ماذا حصل مع اللاجئين الـ12 الذين أنقذهم البابا؟

ماذا حصل مع اللاجئين الـ12 الذين أنقذهم البابا؟

مرّ شهر على تلك "المعجزة" التي حصلت مع 12 سورياً كانوا قد لجأوا إلى جزيرة ليسبوس اليونانية. ثلاث عائلات من دمشق ودير الزور، الواقعة تحت سيطرة "داعش"، كانوا يعيشون في ظروف مأسوية وبعضهم محتجز. وقد أعلن البابا فرنسيس الأول من الجزيرة في أبريل الماضي أن "المهاجرين قبل أن يكونوا أعداداً، هم أشخاص لهم وجوه وأسماء وقصص". وهكذا حملت طائرة الفاتيكان 12 اسماً ووجهاً وقصة إلى روما ليبدأوا تجربة جديدة وصفوها بـ"المعجزة".

تفادياً للمبالغة في قصص مماثلة، فإن أحداثاً كهذه وإن شغلت الإعلام على حساب ملايين لا يزالون يعيشون أسوأ ما يمكن لإنسان أن يعيش، إلا أن الإضاءة على ما يمكن أن تغيره مبادرة بسيطة في حياة بعض الأشخاص، يترك مشاعر طيبة. وفي النهاية تغيير حياة 12 شخصاً ليس بسيطاً.

بعد شهر، زارت صحيفة "الغارديان" بعضاً منهم، وأضاءت على تفاصيل حياتهم اليومية. تفاصيل تبدو لافتة، لأنها تعرض قصص هؤلاء الأشخاص وحتى صعوباتهم بعدما تمّ إنقاذهم، خارج السياق المألوف للمتابعات الإعلامية التي تنحصر بالإضاءة على المشكلة أو لحظة إعلان حلّها، ثم يختفي المعنيون كأنهم لم يكونوا.

رامي الشكارجي وزوجته وأطفالهما الثلاثة كانوا من بين هؤلاء. "الشعور بالأمان" هو أحلى ما حصل لهم بعد خمس سنوات من الحرب والتهجير. هكذا يبدأ رامي كلامه. لكنه يتذكر ما حصل في مطار اليونان عند المغادرة، كان ذلك آخر صدمة حقيقية يعيشها. في المطار سادت حالة من الهرج عندما وضعوا أغراضهم على آلة التفتيش الأمني، وعلا الصراخ ليتبيّن لاحقاً أن ما بالداخل هو آلة صنع الفلافل التي حملتها زوجته معها من دير الزور. رفضت الشرطة اليونانية السماح لهم بحملها إلى الطائرة، لكنها كانت طائرة الفاتيكان، ومرافقو البابا لم يمانعوا السفر مع آلة صنع فلافل.

وهكذا يقول رامي "شهدنا صراعاً بين آل باتشينو وروبرت دي نيرو، بين اليونانيين والإيطاليين، كان محورها آلة الفلافل". زوجته سهيلة كانت متعلقة بالآلة، لا لقيمتها المادية، بل لما تختزنه من مشاعر لشخص اضطر لترك عالمه الصغير خلفه، وأراد له تذكاراً منه. تذكار يختزن بدوره معاني كثيرة. وفي مطار روما أثيرت أزمة أخرى حول "معادن" سهيلة. هنا تروي العائلة يومياتها في البلاد، يوميات تختصر تفاعل كثير من اللاجئين مع بيئة جديدة. في هذه اليوميات مشاكل كثيرة، لكن ذلك كله لا يُحتسب أمام "عدم سماع صوت الحرب تمزق أسماع الأطفال الثلاثة"، و"أمام انتظار الموت في كل دقيقة".

لم يقض اللاجئون أي لحظة في الفاتيكان كما جرى التداول، بل نُقلوا إلى جانب كنيسة "سانت إيجيديو"، التي تأسست في العام 1982 ومرّ عليها أكثر من 60 ألف لاجئ، وهناك توجد مدرسة يتعلم فيها الوافدون اللغة الإيطالية، ويعيشون في ملجأ تديره الكنيسة يبعد بضعة شوارع عنها. استطاع هؤلاء أن يجدوا السعادة في تفاصيل صغيرة. تقول سهيلة "نأكل طعاماً شرقياً مثل الباذنجان، ووجدنا المسجد ونصلي أحياناً في المنزل، ونأخذ الأولاد إلى المدرسة يومياً، والطقس هنا شبيه بالطقس في بلادنا، وابنتنا قدس ترقص حولنا واستطاعت أن تنسج صداقة مع ابنة مدرسة اللغة"، معلقةً "باختصار، شعرنا أن الحياة بدأت تبتسم مرة أخرى".

نور عيسى وزوجها حسن زهيدة كانا أيضاً ممن حصلت معهم "العجيبة". يعيشان أيضاً في غرفة في القصر المخصص للإيواء في ميدان سانتا ماريا السياحي، يطلان من شباكهما على آلاف السياح الذين يتوافدون إلى الساحة، ينظران إلى شلال المياه الذي يتوسطها، ويستمعان إلى الموسيقيين يعزفون مقطوعاتهم هناك. لكن كل ما يريانه، كما تقول نور، هو "مشاهد لسوريا قبل الحرب". الروائح تتشابه في أنف حسن، ربما هي رائحة الياسمين نفسه الذي يزين جدران ذلك الجزء من روما، أو ربما لأن كنيسة "سانت إيجيديو" تذكره بتلك الكنيسة في باب توما. وتضيف نور "هي مدينة تملؤها الحياة، كما كانت دمشق قبلاً".

لكن عندما يخرجون من "قصرهم" فإن اختلاف الثقافات يبدو جلياً لديهم، لكن ليس ذلك ما يربكهم فحسب، بل ابنهم رياض الذي يضطرون إلى تربيته في منزل مشترك مع آخرين. تقول نور إن "السيطرة عليه لا تعود ممكنة، لوجوده مع أطفال آخرين في المكان نفسه، كل الوقت". أما المطبخ والحمامات فيتشاركونها مع اللاجئين الآخرين، ومع إيطاليين كذلك من ذوي الحاجة. نور وحسن لم يحملا شيئاً من سوريا، هربا على عجل في رحلة كلفتهما 3 آلاف دولار.

تعلّق صحيفة "الغارديان" بأن البعض يظن أن حياة هؤلاء تغيرت تماماً، لكن بالتأكيد لم يحصل ذلك. هؤلاء بدأوا الآن ببنائها، قطعة قطعة. يبدأ ذلك من أبسط المقتنيات التي ينبغي شراؤها من جديد، وربما الوصول في وقت ما إلى شراء "لابتوب". أما الأشياء الأخرى الأكبر والأهم ، فهم لا يجرؤون على التفكير فيها الآن. نور كانت طالبة أحياء في سوريا، وحسن كان مهندساً. اليوم تغير كل شيء، وهما يأملان أن ينطلقا مهنياً من جديد. أمل يبدو صعباً في بلد كإيطاليا يشهد أزمة اقتصادية وارتفاعاً في منسوب البطالة.

مصير "ضيوف البابا" كما أسماهم مدير الدير غير معروف مستقبلاً. لا يعرف أحد من اللاجئين السوريين إذا ما كان سيتسلم شقة خاصة أم لا، فقد طُلب من مسؤولي كنيسة "سانت إيجيديو" استقبال اللاجئين، ولكن حتى المسؤولون أنفسهم لا يعرفون إذا ما كانت تلك العائلات السورية سوف يتم استضافتها داخل الفاتيكان أو خارج أسواره أو في مكان آخر، فالفاتيكان يُوفّر الآن لتلك العائلات مصاريف الحياة الضرورية فقط والتي غالبًا ما تكون 30 يورو يوميًا.

تقول نور إنها لم تر البابا منذ رحلوا من اليونان، لكنها تود ذلك لشكره على ما فعل. تقول إنها شكرته مراراً أثناء الرحلة، وإنه ابتسم وبارك ابنها. "لقد كان رجلاً لطيفاً للغاية"، تتذكر نور مضيفة أن أحد الصحافيين في الطائرة سأله "لماذا أنقذت عائلات مسلمة؟"، وكان جواب البابا "إنهم بشر. كانوا يعانون ولا بدّ من إنقاذهم". وتتذكر أيضاً كيف كانوا يعيشون في سوريا بأمان وانفتاح تحت معتقدات مختلفة.

تعلّق نور بالقول إن البابا مسلم أكثر من كل الزعماء العرب، وتصف ما فعله بـ"المعجزة"، التي تشبه معجزة الله عندما أرسل عنكبوتاً على باب الغار حيث كان يختبئ النبي محمد وصديقه أبو بكر من المشركين. تقول متأثرة "لقد جعل البابا إيماني بالله أقوى، وبأنه سيكون معي في كل مكان. ربما لن تحصل على ما تريده سريعاً لكنه سيحمل لك شيئاً جميلاً عندما يحين الوقت".

وبانتظار معجزة الله، يحفظ رامي وسهيلة آلة صنع الفلافل بأمان. التحديات في روما كثيرة، لا سيما أن البلد غير هادئ تماماً وغير ميسور، والحنين إلى العائلة والأصدقاء في سوريا والحزن على من يقتل منهم ينغصان عليهما الحياة. لكن الأمل بالحصول على شقة خاصة يوماً ما لا يفارقهما، "حينذاك يمكن أن نصنع ما شئنا من الفلافل".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي