مدارس داعش تهجّر الناس من "أرض الخلافة"

مدارس داعش تهجّر الناس من "أرض الخلافة"

يرعبك منظر المؤسسات التعليمية في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش. فمنها ما تحوّل إلى ركام نتيجة القصف، إثر تحويلها إلى مقارّ عسكرية وإدارية للتنظيم، ومنها ما تحوّل إلى أماكن مهجورة بلا طلاب ولا تعليم.

منذ البداية، استولى داعش على المنشآت التعليميّة والثقافية، وحرفها عن مقصدها. قال المربّي محمود ت. من منبج في ريف حلب: "ظهر خطر التنظيم منذ البداية، فقد جعل المركز الثقافي الذي كان عامراً بالنشاطات الثقافية والأمسيات الأدبية والعلمية مقراً عسكرياً، وحرق آلاف الكتب، فكانت الرسالة واضحة".

ما فعله داعش في المركز المذكور كان سياسة ممنهجة، فقد أغلق أيضاً جامعة الاتحاد، وحوّلها إلى مجمع سكن لعائلات التنظيم وورش لتصنيع السلاح والمفخخات، كما أكّد أبو الليث، مقاتل سابق في الجيش الحر.

إقفال المدارس

في صيف 2012، بعد خروج ريف حلب الشرقي عن سيطرة النظام السوري، تعرّض التعليم لانتكاسة كبيرة، وخصوصاً بسبب القصف الذي لم يوفّر المدارس. ولكن العملية التعليمة استمرت، وقدّم طلاب الشهادتين امتحاناتهم إما في حلب، تحت إشراف النظام، أو في الريف الشرقي لحلب في امتحانات أدارتها المعارضة السورية.

وبعد سيطرة داعش على ريف حلب الشرقي، بداية عام 2014، تغيّرت الأوضاع كلياً. وتدرج التنظيم في تطبيق خطته لإلغاء التعليم العام.

أقوال جاهزة

شارك غردعن المدارس الخاصة التي أسسها تنظيم داعش

شارك غرد"طلاب أشبال الخلافة ليسوا مشاريع قادة فحسب بل هم مشاريع استشهاديين" شكل التعليم في الأراضي التي يسيطر عليها داعش

وقال ياسين، مدرس اللغة العربية: "أخضعنا التنظيم بدايةً لدورات شرعية، وتعهد باستمرار الناجحين فيها بممارسة التعليم. وكان ذلك في صيف 2014. ولكن فوجئنا بداية العام الدراسي 2014-2015 بمنع توزيع الكتب وبالسماح بتدريس اللغة العربية والرياضيات فقط. ثم بعد شهرين صُدمنا بمنع تدريس المنهاج السوري نهائياً".

وتزامنت قرارات التنظيم المذكورة مع إجراءات عدة كالفصل التام بين الذكور والإناث. وتابع ياسين: "كانت الطامة الكبرى بعد شهور حين أغلقت المدارس بشكل كلي باعتبار أن كل العاملين في السلك التربوي مرتدون تجب عليهم التوبة". وفعلاً هرب مَن هرب، وخضعت البقية لدورات شرعية خوفاً من سيف داعش.

ويرى داعش أن المنظومة التعليمية السابقة فاشلة برمتها. ولفت الأستاذ محمود من منبج إلى أن التنظيم "يحمّل المعلمين مسؤولية الفشل، ويتهمهم بالتبعية للنظام، وببث أفكار البعث بين أبناء المسلمين".

هذا القمع دفع الأستاذ عماد للهجرة إلى تركيا، وقال: "لم يعد بإمكاني البقاء في دولة تعتبرني كافراً، وتبيح قطع رأسي بعد أن أمضيت ربع قرن في تعليم أبناء وطني".

موجة الهجرة المُبكرة

وتنبه كثيرون لهذا الإنذار، فنزحوا باكراً خارج المناطق التي يسيطر عليها داعش. وقال المدرس أبو أحمد، من مدينة منبج ووصل إلى السويد العام الماضي: "لي ولد وبنت، الولد في الصف الحادي عشر، والبنت في الصف التاسع. لذلك آثرت الهرب بهما فهما أغلى ما عندي. تحولت الثانوية التي كان يدرس فيها ابني (زيدان حنيضل) مقراً لمحكمة التنظيم، وتحوّلت مدرسة ابنتي لديوان للتعليم رغم عدم وجود تعليم".

قبل إغلاقها، بداية العام الدراسي 2014-2015، تحوّلت المدارس إلى مراكز تجنيد. وقالت المدرّسة فاطمة ن.: "من المفارقات أن الأهالي فرحوا، ولا أعني فرحاً حقيقياً، بقصف المدارس، فقد أراد التنظيم من خلال هذه المدارس خطف أطفالنا، وزرع فكره التكفيري الظلامي".

وكان التنظيم قبل إغلاق المدارس قد أصدر قراراً يُلزم الأهالي بإرسال أبنائهم إلى المدارس، ودفع 20$ عن كل طالب، وكان هذا سبباً إضافياً لإحجام الأهالي عن إرسال أبنائهم، فأكثر من 80% منهم لم يكن بمقدورهم تأمين المبلغ المطلوب.

وطال إغلاق المدارس المدن دون القرى، فالقرى لم تفتح فيها المدارس أصلاً، وحاول التنظيم التعويض عن ذلك بنقل التعليم إلى المساجد، والبيوت المستأجرة والمصادرة، والأقبية، وهي أماكن قادرة على استيعاب نسبة قليلة من التلامذة. وفي هذه المدارس، يُدرّس منهاج داعش الخاص.

ومنع التنظيم معظم المعلمين السابقين من ممارسة التعليم في مدارسه، برغم إخضاعهم لدورات شرعية عدّة وكأن الهدف إذلالهم. وقال الشيخ محمد، مدرس تربية إسلامية: "من المضحك المبكي أن قسماً ممن حاضروا فينا كانوا طلابنا، ومنهم مَن كان كسولاً ولا يجيد قراءة الفاتحة، ولكننا لا نستطيع الهمس فما بالك بالكلام".

وإضافة إلى حصاره للدراسة، منع التنظيم أيّة محاولات أو مبادرات أهلية أو فردية لتعليم الأطفال. وروى أبو سلوى، من إحدى قرى ريف حلب الشمالي: "قامت ابنتي بجمع الصغار من جيراننا وأبناء عمومتنا في منزلنا وراحت تلقي عليهم الدروس. ولكن بعد فترة وجيزة، أتت الحسبة واعتقلتني باعتباري والدها. قلت لهم: ابنتي تعلمهم القراءة والكتابة دون الالتزام بمنهج ولوجه الله تعالى. لكن تبريري لم ينفع، وطلبوا منّي كتابة تعهد خطي بعدم تكرار الأمر".

على أثر الحادثة سافر أبو سلوى مع عائلته. وقال: "ما هذه الخلافة التي تترك أبناء المسلمين للجهل، وتمنع فعل الخير والإحسان بالمجتمع؟".

زرع الفكر الداعشي

يهدف داعش من وراء احتكار التعليم إلى تجنيد الأطفال وزرع الفكر الداعشي فيهم منذ الطفولة. وصرّح أمراء التنظيم علناً بذلك مراراً. وقال إمام جامع الفتح في منبج في إحدى خطبه ما معناه أن الأمل معقود على هؤلاء الأطفال الذين نشأوا وتربّوا على أخلاق الإسلام في دولة الخلافة، و"لم تتلوث عقولهم بالفكر الإلحادي والقوميات العفنة".

وما يؤكد هذا المسعى حرص التنظيم على افتتاح مدارس "أشبال الخلافة". وأسّس ثلاث مدارس أولاها مدرسة "أبي حمزة المهاجر" ومقرها مدرسة البيرم سابقاً. وقال الأستاذ فاروق من منبج: "أغلق التنظيم المدارس جميعها باستثناء مدارس أشبال الخلافة، فمن هذه المدارس سيتخرج الأمراء والقادة الذين سيقودون دولتهم المزعومة". ويلاحَظ أن جلّ طلاب مدارس أشبال الخلافة هم أطفال أبناء التنظيم والمؤمنين عقائدياً بفكره.

واللافت أن التنظيم حرص على نقل مدارس أشبال الخلافة إلى مقارّ سرية، بعد ازدياد القصف على مدن الريف الشرقي بداية العام الدراسي 2015-2016.

وقال أبو فراس، من منبج، إن "طلاب أشبال الخلافة ليسوا مشاريع قادة فحسب بل هم مشاريع استشهاديين". وتحدث عن جاره قائلاً: "لم أستوعب فرح أبي مجاهد بانتساب ابنه إلى مدارس أشبال الخلافة، وفخره باستعداده لتفجير نفسه. هو يرى أن استشهاد ابنه سيجعله شفيعاً له يوم القيامة".

ويدرب التنظيم الطلاب في مدارس أشبال الخلافة على أساليب القتال واستخدام السلاح.

الهجرة طلباً للعلم

ودفعت سياسة التنظيم التعليمية كثيراً من السوريين إلى الهجرة طلباً للعلم، وبحثاً عن مستقبل أفضل لأبنائهم. وتركزت الهجرة بدايةً في أوساط المثقفين والمتعلمين مما أسهم في زيادة نسبة الجهل في المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش.

وقال المربي مدين من ريف حلب الشرقي: "تحملنا الظروف الصعبة من قصف ودمار ونزوح متكرر، وتمسكنا بخدمة أبناء وطننا حتى الرمق الأخير، لكني لم أستطع التضحية بمستقبل أبنائي".

ولجأ قسم من ميسوري الحال إلى استئجار بيوت لأبنائهم في مناطق النظام حرصاً على مستقبلهم التعليمي. وقال الطبيب محمود ف. من ريف منبج الجنوبي: "لا أستطيع ترك والديّ المسنين وحدهما، وهجرتي تعني استيلاء التنظيم على الأرزاق والأملاك، وحرمان أهل بلدي من الطبابة، فعدد الأطباء بات محدوداً جداً، وأخشى ألا يجد الناس من يعالجهم، فأرسلت أولادي وبقيت ريثما يأتي الله بالفرج".

ولم تمنع إجراءات التنظيم قسماً من الأهالي من إرسال أبنائهم الصغار إلى مدارس التنظيم. وبرّرت أم منار إرسال ابنها إلى مسجد الحي في منبج قائلةً: "لا أحب التنظيم، ولا نملك مالاً للدروس الخصوصية السريّة، والدورات التعليمية ممنوعة، وأجلت ذهاب ابني عامين كاملين. ولكن يبدو أن التنظيم باقٍ هنا إلى ما شاء الله، فأرسلت ابني لتعلم القراءة والكتابة فقط، ولن يتابع أكثر من ذلك".

اليأس من انتهاء سيطرة داعش وضيق الأحوال المادية هما من أبرز العوامل التي تدفع الأهل إلى إرسال صغارهم للتعلّم في مدارس التنظيم. ولكن تبقى المحصلة أن داعش لم ينجح في جذب الطلاب كما كان يتمنّى.

وقال التربوي فيصل من منبج: "لم ينجح التنظيم في جعل التعليم مصنعاً للإرهابيين، ويرجع ذلك حقيقة إلى الوعي الشعبي، وامتناع معظم الأهالي عن إرسال أبنائهم إلى مدارسه".

ما نجح فيه داعش هو دمار البلد. وبرأي المربي فيصل،"أعادت سياسة التنظيم الأمية بعد أن كادت تنقرض، وأفرغت البلد من النخب العلمية والثقافية بعد دفعها للهجرة".

التعليقات

المقال التالي