عندما تكون المقاومة بالتقاط الصور مع الجثث والدمار

عندما تكون المقاومة بالتقاط الصور مع الجثث والدمار

في العام 2011، عُرض جثمان الرئيس الليبي المقتول إلى جانب جثة ابنه المعتصم القذافي في سوق للحوم في مصراتة، بينما كانت تصطف طوابير الليبيين لمشاهدة الجثتين، ويحضر الأهل أطفالهم بحماسة لالتقاط صور "سيلفي" مع جثة الديكتاتور التي مزقها الثوار.

لم ينكر المراقبون حينذاك على الليبيين حقهم بالفرحة التي طال انتظارها أمام من نعتهم بـ"الجرذان" ودمر حياتهم طوال عقود، لكن صورة الليبيين يحتفلون فوق الجثة كانت تنبئ بمستقبل دموي ينتظر البلاد. وهي اليوم، بعد حوالي خمس سنوات على سقوط الطاغية، تدفع ضريبة باهظة.

كانت صورة الاحتفاء بالدماء فاقعة في ليبيا، لكنها لم تكن الوحيدة. بعد ذلك تفوقت الصورة السورية. الاحتفاء لم يكن بدماء الديكتاتورية، بل بدماء المدنيين. والصورة لم تقتصر على أناس عاديين، بل صحافيين يُفترض أن يكونوا أكثر احتراماً لأخلاقيات المهنة، وأكثر حذراً من تداعيات الشماتة بالدماء. كان آخرها صورة "سيلفي" التقطتها مراسلة تلفزيون "سما" (الدنيا سابقاً) كنانة علوش وهي بكامل مكياجها وضحكتها العريضة فوق الجثث أثناء تغطيتها معركة حلب.

1699722_journalist_selfie

وكانت قد سبقتها إلى ذلك زميلتها ميشلين عازر في قناة "الدنيا" في مجزرة داريا عندما سألت سيدة تحتضر وسط جثث، "من أطلق النار عليها"، وسألت فتاة صغيرة إلى جانب جثة أمها "من هذه؟"، ولم تنس التقاط صورة.

مناسبة استذكار الاحتفاء بالدمار والدمار أتت من طهران هذه المرة. وتحديداً من معرض الكتاب الدولي. فقد نشرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" مجموعة صور لمواطنين من زوار المعرض، يلتقطون صوراً تذكارية بشكل احتفالي أمام صورة كبيرة تظهر الدمار في مدن سورية. تمّ تداول الصور على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، وفيها إيرانيون وإيرانيات، كبار وصغار، يرتدن جعبة عسكرية، أو يركبون على دراجة نارية، أو يمسكون قنبلة يدوية، وفي الخلفية مدن سورية مدمرة، وأبرزها مدينة حلب.

Screen-Shot-2016-05-10-at-15.25

1618009_770

تأتي هذه الصور في وقت انتشر خبر مقتل عدد كبير من قوات الحرس الثوري والمستشارين الإيرانيين في ريف حلب، شمالي سوريا، وجرح عسكريين إيرانيين في معركة خان طورمان. وبحسب ما نقلت وسائل إعلام إيرانية، تمثل الصور "المدافعين عن المزارات" في مدينة حلب السورية، وتعود لاستديو "الشهداء" في المعرض، حيث قدم الأستديو معدات وألبسة عسكرية يرتديها المواطنون لالتقاط صور افتراضية تذكارية. أما الصور في الخلفية فهي لوكالة "رويترز" ومنها مدينة دير الزور في العام 2013.

وأثارت الصور سخط ناشطين وصحافيين إيرانيين على "فيسبوك" و"تويتر"، فعبروا عن استيائهم الشديد من "التباهي فوق حطام وآلام الشعب السوري". وعلق آخرون على صفحة "براى سوريه" Sorry Syria الناطقة باللغة الفارسية، متعاطفين مع الضحايا، فتأسفوا لالتقاط هذه الصور التي تظهر تورط النظام الإيراني في الحرب السورية.

Shot-3

Screen-Shot-2016-05-10-at-15.38

وكتب البعض على الصفحة التي تضم أكثر من ستة آلاف متابع، معلقين بغضب "ليس لدينا سوى الغضب والحزن للتعبير عن هذه الصور"، و"هؤلاء ليسوا بشراً، إنهم زومبي"، وأسفوا كثيراً لتورط بلادهم في الحرب السورية.

مرة أخرى، يبدو أن الحرب المشتعلة في المنطقة قد محت الخط الفاصل بين المعارك السياسية وبين الأخلاق والقيم، فيعمد الإعلام إلى شيطنة الخصم، ما يسهل على المحتفين بالدماء استعراض بطولاتهم على المذبحة، مقتنعين بأن المقاومة تكون بالصور مع الجثث والدمار. مرة أخرى، تكشف هذه الصور ومثيلاتها أن المستقبل قد يأتي أكثر دموية على يد من يحملون لواء التغيير.

 

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
إيران سوريا

التعليقات

المقال التالي