هل فعلاً تجريم الإجهاض هو الحلّ؟

هل فعلاً تجريم الإجهاض هو الحلّ؟

انخفضت نسب الإجهاض في دول العالم المتقدم إلى نحو 19 درجة أي من 46% إلى 27%. أمّا في البلدان النامية، فالأرقام بقيت على حالها. هذه نتائج أحدث دراسة نشرتها المجلة الطبية البريطانية The Lancet في مايو 2016، وقاربت بها موضوع الإجهاض في عدد كبير من الدول بين عامي 1990 و2014، واستنتجت أن نسب الإجهاض في العالم النامي لم تتأثر بالعقوبات المتشددة، ولا الضغوط الاجتماعية. فلجأت النساء إلى الإجهاض غير الآمن أو السري، ما بات يشكل تحدياً على مستوى الصحة العامة في الشرق الأوسط. فـ11% من نسبة وفيات الأمهات في العالم العربي، تعود أسبابها لمضاعفات الإجهاض السري غير الآمن، وغياب الرعاية الصحية اللازمة بعد إنهاء الحمل.

الإجهاض السري: بين الجهل والتشدد

بحسب منظمة الصحة العالمية، 22 مليون حالة إجهاض غير آمن تسجل سنوياً حول العالم، معظمها في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فالغالبية العظمى من النساء في هذه المنطقة يواجهن معوقات قانونية ضد الإجهاض. تعيش 80% منهن في بلدان تقيد الإجهاض، و55% منهن يعشن في بلدان يحظر فيها الإجهاض، إلا لإنقاذ حياة الأم كما يجري في مصر، إيران، العراق، لبنان، ليبيا، عمان، سوريا، الإمارات، اليمن وفلسطين المحتلة. 24% منهن يعشن في بلدان يسمح فيها بالإجهاض فقط للحفاظ على الصحة البدنية للمرأة مثل الجزائر، البحرين، الأردن، الكويت، المغرب، قطر، والسعودية. و20% يعشن في تركيا وتونس، الدولتين الوحيدتين اللتين يسمح فيهما بإجراء الإجهاض بشكل قانوني، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، بناءً على طلب السيدة. وذلك أدى، ليس فقط إلى جعله أكثر أمناً، بل إلى انخفاض نسبة الإجهاض نتيجة تطور برامج تنظيم الأسرة والتوعية الجنسية، واستخدام وسائل منع الحمل.

أقوال جاهزة

شارك غرد5 ملايين امرأة يدخلن المستشفى كل عام نتيجة أعراض الإجهاض غير الآمن

شارك غردإسقاط الطفل عضوياً لا يعني إسقاطه من خيال المرأة وذهنها، فتبقى صورته تطاردها حتى أنها تستمر في أعراض " الحمل الوهمي "

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التكاليف السنوية الناجمة عن علاج المضاعفات الرئيسية التي يسببها الإجهاض غير الآمن تبلغ 680 مليون دولار نتيجة ما تخلفه هذه الوسيلة من أضرارٍ صحية. ولعل ذلك يترافق مع الجهل التام في مسائل الجنس، الذي يبقي المرأة رهينة معتقدات خاطئة، تجعلها تفقد السيطرة على صحتها ولا تلجأ للبحث عن السبل الأفضل للحماية وأخذ الحيطة والحذر.

في معظم الدول العربية، يجرى الإجهاض السري في ظروف طبية غير آمنة وغير صحية في غرف غير معقمة، وغير مجهزة بأنانيب الأوكسيجين أو بأي إسعافات أولية. وذلك يتسبب بموت المرأة في حال تعرضها للنزف. ويحصل ذلك في حال كان الإجهاض طبياً، يجريه أطباء ليسوا بالضرورة متخصصين بالتوليد. أو من قبل أشخاص يفتقرون إلى المهارات اللازمة، من ممرضات وقابلات وحتى مشعوذين، ويكون الثمن غير مرتفع. أو عن طريق تناول بعض الأدوية، مثل الميفيبريستون والميسوبروستول المعروف بـCytotec. هذه الأدوية تدخل عبر التهريب، وتخضع لشركات مافيا الدواء، إذ يصل سعر العلبة إلى 400$ نظراً لعدم توفره في الدول العربية.

وينص قانون بعض الدول العربية على مواد تقوم بتجريم الإجهاض، ومعاقبة كل من الطبيب والمرأة، التي طلبت إجراء العملية. في مصر، تصل عقوبة الإجهاض إلى الحبس المشدد لمدة عامين، وتتدرج حسب آليات الإجهاض وعمر الحمل. في المغرب، تراوح العقوبة من 6 أشهر إلى سنتي سجن. في السعودية يطبق حكم الدية والكفارة على كل من قام بالإجهاض. وفي لبنان تصل العقوبة إلى الحبس 3 سنوات.

