"القط والفأر" وقصص حب المصريين

"القط والفأر" وقصص حب المصريين

عام 1962 قدم المخرج فطين عبد الوهاب فيلم "آه من حوا"، وهو، وإن كان مقتبساً عن رواية "ترويض الشرسة" لويليام شيكسبير، وافق هوى المجتمع المصري. فعلاقات حب عدة كانت تبدأ بـ"خناقة"، وتستمر بما يشبه "علاقة القط والفأر"، حتى يستسلم الطرفان أو أحدهما. وهو ما حدث في الفيلم الذي استمر فيه الشجار بين البطلين رشدي أباظة ولبنى عبد العزيز، حتى خضعت البطلة وأعلنت حبها للبطل في المشهد الختامي.


موروت ثقافي

"عيني فيه وأقول إخيه"، "يتمنعن وهن راغبات"، "ما محبة إلا بعد عداوة"، "لا بحبه ولا بقدر على بعده". هكذا نشأنا في مصر، ولأن الموروث الثقافي يعلي احتمالات التقارب والمودة بعد "الخناق"، نجد علاقات حب وارتباط عدة نشأت هكذا. فلماذا تتحول هذه العلاقات؟ وما مدى انتشارها وقدرتها على الاستمرار؟

قصص حية

يقول رامي عبد الحميد (26 عاماً)، وهو محاسب: "تقدمت لخطبة ابنة عمي، رفضت وانتهى الأمر بالنسبة إلي، لكن لأننا صعايدة اقترحوا عليّ خطبة أختها. لم أكن أطيقها وهي كذلك، بعد شد وجذب تمت الخطبة، وكان بيننا خناق دائم، لكن بعد فترة قصيرة تحول الشجار إلى حب وتعلق، سنتزوج بعد أشهر وأنا سعيد بذلك".

أقوال جاهزة

شارك غرد"عيني فيه وأقول إخيه"، "لا بحبه ولا بقدر على بعده"، نجد علاقات حب عدة نشأت هكذا، ولكن ما مدى قدرتها على الاستمرار؟


هالة أحمد (35 عاماً)، وهي مهندسة: "التقينا في مطار لوس أنجلوس أول مرة. كنت أشتم المجلس العسكري، كانت ثورة يناير حديثة العهد، وكنت أنتمي لحركة 6 أبريل، وقف يجادلني طويلاً ويدافع عن طنطاوي، عاملته بكل وقاحة واحتقار. وحين قال لي إنه عقيد في الجيش المصري، أيقنت أنني سأعتقل لا محالة. لكن إعجابه بي أنقذني، على كلٍ هو زوجي وحبيبي منذ 3 سنوات، ومبقتش أجيب سيرة الجيش".

مؤشر صحي

يقول جون جوتمان، مؤلف "المبادىء السبعة لإنجاح الزواج"، وأستاذ الطب النفسي في جامعة واشنطن، في مقال مشترك له مع نان سيلفر: "في محاولتي للبحث عن أسباب تأزم الزواج، وجدت أن الكثير من الحكم التقليدية، حتى التي يقدمها الخبراء والمعالجون، مضللة وخاطئة. مثل اعتبار عدم وجود خلافات بين الزوجين، أو تجنب المشكلات، علامة على نجاح الزواج. لكنني أعتقد أن المشكلات والصراع عندما يتم مناقشة أسبابها وحلها بالتفاهم، يكون ذلك من أصح الأشياء التي يفعلها الزوجان لتمتين علاقتهما".

ويضيف: "إذا كان هناك درس واحد تعلمته من سنوات البحث في العلاقات الزوجية، فهو أن استمرار العلاقة يتوقف على قدرة الشريكين على حل النزاعات والخلافات، التي لا مفر منها في أي علاقة إنسانية". ويوضح: "على الرغم من أن الكثيرين يقبلون بمستويات أقل من الصراع والسعادة في الوقت نفسه، ويعتبرون عدم التشاجر مقياساً للسعادة، أظن أن علاقاتنا تنمو من خلال التوفيق بين خلافاتنا".

وتقول بسمة محمود، الباحثة في علم النفس: "في هذا النمط من العلاقات يكون كل طرف قد رأى الآخر في أسوأ حالاته، وفي حال تحول العلاقة إلى صداقة أو ارتباط عاطفي، يكون القرار حقيقياً وفرص الاستمرار كبيرة".

وتضيف: "ليس حقيقياً أن الانطباع الأول يدوم، فنفسياً كل منا يكون لديه رأي مسبق عن الآخر من دون تواصل فعلي معه، وحين يحدث الصدام ويفرغ كل طرف  غضبه، يبدآن في التفاهم وإدراك الجوانب الجيدة لدى كل منهما، فيحدث الانسجام. وألاحظ انتشار هذه  العلاقات نتيجة ظروف مجتمعنا الراهنة بسبب اختلاف التوجهات السياسية والثقافية والاجتماعية".

علاقات طبيعية

ترى هدى زكريا، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الزقازيق، أن تلك العلاقات طبيعية، ولها نفس فرص استمرارية أي نمط آخر من العلاقات. ففي الموروث الاجتماعي تعلمنا أنه "ليس هنالك محبة إلا بعد عداوة"، وهذا دليل كافٍ على انتشار تلك العلاقات، خصوصاً في المجتمعات التي تتسم بالعصبية أو الحساسية.

بينما تقول داليا الشيمي، دكتورة في علم النفس وخبيرة في الإرشاد الأسري والعلاقات الزوجية، لرصيف22 إنه لا يوجد في عقل الشاب أو الفتاة ما يقول إننا إذا اختلفنا، فسيكون التقارب وشيكاً لا محالة. وإن كان الموروث الاجتماعي يروج لذلك. وتضيف: "بالعكس، أنا لا أحبذ تلك العلاقات ولا أنصح بها، وأرى أنها سريعة الفتور واحتمالات فشلها عالية". وتوضح: "عندما يقابل الشاب فتاة عنيدة أو شرسة، أو العكس، فإن الأمر يتحول معه إلى تحدٍ، فيرغب في كسب حبها لاستعراض القوى وإثبات قدرته على تحطيم أي عقبة، والفوز بأي فتاة. وكلما زادت الصعوبة تحمس أكثر، لكن هذا ليس نمط العلاقات الصحيحة التي تؤدي لارتباط  يحقق نجاحاً واستمرارية".

وتوضح الشيمي: "الزواج حالة من الاستقرار الوجداني والاجتماعي والإنساني، وهو ما يجب أن يدركه كل طرفين مقبلين على الارتباط. فالفرق بين ما تريده المرأة وما يريده الرجل، هو أن المرأة تبحث عن الحب، بينما يبحث الرجل عن حرب تثيره وتدفع حياته للأمام. هكذا تتولد المشكلات وتفتر العلاقات وربما تصل للنهاية، بسبب تبادل الأدوار وعدم تفهم الطرفين".

تغير الظروف والمعايير

وتقول الشيمي: "أعتقد أننا نعود لستينات القرن الماضي في العلاقات الاجتماعية، لأن غالبية الحالات التي تمر بي هي لشباب تزوجوا زواج صالونات عن طريق الأصدقاء والأقارب. والشاب يفصل بين من يريد أن يحبها، ومن يريد أن يتزوجها. ونتيجة لصعوبات الحياة يبحث عن الفتاة المطيعة والمريحة في الطباع والمتطلبات". وتضيف: "لم تعد الفتاة العنيدة والجامحة والحالمة مرغوبة، ولم يعد هناك شاب يمكن أن يتعلم اليوغا ليعجب فتاة مثلاً. والعكس صحيح، فالفتاة ترغب بشاب مستقر مادياً واجتماعياً".

وتختم: "تلك العلاقات كانت مناسبة في الماضي، لكنها لم تعد تلائم الأوضاع الحالية. فتغير الظروف يرافقه منطقياً تغير المعايير، وحين ازدادت حياة الشباب صعوبة أصبح البحث عن شريك مريح أو سهل هو القاعدة".

سامية علام

محررة صحافية مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي