرعى مؤسسة خيرية تكفل الأيتام، وتتولى تجهيز العرائس، وتبني المنازل والمساجد، فضلاً عن كونه رجلاً وهب حياته كلها للدين، ولكن، برغم ذلك، تدهمه الأمراض والعلل؟ أم أن الأمر مسألة ربّانية لا يجوز التدخل فيها بما أنها استثناء يثبت الواقع ولا ينفيه؟

النتيجة أن حسّان يتعامل بعلمية مع مرضه ويتّبع منطق الطب الحديث، ويجري الفحوص في أفضل مستشفيات مصر والسعودية.

أبو اسحاق الحويني

ومن الشيخ محمد حسان إلى أبي إسحاق الحويني، عالم الحديث الكبير الذي يحتل أيضاً مكانة كبيرة لدى السلفيين، وربما لدى عموم المسلمين، والذي نطالع بين الحين والآخر أخباراً عن تنقّله بين مستشفيات مصر وقطر، للعلاج من أمراض عدة. هذا الشيخ أيضاً تنتشر له خطب وأحاديث يتحدث فيها عن العلاج بالقرآن.

ويتناول الحويني مسائل لها علاقة بعلم النفس فيؤكد في إحدى خطبه أن هذا العلم بكل مشتملاته تحويه نصف أيه قرآنية وهي "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (سورة الرعد، الآية 28) اختصر الشيخ الجليل ما يقرب من 37 تخصصاً أو أكثر من تخصصات علم النفس وعشرات الآلاف من الأبحاث والكتب في نصف آية.

كما يرى الشيخ أن الوسواس القهري يهجم على القلب، لافتاً إلى أن علاج الإنسان الوحيد هو في ترك وساوسه خلف ظهره، مختصراً المرض في "العقيدة" وفي التشكيك في الله ورسوله، مع أن الاهتمام غير الطبيعي بفكرة الحلال والحرام هو أحد أعراض الوسواس القهري.

العوام يلاحقون المعجزات

لا يختلف الأمر كثيراً مع رجال الدين المسيحيين. ربما مكمن الاختلاف الوحيد هو في مرجعية الأساقفة والأديرة والمطارنة، سواءً على الصعيد اللاهوتي أو الرعوي أو الاجتماعي، إلى المجلس الملي العام الذي يترأسه البابا. وهذا يعني أن كل التصرفات التي تحدث في الأديرة والكنائس محاط بها علماً، وتجري برعاية رجال الدين المسيحيين في مصر.

رحلات العلاج الخارجية للبابا شنودة الثالث، بابا الكنيسة الأرثوذكسية الراحل وبطريرك الكنسية المرقسية، ولخليفته البابا تواضروس، ومطران البحيرة ومطروح وتوابعها الأنبا باخوميوس، وغيرهم، تؤكد خضوع رجال الكنيسة الكبار لعلوم الطب، وإيمانهم بكل تفاصيله والمستجدات فيه.

ولكننا نجد أن جمهور العوام من المسيحيين، وخاصة الفقراء، لا يزال غارقاً في عالم المعجزات، وأساطير الشفاء بالبركة، والبكور والنذور والعشور، لتحقيق الأماني المختلفة.

ويلجأ الكثيرون من مسيحيي مصر إلى طلب الشفاء من الأمراض المستعصية بشرب ماء ممزوج بـ"رمل قبر" القديس يسي المدفون في دير يسي الواقع في طما، في محافظة سوهاج، في صعيد مصر.وبحسب رواية أحد الأشخاص، الذي يعرّف عن نفسه كطبيب، أنّه كان يعاني من "شرخ شرجي"، وتناول مختلف أنواع العلاج، ولكنّها لم تأتِ بنتيجة، فاتّجه إلى قبر "القديس يسي"، وحصل على "رمل" من قبره، وراح يتناوله يومياً مع كوب ماء لمدة أسبوع، فحدثت المعجزة، إذ بانتهاء الأسبوع كان المريض "الدكتور" قد شفي تماماً.

ويبقى السؤال الذي لن تجد له إجابة: إذا كان كبار رجال الدين يؤمنون بالطب وعلومه، ويتلقّون العلاج في أفخم الغرف والأجنحة في المستشفيات، في الداخل والخارج، فلماذا إذن يتمسك العوام والبسطاء من أتباعهم ومريديهم بعالم المعجزات؟ ولماذا يتركهم المشايخ والآباء والقساوسة أسرى لاعتقادات تُغيّب العقل والمنطق؟

كلمات مفتاحية
رجال الدين

التعليقات

المقال التالي