مصر التي تعرّت وليست سيدة المنيا المسنة!

مصر التي تعرّت وليست سيدة المنيا المسنة!

في حادث اعتداء طائفي، قام بعض سكان قرية "الكرم" بمركز أبوقرقاص بالمنيا بتجريد سيدة مسنة في السبعين من عمرها من ملابسها تماماً وزفها عارية في شوارع القرية لإذلالها وإهانتها.

بدأت الحادثة بشائعة تشير إلى وجود علاقة بين شاب مسيحي وسيدة مسلمة متزوجة من صديق له. سيناريو يتكرر كل عدة شهور في قرى مصر. وفي دراسة أعدها الباحث إسحاق إبراهيم عن الاعتداءات الطائفية بعد ثورة يناير، رصدت عشرات الاعتداءات الطائفية السنوية المشابهة ضد الأقباط.

عادة تبدأ الأزمة بإشاعة خبر عن علاقة عاطفية أو جنسية بين رجل مسيحي وامرأة مسلمة، وتنتهي بعقاب جماعي من مسلمي القرية لمسيحييها. فيقوم المعتدون بحرق ونهب بيوت ومحالّ الأقباط، والاعتداء عليهم وربما قتل بعضهم. في حين تتحرك الشرطة ببطء شديد، رغم العلم المسبق بنية الاعتداء، في تواطؤ مفضوح لتمكين المعتدين من القيام باعتدائهم.

سيناريو مكرر

أصبح هذا الأمر مكرراً، ويتبعه إفلات للجناة من العقاب، ثم جلسات صلح يحضرها رجال الدين من الطرفين، ليقبلوا بعضهم بعضاً في مشهد عبثي أمام الكاميرات. وينتج عنها إجبار الأقباط على قبول الصلح بشروط مهينة.

كلاكيت للمرة الألف

بدأت الشائعة عندما أتهم الزوج نظير إسحاق أحمد زوجته، بأنها على علاقة عاطفية بصديقه أشرف عبده. ثم تطور الأمر سريعاً إلى التهديد بإيذاء أشرف وبناته الأربع الصغيرات.

خاف الرجل على حياته وحياة بناته، فهرب من القرية هو وأسرته. وبالرغم من نفي الزوجة لوجود أي علاقة بينهما، وتحريرها لبلاغ رسمي ضد زوجها تتهمه بالتشهير بها، لم يغير ذلك شيئاً. فنحن نحيا على فوهة بركان من الطائفية والكره، بركان لا يحتاج إلى أكثر من شائعة لينفجر في وجوهنا جميعاً ويحرق كل من يقف في طريقه.

الشرطة تتواطأ مع المعتدين

نظراً لأن السيناريو مكرر ومتوقع، قامت أسرة الشاب أشرف عبده بتحرير بلاغ في قسم شرطة أبو قرقاص في 19 مايو، بعد أن وزّع بعض الغاضبين منشورات على أهالي القرية تطالبهم بالثأر من الأقباط بعد صلاة يوم الجمعة 20 مايو. طلبوا في البلاغ حماية الشرطة من اعتداء محتمل وشبه مؤكد. لكن كالعادة، استهترت الشرطة بالبلاغ. وبالرغم من تحذيرات كاهن القرية، القس بولا، وبعض القيادات الكنسية المتكررة للشرطة ومطالبتهم بالتحرك لحماية الأقباط، لم تحرك الشرطة ساكناً.

عقاب جماعي للأقباط وليس فقط المتهم

انتهت صلاة الجمعة وتخيل الأقباط أن الأمر سيمر بسلام. لكن في الثامنة مساءً، تحرك نحو 300 من سكان القرية الغاضبين، حاملين الأسلحة النارية وبنادق الخرطوش، وبعض الأسلحة البيضاء وهاجموا بيوت مسيحيي القرية لا فقط بيت أشرف عبده. حرقوا ونهبوا البيوت ومحالّ الأقباط. ثم ذهبوا إلى والدة أشرف المسنة (70 عاماً)، جردوها تماماً من ملابسها بما فيها الملابس الداخلية، ولم يشفع لها صراخها وبكاؤها وسنها! ثم زفوها في القرية لإذلالها وإذلال الأقباط عموماً، وهم يصرخون الله أكبر!

والحقيقة أن مصر كلها تعرت في هذا اليوم، لا هذه السيدة المسنة فقط. فقد تعرت طائفيتنا وكرهنا. كل الكلام عن الوحدة الوطنية والتسامح الديني يختفي فجأةً لتحل محله أفكار داعش بكل قبحها وهمجيتها. وتعرت أيضاً الشرطة المصرية التي تتعامل بطائفية وانتقائية في القيام بدورها في حماية المواطنين.

مصر دولة أم لا دولة

في أحد خطاباته قال السيسي عن مصر إنها شبه دولة وليست دولة. وللأسف، يبدو أنه على صواب. فالشرطة التي تم تبليغها بنية الجريمة وبتوزيع المنشورات، لم تتحرك. ولم تتخذ أي تدابير وقائية لمنع الجريمة. ولم تصل إلا بعد ساعتين كاملتين كانتا كفيلتين بحرق ونهب خمسة منازل، وتقدر قيمة الخسائر بنحو 350 ألف جنيه.

هل تواطأت الحكومة أيضاً؟

انقطعت المياه عن القرية قبل الحادث، بحسب رواية أحد الضحايا بعد حرق منزله، وعندما حاول الأهالي إطفاء النيران فشلوا بسبب عدم وجود مياه في بيوتهم. هل كان هناك تنسيق بين المعتدين وبعض المسؤولين عن خطوط المياه لإتمام الأمر على هذا النحو؟ أو هي مجرد صدفة؟ ولماذا لم تتحرك الشرطة رغم العلم المسبق بالجريمة لمنع وقوعها؟ ولماذا وصلت بعد ساعتين رغم إبلاغها على الفور؟ ولماذا لم يتم القبض على المعتدين حتى هذه اللحظة؟ تم القبض على بعض ممن تجمهروا، لكن من قادوا عمليات الاعتداء والحرق والنهب ما زالوا أحراراً.

محافظ المنيا: "بلاش نكبر الحكاية"

اللواء طارق نصر محافظ المنيا قال: "قضية السيدة التي جردت من ملابسها في المنيا… أمر بسيط وبلاش نكبره". كيف يكون إذلال امرأة طاعنة في السن بهذا الشكل الوحشي أمراً بسيطاً؟ في أي دولة تحترم مواطنيها، تكون إقالة هذا المحافظ ومدير الأمن أقل ما يمكن فعله. إذ فشلوا في حماية بيوت مواطنين مصريين استنجدوا بالدولة في مواجهة هذه الاعتداءات.

هل نعيش في دولة يحكمها القانون أم في قبيلة يحكمها العرف؟ وهل المواطنون متساوون أمام القانون، أم أن القانون يطبق بشكل انتقائي بحسب ديانة المعتدي والمعتدى عليه؟ وهل انتهاك حرمة عورة أمرأة مسنة ممكن أن يدفع الدولة للتعامل بطريقة مختلفة هذه المرة، لتحاكم الجناة الحقيقيين؟ أو سيمر الأمر مثل المرات السابقة التي يتم فيها تغييب دور القانون لمصلحة الجلسات العرفية؟

ماهر جبره

كاتب ومتكلم حر، متخصص في الشئون العربية. له مقالات في العديد من المواقع العربية والأمريكية. حاصل علي ماجستير علم النفس المجتمعي من جامعة "بوسطن كوليدج" بالولايات المتحدة. زميل الفولبرايت وزميل برنامج الديموقراطية لمعهد شئون العالم بالعاصمة الأمريكية واشنطن.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي