إعلاميون لبنانيون بين مخبرين وواعظين: "حكي جالس" و"للنشر" نموذجاً

إعلاميون لبنانيون بين مخبرين وواعظين: "حكي جالس" و"للنشر" نموذجاً

عندما يصبح معيار عدد المشاهدين بنداً مقدساً في العمل الإعلامي، وتحديداً في البرامج الاجتماعية الاستقصائية، يصبح المستوى الذي بلغه هذا النوع من البرامج اللبنانية مفهوماً. لكن الهوس باستقطاب الجمهور، بأي وسيلة كانت، ليس العامل الوحيد وراء نزوع هذه البرامج إلى خانة الفضائحية والتشهير على حساب أي اعتبار مهني، فهنا يُضاف عامل المنافسة بين القنوات التي تخضع لسلطة السياسة أو المال، وافتقارها لأي شرعة أخلاقية تستند إلى معايير مهنية واضحة يُساءل عليها القيمون على الإنتاج. أما الأهم فيتمثل بغياب، أو بالأحرى غيبوبة، الهيئة الرسمية المخولة بالرقابة والمحاسبة، والمقصود هنا المجلس الوطني للإعلام.

"حكي جالس"، "للنشر"، "وحش الشاشة"، "بلا تشفير"، "بلا طول سيرة"، "أحمر بالخط العريض"... أسماء برامج حجزت لنفسها مساحة على الشاشة اللبنانية، حملت في ظاهرها لواء قضايا الضحايا والمستضعفين (مريض لا يمتلك كلفة علاج، أب يعتدي على ابنته، أم تمارس الدعارة أمام طفلها، فقير سرقت أمواله، زوج قتل زوجته أو حرمها من الحضانة…)، البحث في الكواليس السوداء لعوالم لبنان السفلى، أو فضح التقصير الرسمي في التعامل مع قضايا حساسة… باختصار باتت هذه البرامج في موقع المخبر والرقيب.

لكن الخط الفاصل في قضايا مماثلة قد لا يكون بهذا الوضوح، لتشعب مفاهيم الظلم والمسؤولية في ظلّ غياب الدولة وتفعيل القوانين المرعية الإجراء، ما يجعل دور هذه البرامج المستنسخة عن برامج أجنبية ذات شهرة واسعة وتحظى باحترام الجمهور، إشكالياً، ويطرح أسئلة كثيرة.

أثارت حلقة الإعلامي اللبناني جو معلوف الأخيرة من "حكي جالس" جدلاً واسعاً في هذا الإطار. خلال شهر واحد، استضاف معلوف مرتين المتهم عماد الريحاوي، المطلوب بقضية الاتجار بالبشر المعروفة بقضية "شي موريس"، بعد شهادة فتيات تم تحريرهن من العبودية.

عماد الريحاوي

ترك معلوف الهواء لريحاوي ليدافع عن نفسه، وعندما كان يتعثر، يخرج معلوف لينقذه بسؤال أو باتصال أو بالأحرى اتصالين. الأول كان مع إحدى الفتيات التي أوحى الريجاوي، ومعه معلوف، أن ثمة من يجلس جانبها ليلقنها ماذا تقول، والثاني مع سائق (لم يتم التأكد من هويته) ادعى أنه كان يأخذ الفتيات للتبضع ولم يلاحظ عليهن آثار ضرب كما ادعين في وقت سابق. الحلقة، التي عنونها معلوف "لأننا نجرؤ حيث لا يجرؤ الآخرون"، أتت بمثابة مرافعة دافع فيها الريحاوي عن نفسه باعتباره مسهل دعارة فقط لم يضرب الفتيات، والهدف من ذلك إنقاذ أبنائه الذي لم يعودوا يجرؤون على الذهاب إلى المدرسة.

قرر معلوف أنه لا يريد التضحية بكبش فداء (الريحاوي) لحماية من هم أكبر منه، سمح لضيفه باللعب بمشاعر الجمهور وحرف القضية عن مسارها، قبل أن يبلغه أن المحور انتهى وأن عليه أن يسلم نفسه لشرطة الآداب "التي تنتظره في الخارج".

عماد الريحاوي

سجّل المذيع "نصره" فغرّد قائلاً "مع تسليم عماد الريحاوي نفسه، منكون قدرنا نعمل اللي ما قدر يعملو أي جهاز أمني بالبلد"، واستنتج بأنه قد "نجح حيث فشلت الأجهزة الأمنية وجميع وسائل الإعلام التي تناولت الموضوع".

أثارت حلقة "حكي جالس" ردو فعل مستنكرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بين من حذر من هذه البرامج التي تحتل الشاشات من دون حسيب ولا رقيب، ومن اعتبرها انعكاساً لحالة الانحدار التي وصل إليها البلد على جميع المستويات، ومن دعا لتخليص لبنان من كل هذا الهراء.

نماذج أخرى

لكن حلقة معلوف لم تكن الأولى، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة. والأمثلة في هذا المقام كثيرة يصعب حصرها. فنجد مذيعاً يخرج ليلعب دور المحاسب الأخلاقي، ويحضر هنا مثال الإعلامي طوني خليفة وهو يحمّل النساء مسؤولية العنف الأسري الممارس بحقهن، على اعتبار أن سبب تطور العنف إلى حد القتل هو لجوء المرأة إلى القضاء أو الجمعيات، الأمر الذي، حسب خليفة، يؤدي إلى استفزاز المعنّف وفقدانه للسيطرة على غضبه.

كما يحضر مثال البرامج الإعلامية التي تفتح الهواء في قضايا حساسة من دون اعتبار، قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الضحايا. يُذكر هنا مثال برنامج "للنشر" الذي استضاف نجل الضحية سارة الأمين ووالدتها بعد مقتلها بأيام قليلة على يد زوجها أمام أولادها. لم يكن وضع العائلة النفسي يحتمل اتصالات "عفوية"، لكن المذيعة استقبلت اتصالاً من صديق الزوج يقول إن الأخير كان يحب سارة ولا يمكن أن يؤذيها، ففتح سجالاً تطور إلى التهديد المباشر بين الابن والمتصل.

الميل إلى الفضائحية لدى وسائل الإعلام ومثله لدى الجمهور، لا يترك مجالاً لاعتبارات كثيرة تعد من بديهيات العمل الاستقصائي تقوم على تغطية وجه الضحايا الصغار (ممن يتعرضون للتحرش، أو الاتجار في سبيل الدعارة)، أو حماية المصادر من ردود الفعل الانتقامية، أو التمحيص الدقيق في مصادر المعلومات وأغراضها، أو تفادي تورط الإعلاميين عاطفياً وشخصياً في الوقوف إلى جانب طرف دون آخر وتسجيل انتصارات شخصية… على سبيل المثال نذكر هنا إحدى حلقات برنامج طوني خليفة عن أب كان يجمع تبرعات لابنته المريضة ليتبين لاحقاً أنه كان يسرقها لنفسه.


يستخدم خليفة لهجة "التشفي" مع الأب قائلاً "والله والله ناطرك إلي 3 سنين" و"لقطتك لقطتك انا والله" مع "لولحة" بالإصبع يملؤها اللؤم كما لو كان ثأراً شخصياً. من فضح الأب كانت زوجته التي استضافها خليفة عارضة وثائق تثبت اتهامها، لكن لم يتساءل أحد بعد هذا "الانتصار" الإعلامي عن مصير الأم بعد خروجها من الاستديو، ومن يعيد الثقة للمتبرعين في الحالات الطبية التي تستحق فعلاً؟ والأهم من يرسم الخط الفاصل بين البرامج الاستقصائية وخدمة الصالح العام؟

في سياق آخر، لعبت هذه البرامج عالمياً دوراً تنسيقياً مع الشرطة في حلّ معضلات كثيرة، جمع أحباباً متباعدين، وأنقذ حياة محتاجين، لكن حماية الحالات واحترام القانون بقيا سيّدا الموقف. في حالة البرامج المماثلة في العالم العربي، يتم جلد الضحايا لأجل سكوب، ويُحجّم دور القوى الأمنية على حساب شهرة وأضواء. هنا يجري الاستخفاف بالقانون (على علاته) وتتحول المشكلة إلى حديث يشبه صبحيات القرى يلوك فيها الناس قصة يصنفونها خارجة عن منظومة أخلاقية أوهموا بها أنفسهم. لا يمانعون من خرقها شرط إبقاء ذلك سراً، وعدا ذلك يصبح الجميع في موقع الوعظ الأخلاقي.

 

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
الإعلام لبنان

التعليقات

المقال التالي