لم تلحظ تلك الدول أسباباً أخرى يمكن أن تحول دون الإبقاء على الجنين، كحالات الاغتصاب، زنى المحارم، الفتيات القاصرات، النساء المسنات، الأمراض العقلية، تشوهات الجنين، الحمل غير المرغوب به، العلاقة خارج إطار الزواج، والحالات الاجتماعية المأسوية.

أمّا عن الأسباب التي تدفع المرأة إلى اللجوء إلى الإجهاض السري، فتأتي من الخوف من عواقب الإبقاء على الطفل، في حال كان الحمل خارج إطار الزواج، إذ تبيح بعض المجتمعات قتلها صوناً للشرف، أو نتيجة الخوف من الأعباء الاجتماعية والمادية المترتبة على الأم.

تعديل قانون تجريم الإجهاض في المغرب

يقول د. شفيق شرايبي، رئيس الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري، إن الإجهاض السري يشكل أزمة تهدد المجتمع المغربي، إذ تتم يومياً من 600 إلى 800 حالة إجهاض في ظروف طبية سيئة تؤدي إلى الموت في أحيان كثيرة. وكانت الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري أول من أطلق حملة للتوعية ضد الإجهاض السري في المغرب، وعملت إلى جانب جمعيات أخرى على حماية المرأة من خلال تحديث القوانين، لتلحظ حالات الاغتصاب وزنى المحارم وتشوّهات الجنين، وحال الأم النفسي والاجتماعي أيضاً، فتحفز بذلك الإجهاض العلني الذي يجرى في ظروف طبية ملائمة تحت إشراف أطباء متخصصين ويحافظ بذلك على صحة المرأة.

ولكن الصحة النفسية التي لحظها مشروع القانون المغربي، ما زالت منسية حتى اليوم في بقية الدول العربية لاعتبارها غير مهمة.

"اضطراب ما بعد الإجهاض"

"لو كانت الظروف مختلفة، لما أجهضت. لكنني لا أريد لطفلي أن يصنف ابن حرام"، تقول سارة، 36 عاماً، التي تعاني من اكتئاب حاد وخوف من المستقبل. إضافة إلى مشاكل في النوم، بسبب شعورها بالذنب، لأنها حملت من رجل ليس زوجها. رغم أنها شعرت براحة فورية حين أسقطت طفلها، عن طريق ممرضة في شقتها الخاصة، لكنها بدأت تشعر بالندم وبعدم ثقتها بمحيطها، ما ساهم في تدهور صحتها النفسية والجسدية، ودخولها المستشفى. سارة واحدة من 5 ملايين امرأة يدخلن المستشفى سنوياً نتيجة الإجهاض غير الآمن، مثل النزيف المهبلي، وألم في البطن، والإصابة بالعدوى نتيجة ضعف جهاز المناعة، وتضرر الجهاز التناسلي وأعضاء الجسم الباطنية.

أما الآثار النفسية فهي الندم والشعور بالذنب والوحدة، واهتزاز صورة الذات التي يمكن أن يؤدي إلى الانتحار. يذكر علم النفس التحليلي أن إسقاط الطفل عضوياً لا يعني إسقاطه من خيال المرأة وذهنها، فتبقى صورته تطاردها. حتى أنها تستمر في أعراض "الحمل الوهمي" الذي يترجم رفض المرأة في اللا وعي لإجهاض طفلها.

التوعية الجنسية لن تفسد مجتمعاً

حان الوقت لكسر الخوف والمحظور من أجل المساهمة في إنقاذ حياة الملايين من النساء العربيات من خلال برامج توعية جنسية، تبدأ بالمدرسة والجامعة، وصولاً إلى العائلة والمجتمع، تحفز المرأة والرجل على إقامة علاقة جنسية سليمة. كما لا بد من التوعية حول أهمية استخدام وسائل الوقاية مثل الواقي الذكري للحد من الحمل غير المرغوب، ليصبح الحمل مشروعاً واعياً نتيجة قرارٍ مسبق، لا ورطة يجب التخلي عنها. ولعل أبرز العوامل التي تقف عائقاً أمام الأمر، الخوف من أن يؤدي الوعي الجنسي إلى "إفساد المجتمع" وتشريع العلاقات "غير الشرعية". لكن الواقع يأتي بخلاف هذه المعتقدات، إذ ما يمنع في العلن يحدث في السر، والمحظورات الاجتماعية التي لا تأخذ في الإعتبار الظروف النفسية والاجتماعية المحيطة بكل شخص تدفع الناس إلى التطرف واللجوء إلى وسائل غير آمنة وغير سليمة، فتتفاقم المشكلة، ويكبر عدد الضحايا.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي