"كيد النساء" في أعراس صعيد مصر

"كيد النساء" في أعراس صعيد مصر

تختلف طقوس الزفاف في مصر من إقليم إلى آخر. ففي الصعيد تسيطر طقوس مميّزة. تقوم أم العروس مثلاً بتقديم كوب لبن إلى العريس ليضع بعضه في فمه ويلفظه على وجه العروس قبل أن يكشف عن وجهها، اعتقاداً منهم بأن هذا يمنع الخلاف بين العروسين في ليلة العرس، وبأنه يبطل الربط والسحر.

كذلك، ينشب صراع بين أهل العريس وأهل العروس ويبدأ منذ الفاتحة والخطبة وصولاً إلى الانتهاء من الزفاف. ويتمثّل هذا الخلاف بردّيات تتبادلها نساء العائلتين في ساحة منزل العريس أثناء الاستعداد للزفاف، علماً أن مراسم الزفاف قد تستمر أربعين يوماً ولا تقل عن أسبوع.

هذه الردّيات هي أهم ما يميّز العرس الصعيدي. ويختلف مضمون الرديات وبعضها حفظته الذاكرة الشفوية وبعضه الآخر تحوّل أغاني معروفة دون أن يعرف كثيرون أن كلماتها هي من الفولكلور الشعبي الصعيدي.

في ما يلي نعرّفكم على المراحل التي يمرّ بها العرس الصعيدي وعلى مجموعة من الرديات وننسبها إلى شخصيات من أقارب العريس والعروس كما لو أنه يحدث في الواقع.

أقوال جاهزة

شارك غردتقول إحدى قريبات العروس: أحيه بوريه ما خدش منكم ليه؟ قاصدةً أن لا جميلات في عائلة العريس

شارك غردأغاني ورديّات أعراس الصعيد التي تصوّر الصراع بين أهل العريس وأهل العروس وكأنها معركة حامية

1ـ نقل عزال العروس

يبدأ اليوم بالتنجيد ويقوم المنجد بشراء القطن والأقمشة وكل ما يلزم لعمل مراتب السرائر والألحفة والمخدات الخاصة بشقة العروس. وحين ينتهي من عمله، يقوم أهل العروس بإرسال عزال العروس (أثاث البيت ومستلزماته) إلى منزل العريس في موكب يطوف القرية ثم تجتمع النساء ويذهبن خلف العزال ليرتبنه.

التباهي والمفاخرة

عند وصول النساء من أهل العروس إلى منزل العريس لترتيب العزال، يدقّ جرس البدء بالتباهي والمفاخرة بالعروس، فتبادر إحداهن بوصف العروس قائلة:

يا منجد علّي المرتبة

عروستنا حلوة مؤدبة

يا منجد علّي المرتبة

عروستنا ناعمة غُريِّبة

يا منجد علّي المرتبة

أعمل حساب الشقلبة

فترد عليها إحدى قريبات العريس مفاخرة بجهاز العريس قائلة:

عايق (منسّق وجميل) يا شرابه

ولا حدّش جاب دولابه

عايق يا منديله

ولا حدّش جاب سريره

هنا، تنتفض إحدى قريبات العروس وتؤكد مجدداً على حسن العروس، فتقول:

فين دولاب العريس؟

فرجوني عليه

واللي خطب العروسة

الله ينور عليه

فتقاطعها قريبة العريس:

طب فين عزال العروسة

فرجوني عليه

عزالها جوه جوه

وأبوها وافق عليه (تقصد موافقة والد العروس على العريس)

2ـ ليلة الحنّة

يقوم أهل العريس بتزيين منزله والشارع الواقع فيه، ويبدأون باستقبال المهنئين والمباركين من أصدقاء العريس وجيرانه وأفراد عائلته. وتقتصر حنّة العريس على الرجال فقط، وتبدأ مراسمها منذ الصباح حين يُشغّل ميكروفون يصل صوته إلى كل أطراف القرية، فتبدأ النساء بالأغاني:

يا أبو الشال تلاتاتي (ثلاثي)

قلبي يحبك يا أبو الشال تلاتاتي

يا أبو الشال تلاتاتي

حلّ العمامة وأعدل الطياتي

وأعدل الطياتي

ندرن عليا لو عجنت الحنّة

لأدعي الحبايب كلها وتباتي

يا أبو الشال منقوشِ

قلبي يحبك يا أبو الشال منقوشِ

يا أبو الشال منقوشِ

حل العمامة وأعدل الطربوش

أما ليلاً فيبدأ الرجال بالرقص بالعصا وبالخيل على أنغام الربابة والمزمار إلى حين تهيئة الحنة في صينية كبيرة تملأها الشموع، وفي وسطها طبق ملآن بالحنة. ويبادر أصدقاء العريس إلى الرسم بالحنة على يديه ورجليه.

وتبدأ عمة العريس بالغناء خلف الشباك:

يا صلاة النبي عليه

ويا عريس مد إيديك للجدعان تضحك عليك (مشيرة إلى أصدقاء العريس العُزاب)

أما ليلة حنّة العروس فتختلف عن ليلة حنّة العريس إذ لا يحضرها الرجال وتكون مقتصرة على نساء يتجمّعن حول العروس ويغنين لها ويتغزلن بجمالها ونسبها. ومن أهم أغاني العروس في ليلة الحنة:

حنة يا حنة يا قطر الندى

يا شباك حبيبي يا عيني جلاب الهوا

لو يطلب مني العين

راح أقوله خد الاتنين

وتحنى فرحتنا سوا

وأفرش له ضفايري على شط الهوا

وهذه أغنية غنّتها شادية ثم مارسيل خليفة وهنالك أغنية أخرى غنّاها عمر فتحي وهي:

يا ليلة الحنة يا ريدي

والسلام منايدك ليدي

يا ليلة الحنة والمجمع

هيّ تتكلم وانا أسمع

دا كلامك أحلى من السكر

وأحلى من البلح الرشيدي

وهنا تقوم أكبر السيدات سناً برسم الحنة على كف العروس. ومن عادات ليلة الحنة أيضاً انفراد أقارب العروس المقربين منها بها لإعطائها نصائح ليلة الزفاف.

3ـ ليلة الزفاف

ينطلق الميكروفون من منزل العريس، ناقلاً الأغاني، من الصباح الباكر حتى بعد الظهر إلى أن تقام وليمة الغداء لأهالي القرية، ويستمر هذا كله حتى أذان العصر. ثم يذهب جميع رجال عائلة العريس وجيرانهم وأصدقائهم في موكب لكتب الكتاب (عقد القران) ثم يعود العريس للاستعداد لحفل الزفاف.

بدء المعركة

تنطلق الزفة من منزل العروس وترافقها حتى منزل العريس، ثم تبدأ المعركة بين نساء العائلتين.

فتدخل الساحة إحدى قريبات العريس مشيرةً إلى فوزهم بالعروس وأخذها من عائلتها:

خدناها من ع الفرشة

صبوا لأبوها يغسل أيديه

خدناها وضحكنا عليه

خدناها خدناها

خدناها بالسيف الماضي

وأبوها مكنش راضي

وعلشانها بعنا الأراضي

الحلوة اللي كسبناها

خدناها بالملايين

وأهلها ما كنوش راضيين

وعلشانها بعنا الفدادين

الحلوة اللي كسبناها

فترد عليها إحدى عمات العروس ملمّحة إلى عدم وجود فتيات جميلات في عائلة العريس وهو ما دفعه إلى الزواج بابنة شقيقها:

أحيه بوريه ما خدش منكم ليه

هوه اللي جانا وحده

ولا حدش فينا راحله

مين اللي نقهالك (اختارها لك) عمك ولا خالك؟

حلوة تريّح بالك

مين اللي نقهالك خالك ولا عمك؟

حلوة تروّق دمك

ولا تخلو أغاني ليلة الزفاف من تجسيد الصراع الدائم بين الحماة والكنّة. فتنطلق خالة العروس قائلة:

يا أم العريس يا ملعلعة يا دنية (دنية هي التي تأكل كثيراً)

تاكل الحمام

وتغرق بالملوخية

يا أم العريس يا ملعلعة يا دنية

هنا يُستفز أهالي العريس، فتقاطعها خالته:

يا أم العريس الله يتمها عليكي

إنتي القمر وإحنا النجوم عليكي

فتشتعل المعركة. وتقول إحدى قريبات العروس مشيرةً إلى شقيقته:

زعلان ليه تعالَ وأنا أقولك

أنت كيلو لب وأنا كيلو لب

نأكل أنا وأنت والقشر لأمك

زعلان ليه تعالَ وأنا أقولك

أنت كيلو لحمة وأنا كيلو لحمة

نأكل أنا وأنت والعضم لأمك

فترد شقيقة العريس:

يا أم العريس يا زينة

يا ورد جوة جنينة

يا أم العريس يا فلة

يا وردة جوة قلة

طقوس ذات أصول فرعونية

وبحسب الدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي في جامعة القاهرة، فإن هذا النوع من الأغاني التي تصوّر الصراع بين أهل العريس وأهل العروس وكأنها معركة حامية هي طقوس كانت موجودة في الزفاف في مصر الفرعونية.

وأضاف لرصيف22 أنها ظهرت في أقاليم الصعيد والقرى الريفية مع أن معظم سكان المدن من أهالي القرى المهاجرين ولكنّهم تركوا جزءاً كبيراً من تراثهم تحت مظلة المدينة والتمدن.

ولفت أبو الليل إلى أن هذه الأغاني كانت تشكّل تمثيلية شعائرية تخلو من التصنع وتنقسم إلى جزئين: الجزء الأول، ارتجالي وليد اللحظة تنفذه النساء في ليالي الزفاف. والجزء الثاني، أغانٍ من التراث تناقلتها الأجيال وهي مجهولة المؤلف.

وأوضح أبو الليل أن هذا الفن لم يعد موجوداً بالشكل الذي كان عليه، مرجعاً السبب إلى تطور التكنولوجيا وانجراف العامة نحو الأغاني الشعبية السريعة.

egyptian Wedding Rap Battle

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي