حرائق "الغورية" تحرق قلوب المصريين... والدولة الفاطمية

حرائق "الغورية" تحرق قلوب المصريين... والدولة الفاطمية

"يا رايحين الغورية... هاتوا لحبيبي هديّة"، بهذه الجملة تبدأ أغنية الفنان المصري الشهير محمد قنديل، وهو كان سجّلها عام 1948. وغناها لاحقاً صديقه الحميم عبد الحليم حافظ في أحد تسجيلاته النادرة.

لم يكن غريباً أن يطلب قنديل لحبيبته "توب بالقصب يليق على رسمها، وطرحة وشال وإسورة وخلخال... وحلق بدلاية فوق الخدود رفاف يحكي الهوى…" من سوق "الغورية". فهذا السوق كان أشهر الأماكن لشراء الهدايا والأكسسوارات النسائية المتقنة الصنع، وهو لا يزال اليوم سوق الملابس والمفروشات الأول لكثير من الناس.

الغورية تحرق قلوب المصريين والدولة الفاطمية - سوق

"الغورية" أو "حي الغورية" يختزن الكثير من روح مصر وتاريخها، ويتقاطع مع مناطق لها مكانتها في الوجدان المصري. فهو في منطقة الجمالية في القاهرة الفاطمية، وغير بعيد عن جامع الأزهر وضريح "سيدنا الحسين" والسوق وخان الخليلي، وفيه وكالة الغوري التي تحتضن الفن والنشاطات الثقافية و"رقصة التنورة" الشهيرة.

الحريق الذي شبّ في السوق وأتى على أكثر من عشرين محلاً وواجهة، وجرح عدة أشخاص، أحرق معه قلوب كثر يحبون تلك المنطقة التاريخية التي أسسها آخر سلاطين دولة المماليك أبو النصر قانصوه الغوري الشركسي في القرن السادس عشر، وجعله مركز اهتماماته التي توزعت بين الملابس الفاخرة والطرب وقرض الشعر وقراءة السير والتواريخ.

لم يكن وجه المنطقة التاريخي ما أثار حنق أبناء المنطقة ومحبيها فحسب، بل تزامن الحريق مع حرائق أخرى في أسواق شعبية، دفعت كثر للاعتقاد بأنها مفتعلة. فسيطرت التحليلات السياسية على المشهد، وسرعان ما احتل هاشتاغ تحت عنوان "#الغورية” وهاشتاغ “#السيسي_بيولع_مصر" مكاناً بارزاً في قائمة الأكثر تداولاً، وضمّا لآلاف التغريدات.

الغورية تحرق قلوب المصريين والدولة الفاطمية - مسجد

تشكل المناسبة دعوة لاستحضار قيمة هذه المنطقة لمصر أولاً والعالم ثانياً. لقد ترك فيها السلطان الغوري مجموعة فريدة من المباني الأثرية على ناصية شارع المعز التاريخي الذي يعتبر أطول شوارع العالم الأثرية، عند تقاطعه مع شارع الغورية. وتتكون المجموعة من قبة ووكالة وحمام ومنزل ومقعد وسبيل ومدرسة، ومن الكثير من الآثار الإسلامية من العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية، حين كانت العمارة أحد أبرز معالم التفوق. ومن هذا المكان كتب الأديب الراحل نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة "قصر الشوق، السكرية، وبين القصرين".

كثر يحفظون "وكالة الغوري" التي تنفرد بطابعها المعماري الأصلي، لأنها كانت مركزاً تجارياً ومقراً لمبيت التجار الوافدين وكان فيها مسجد للصلاة، ثم تبعت لاحقاً وزارة الثقافة كمركز للفنون بعد الانتهاء من ترميمها في العام 2005، فيما حافظت على عدد من المشربيات الإسلامية ونوافذ زجاجية منقوشة بأشكال هندسية ونباتية.

الغورية تحرق قلوب المصريين والدولة الفاطمية - مسجد 2

الغورية تحرق قلوب المصريين والدولة الفاطمية - مسجد 3

في الوكالة، لا تهدأ ألوان التنانير التي تضجّ بالحياة وهي تدور وتدور إلى ما لا نهاية، في رقصة صوفية فريدة. ومن تسنّى له زيارة المنطقة يحفظ ذلك السبيل، فخر آثار مجموعة السلطان، حيث الشبابيك الثلاثة المخصصة للتسبيل، وتطل على كل من شارع الأزهر وشارع المعز لدين الله. هذه المنطقة كانت تمثل أيضاًً قلب القاهرة الفاطمية ومركز تجارتها.

الغورية تحرق قلوب المصريين والدولة الفاطمية - ألوان 1

الغورية تحرق قلوب المصريين والدولة الفاطمية - ألوان 2

لكن أهمية المنطقة التاريخية لم تكن مدعاة خوف مراقبي الحريق وحنقهم فقط. فقد ارتفعت الأصوات من "الغورية" مطالبة بسقوط الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي محملةً نظامه المسؤولية. على الإعلام المحلي وفي التغريدات، انتشر الحديث عن أن الحريق مفتعل لتوجيه رسالة إلى أصحاب المكان المعادين للنظام ولتغيير الوجه الحقيقي للأسواق الشعبية لأغراض تجارية. عزز هؤلاء كلامهم بسبب تزامن الحريق مع أكثر من تسع حرائق مشابهة في أماكن مختلفة خلال أقل من 48 ساعة.

بدأ "اليوم التاريخي للحرائق" في مصر بحادثة الرويعي في العتبة، ثم 4 منازل في سوهاج، وحريق في المركز الدوائي في السويس، وحريق في فرع "النساجون الشرقيون" في الشرقية، وحريق ضخم في مخزن مصنع الجدران العازلة "الفوم" في الدقلهية، وفي سبين القناطر، وفي الروبيكي في مقالب القمامة، وفي مزارع النخيل في حلوان…

وانتقلت الحرائق إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فأشعلت غضب المصريين وسخريتهم، فاتهموا السيسي بأنه لن يرحل قبل أن يحرق مصر، ومنهم من لمح إلى مبيع الجزيرتين للسعودية وتحضير العتبة بعد حرقها لتُهدى للإمارات. ووصف آخرون هذه الحرائق بأنها "بداية النهاية”.

وهناك من سخر طالباً خريطة للحرائق المستقبلية لكي يلتزم الحذر، أو قال إنهم لا يريدون التحول إلى سوريا أخرى.

وفي "#السيسي_بيولع_مصر" سأل مغردون عن "الأمن والأمان" و"حتبيع إيه تاني بعدما حرقت مصر وشرّدت أهلها؟"

وانتشر فيديو لأهالي "الغورية" يهتفون "إرحل يا سيسي" كما استعاد البعض ممن زاروا الغورية سابقاً صور آثار المنطقة وجماليتها، ودعا الناس من أجل لقاء "الأرواح التي لا ينقطع وصلها".

تنورة #الغورية الصاجات

A photo posted by Muhammed Majdi (@muhammed_majdi) on Nov 9, 2015 at 2:05am PST

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي