تاريخ السُكر في مصر... من بيرة الفراعنة المُبرَّدة إلى حانات الثورة

تاريخ السُكر في مصر... من بيرة الفراعنة المُبرَّدة إلى حانات الثورة

من النبيذ الذي كان يرتشفه العمال الذين بنوا الأهرامات إلى تحفّظ الأقباط عن تصنيع الخمر في بعض فترات العهود الإسلامية، إلى الدور الثوري الذي لعبته الحانات... قد يكون ممكناً أن نتعرّف على حياة المصريين من خلال الحديث عن علاقاتهم بالخمور.

السُكر في عصر الفراعنة

Preparing-wine_Cesar-Ojeda_Flickr

كان النبيذ مصاحباً للعمال الذين بنوا الأهرامات خلال عملهم. ولفت محمود خير الله، في كتابه "بارات مصر... قيام وانهيار دولة الأنس"، إلى أنه عُرفت أربعة أنواع من النبيذ وخمسة أنواع من البيرة التي كانت تعرف باسم "هاكت" في عصر الفراعنة.

وأضاف خير الله أن البيرة كانت في مصر القديمة مشروباً للصغار والكبار، وبلغ اهتمامهم بها حداً لا يمكن تصديقه، حيث استطاعوا تبريدها بواسطة هواء الأنهار. أما النبيذ المصري فكان أفضل ما يُقدم للفراعنة والآلهة، وحصل على درجة من القدسية لدرجة أنه كان يُحفظ مع الموتى، وكان اسمه الفرعوني هو "يورب".

أقوال جاهزة

شارك غرد"يورب" هو نبيذ الفراعنة، و"هاكت" هي البيرة التي عرفها قدامى المصريين، قبل "ستيلا" بكثير

شارك غردقد يكون ممكناً أن نتعرّف على حياة المصريين من خلال الحديث عن علاقاتهم بالخمور

وأشار أحمد محمد عبد العال، أستاذ الآثار في جامعة المنيا، إلى أن كلمة "نبيذ" في مصر القديمة كانت تشير عادة إلى العصير المخّمر من العنب الطازج، وكان النبيذ بهذا المعني أهم الخمور عند قدماء المصريين بجانب أنواع أخرى مصنوعة من النخيل والبلح ونوع آخر كان يصنع من ثمر المخيط.

وقال لرصيف22 إن النبيذ كان من المشروبات المحببة لدى المصريين القدماء، وهذا ما توضحه النقوش على جدران المعابد والمقابر مثل مقبرة "بتاح حتب" التي يوجد فيها نقش يوضح كيفية صناعة النبيذ، وكذلك مقبرة من عهد الأسرة الخامسة في منطقة سقارة، وأخرى من عهد الأسرة الثانية عشرة في قرية البرشا ومقابر عدّة من هذا العهد أيضاً في قرية بني حسن في المنيا في شمال صعيد مصر.

كان عدد كبير من الرجال يجمعون عناقيد العنب الكبيرة في سلال ويحملونها على ظهورهم إلى مكان العصر، وهنالك يفرغونها في أوعية كبيرة ليست عميقة، ثم يدوسون العنب بأرجلهم، ويقوم بذلك خمسة أو ستة رجال مجتمعين وعلى إيقاع الموسيقى. هكذا وصف عبد العال طريقة صناعة النبيذ من العنب عند قدماء المصريين.

كما كانت ثمار البلح ذات قيمة خاصة عند المصريين القدماء. ووفقاً لعبد العال، فقد استخرجوا منها نوعاً من نبيذ البلح يسمونه في صعيد مصر بـ"عرفي"، وتشتهر بعض مدن محافظة قنا مثل نقادة بصناعته حتى اليوم، ويستخدم في العقاقير الطبية، كما يستخدم شراباً.

أما نبيذ النخيل فكان يتألف من عصارة شجرة النخيل، ويُحصل على هذه العصـارة بحزّ ثمار الشجرة تحت قاعدة أغصانها العليا مباشرة. هذا ما قاله أستاذ الآثار الذي أشار إلى أن السائل فور أخذه من النخيل لا يكون مسُكراً، ولكنه يكتسب الصفة بالتخمر.

الخمر والجعة في مصر القديمة كانا جزءاً أساسياً من الوليمة، تقول الباحثة ماجدة المهداوي في بحث كتبته بعنوان "وليمة من العصر الفرعوني"، شارحةً أنهما كانا يُقدّمان للضيوف في أباريق كبيرة تنتهي بطرف رفيع ومصفاة تمسك باليد لتصفية الشراب. وعندما كان أحد المدعوين يفرط في الشراب، كان الخدم يضعونه على السرير في زاوية الغرفة حتى يستعيد وعيه مرة أخرى.

العصر الإسلامي

بعد دخول الإسلام مصر أصبح الأقباط أكثر تحفظاً في تصنيع الخمور. هذا ما يقوله المستشرق البريطاني ستانلي لين بول فى كتابه "تاريخ مصر في العصور الوسطى"، ذاكراً أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أمر بمنع الجعة ومصادرة الخمر تماماً.

وأشار لين بول إلى أن دولة المماليك الأولى التي تأسست في القرن السابع الهجري لم تكن تحفل كثيراً بتعاليم الدين الإسلامي في قصور الحكم، وهذا ما ظهر من خلال قصائد الشاعر بهاء الدين زهير التي احتلت فيها قصائد الخمر مكانةً بارزةً. كذلك وُصف العديد من سلاطين المماليك بأنهم مدمنون للخمر مثل الأمير "بيسري" الذي كان عاجزاً عن المشاركة فى إدارة الأمور العامة لأنه كان مستغرقاً تماماً في الشرب.

أم السلطان الظاهر بيبرس البندقداري، فقد كان صارماً في ما يتعلق بالآداب العامة، لذا لم يسمح بالخمر رغم أن ضريبته كانت تدرّ عليه ستة آلاف دينار سنوياً، كما قام بإغلاق الحانات والمواخير، بحسب لين بول.

جلسات السُكر في العصر المملوكي كانت أيضاً محلاً لحبك المؤامرات والتخلص من الأعداء. هذا ما ذكره المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، مدللاً على ذلك باتفاق علي بك المعروف بـ"أبي العذب" مع مجموعة من الأمراء على قتل أعدائهم خلال جلسة سُكر.

في زمن الحملة الفرنسية

وفي كتابهم "وصف مصر"، دوّن علماء الحملة الفرنسية (1798- 1801) الكثير عن صناعة الخمور في مصر في ذلك الوقت، ورسموا صورة واضحة لمهنة "المُقطر" الذي يُعتبر العنصر الرئيسي في إنتاج الخمور.

وجاء في الكتاب: "تحرّم الشريعة الإسلامية الخمور، ويراعي المسلمون المتمسكون بدينهم ذلك، أما الكبار والتجار والجنود فيرتكبون هذه المعصية في الخفاء، ويصنع المصريون عدداً من المشروبات الروحية أحسنها وأجودها هو المشروب المصنوع من العنب المجفف، أما ما يُستخرج من التين والجميز والبلح وثمار التين الشوكي فهي أدنى قيمة، ويفرط الأقباط في تناول الخمور".

وشرح الكتاب أماكن وطريقة صنع النبيذ فقال: "لعلّ الفيوم هي الولاية الوحيدة التي يُصنع فيها النبيذ، فبعد أن يُهرس العنب لمدة ساعة في إناء فخاري اسطواني الشكل، يوضع في جوال كبير مصنوع من قماش صوفي بالغ السُمك، ثم يعتصر الجوال بشدة، ويستقبل عصير العنب الذي يسيل من الجوال على هذا النحو في إناء فخار يشبه الإناء الأول، لتتم فيه عملية التخمير التي تستغرق مدة تبلغ من 8 إلى 15 يوماً، يُصب بعدها السائل في قوارير كبيرة، تُدفن تحت الأرض حتى رقبتها، وتغلق فتحتها بسدادة خشبية، ويُحكم إقفالها بالجبس، ورغم هذا الاحتياط، فإن النبيذ لا يظل على حاله لأكثر من بضعة شهور، حيث نجده عادة في حالة خل".

السُكر في القرن التاسع عشر

في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تأثرت صناعة الخمور في مصر بالاحتلال البريطاني، عام 1882، بسبب تناول جنود الاحتلال لكميات كبيرة من الكحوليات لتخفيف الضغط العصبي الواقع عليهم، وهو ما أدى إلى رواج كبير لهذه الصناعة.

وفي كتابه "خبايا القاهرة... عن ليالي القاهرة وخفاياها في بداية القرن العشرين" الصادر عام 1958، رصد الكاتب أحمد محفوظ أماكن البارات خلال هذه الفترة قائلاً: "حانات القاهرة في أيام الفاطميين والأيوبيين والمماليك، كانت تقع في أطرافها على النيل، مثل طموه والجيزة وناهية وطرة. وفي قلب القاهرة كانت هناك حارة الروم وحارة النصارى وقنطرة الوز وبركة الأزبكية، وكان يديرها غير المسلمين من الأقباط واليهود".

ويتابع: "في أوائل القرن العشرين تركزت البارات في شارع وش البركة (نجيب الريحاني لاحقاً) حيث محلات "الألدراتو" و"الألكزندري" و"باميه بار" و"الكستبان الأحمر" و"بار ماري" و"أوبلسك" و"شولار"، إلى شارع "كلوت بك" حيث حانات "السبعة أبواب" و"حلواني اللوفر" إلى شارع "البواكي" حيث ملهى "ألف ليلة".

دور ثوري للحانات

ويشير الكاتب محمود خير الله في كتابه المذكور إلى أن البارات شكّلت على مدار ثلاثة قرون في مصر قصص كفاح كبيرة، كما ساهمت في ترسيخ الدولة المدنية والحفاظ عليها من الاندثار والزوال. بل إن بعضها لعب دوراً في الثورات التي شهدتها مصر في تاريخها الحديث.

ففي الأربعينيات من القرن العشرين، كما يروى خير الله، أنفقت شركات الخمور العاملة في مصر أموالاً طائلة للدعاية لمنتجاتها، واضطرت إلى المشاركة في إنتاج أفلام سينمائية كان موضوعها رصد حروب الشرطة ضد تجارة المخدرات لتكريس الصورة الذهنية التي تعتبر تناول المسكرات فعلاً طبيعياً كما جرى تصوير الأمر في أغلب الأفلام السينمائية.

وروى خير الله أن بعض المطاعم المعروفة كحانات لعبت "أدواراً عظيمة وملهمة في تاريخ هذا البلد، عبر انحيازها الدائم إلى جانب الثوار في أيام الثورات المصرية الكثيرة، خلال القرن العشرين".

IMG_20130621_143304 بوابة مقهى ريش خلال ثورة "30 يونيو"

قبو "ريش"، كما يروى خير الله، كان مخبئاً لسعد زغلول ورفاقه إبان ثورة 1919، ولا يزال يحتفظ بأبوابه السرية من بينها باب سري خلف البار يلتف دائرياً لينفتح ويقود مباشرة إلى شارع هدى شعرواي.

ويضيف: ما يزال القبو يحتفظ أيضاً بالمطبعة القديمة وهي التي وفّرها المالك اليوناني القديم للبار لسعد زغلول ورفاقه من الثوار حينما بدأوا يدرسون طبع المنشورات ضد الاحتلال الإنجليزي في مكان آمن وسط القاهرة، فكان قبو ومطبعة "كافيه ريش" هما المكان الذي أعلنت منه ثورة 1919 مطالبها للعالم.

ويتطرق خير الله إلى بار الحرية الذي يقع في وسط القاهرة مشيراً إلى أنه واحد من البارات القليلة التي تميّزت بطابعها الشعبي في الوقت الذي اعتبرت فيه أيضاً دليلاً نخبوياً على ممارسة الحرية.

IMG_20130616_201539 مقهى الحرية

فقد احتضن بار الحرية على مدار تاريخه، ومنذ تأسيسه قبل ثمانية عقود، مَن ثاروا ضد فساد حاشية الملك فاروق الأول ومَن رفضوا القبضة الأمنية النافذة لنظام ما بعد ثورة يوليو 1952. وأيضاً بعد ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، كان "الحرية" ملاذاً آمناً للثوار، يكمل خير الله.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي