اختيار جنس الجنين، وأد للبنات أو تحقيق توازن في العائلة؟

اختيار جنس الجنين، وأد للبنات أو تحقيق توازن في العائلة؟

"الله يعوض عليك بالصبي"، كانت هذه العبارة الأكثر تكراراً على مسمع زينة، بعد إنجابها طفلتها الثانية.

"كنت أتوقع عبارات مثل مبروك أو تتربى بعزكم، لكن للأسف بدلاً من التهنئة شعرت بتعاطف وحزن عند المحيطين بي"، تقول زينة عن الضغط الاجتماعي الذي تعرضت له نتيجة عدم إنجابها مولوداً ذكراً.

وتضيف: "كنت أشعر وزوجي أن عائلتنا مكتملة، طفلتين جميلتين بصحة جيدة. لكن مع اقترابي من سن الـ40 بدأت الضغوط الاجتماعية تحديداً من عائلة زوجي تزداد حول ضرورة إنجاب مولود ذكر، وطرحت إحدى قريباتنا فكرة إجراء عملية طفل أنابيب، يتم فيها اختيار جنس الجنين قبل الزرع".

وتوضح: "قررت خوض التجربة، وكانت النتيجة إنجابي مولودين ذكرين، فتحولت عائلتي من عائلة صغيرة مكونة من 4 أفراد إلى عائلة كبيرة. أشعر بالامتنان على النعمة التي لدي بوجود 4 أطفال، لكن هل كنت سأجري العملية لولا الضغط الاجتماعي؟ بالتأكيد لا".

خلال السنوات العشر الماضية، ازداد إقبال العائلات الأردنية على تقنية اختيار نوع الجنين عن طريق إجراء عملية أطفال الأنابيب. هذا التوجه أثار تخوف منظمات نسوية من أن يتسبب في انخفاض عدد المواليد الإناث، مقارنة بعدد المواليد الذكور، خصوصاً أن الغالبية العظمى لمن يقوموا بهذا الإجراء يسعون لمولود ذكر، ونادرة هي الحالات التي تسعى لمولود أنثى.

أقوال جاهزة

شارك غردوأد البنات الحديث: اختيار نوع الجنين عن طريق إجراء عملية أطفال الأنابيب


بحسب معهد تضامن النساء، وهي جمعية حقوقية تهتم بقضايا المرأة، مشكلة ديمغرافية مستقبلية تخل بالتوازن الطبيعي بين الجنسين، نظراً لتناقص عدد الإناث بين فئة الأطفال حتى عمر 15.

وتعتبر المنظمة أن ما يثير المخاوف أن  نسبة الذكور إلى الإناث من عدد السكان في الأردن، أعلى بين فئة الأطفال حتى عمر 15 عاماً، إذ يقابل كل 106 ذكور 100 أنثى.

يعتبر "تضامن" أن هذا مؤشر على بداية تأثير تحديد الجنس قبل الولادة على ارتفاع نسبة الذكور، وإلى تناقص عدد الإناث، ما ينذر بمشكلات ديمغرافية مستقبلية تخل بالتوازن الطبيعي بين الجنسين.

في هذا السياق، ترى عميدة كلية دراسات المرأة في الجامعة الأردنية الدكتورة عبير دبابنة، أن "طريقة استخدام تقنية اختيار نوع الجنين ليست سوى إعادة إنتاج لقيم جاهلية ترفض الأنثى وتستهدفها لجنسها فقط".

وتقول: "ما يجري هو بمثابة وأد للإناث بأسلوب حديث، فطريقة استخدام هذه التقنية تمنع الأنثى من الحق في الوجود، هذه جريمة بحق المرأة".

وتطالب دبابنة بضرورة إيجاد تشريع يحظر تحديد نوع الجنين، حفاظاً أولاً على حق الأنثى في الحياة، وثانياً لعدم خلق مشكلة ديموغرافية. لافتةً إلى أن العديد من دول العالم يحظر اختيار نوع الجنين قبل الحمل.

عام 2009، أقر ديوان التشريع والرأي الأردني مسودة مشروع قانون استخدام التقنيات الطبية المساعدة على الإنجاب. يحدد مشروع القانون أسساً لعملية انتقاء نوع الجنين، لكنه ما زال يراوح مكانه.

سمحت مسودة القانون تحديد جنس الجنين ضمن ضوابط. مثلاً، إذا لم يكن للزوجين إلا مواليد من الجنس نفسه يزيد عددهم عن ثلاثة أطفال، ذكور أو إناث، وفي حالة وفاة الجنين ذي الجنس المنتقى داخل الرحم أو بعد ولادته، ولأسباب طبية تتعلق بالأمراض الوراثية المرتبطة بجنس المولود.

في المقابل، تبقى دائرة الإفتاء الأردنية أكثر تشدداً تجاه عملية اختيار نوع الجنين. فسمحت فتوى صادرة عن الدار بعملية اختيار نوع الجنين في حالتين فقط. الحالة الأولى لغير القادر على الإنجاب إلا من خلال عملية أطفال الأنابيب، والثانية اختيار جنس الجنين تفادياً لأمراض وراثية تصيب الذكور دون الإناث أو العكس.

وترى الفتوى أن عملية اختيار جنس الجنين بواسطة أطفال الأنابيب للقادر على الإنجاب من غير هذه الوسيلة لا تجوز، وفي البنات ما يغني عن البنين.

لكن ما مدى انتشار عمليات اختيار نوع الجنين في الأردن؟

يقول رئيس جمعية اختصاصيي النسائية والتوليد الأردنية، الدكتور مازن زبدة: "يوجد في الأردن نحو 22 مركزاً لأطفال الأنابيب، منها 13 مركزاً يوجد لديها مختبرات متخصصة للجينات تستطيع القيام بعملية تحديد نوع الجنين".

ويضيف: "لا تفصح هذه المراكز غالباً عن رقم دقيق لعمليات أطفال الأنابيب لديها، أو عمليات فصل الأجنة. لكن يمكن القول إنه يجري في الأردن سنوياً نحو 5 آلاف عملية طفل أنابيب بشكل عام، أما نسبة من يطلبون تحديد نوع الجنين فهي غير متوفرة".

ويشدد الزبدة على أهمية وجود ضوابط أخلاقية لإجراء عمليات اختيار نوع الجنين. ويقول: "الأصل أن يكون الهدف من الإجراء تحقيق التوازن داخل الأسرة، وليس غلبة عدد الأطفال من جنس معين".

ويوضح: "مثلاً، في حالات معينة إذا كان جميع المواليد في الأسرة من جنس واحد، وعددهم 3 وما فوق، يمكن حينها إجراء التدخل خصوصاً إذا كانت السيدة تعرضت لولادات قيصرية".

ويشير إلى أنه في الولادات القيصرية، لا ينصح بأكثر من 5 ولادات. في هذه الحالات، يكون تحديد نوع الجنين مقبولاً، إذا كان المواليد الأربعة من النوع نفسه، أو أن تكون السيدة متقدمة في السن".

ويقول: "على الطبيب أن يتأكد أن الهدف من إجراء العملية هو إحداث توازن داخل الأسرة، وليس كرهاً لجنس معين من المواليد". لكنه يقر أن غالبية من يلجأون إلى هذا الإجراء الطبي، يسعون إلى مولود ذكر. موضحاً: "خلال مسيرتي المهنية، تعاملت مع 4 حالات فقط لعائلات ترغب في مولود أنثى، مقابل ذلك، هنالك المئات من الحالات التي ترغب في مولود ذكر".

يلفت الزبدة إلى أن إجراء عملية اختيار نوع الجنين في بعض الحالات بسبب دواعٍ طبية، كوجود خلل جيني، وحينها يتم استبعداد الجنين المصاب وإبقاء الأجنة الأصحاء".

أما عن نسب نجاح العملية، فيلفت إلى أن "نسب نجاح عملية طفل الأنابيب في أحسن الأحوال عالمياً 40 إلى 45%. وفي حال نجاح العملية لدى حدوث الحمل، فإن نسبة الحمل بمولود وفقاً للجنس المطلوب تراوح بين 99 و100%، فنسبة الخطأ نادرة جداً، وإذا حدث الخطأ يكون بسبب وجود خلل في جهاز فحص الأجنة".

لدى ابراهيم تجربة أخرى في مجال عملية اختيار نوع الجنين، بعد ولادة طفلته الثالثة، ونتيجة لضغوط اجتماعية كذلك، لجأ إلى إجراء عملية اختيار نوع الجنين. يقول: "أجرت زوجتي العملية مرتين، وفي المرتين تم الحمل بمولود ذكر، لكنها خسرت الجنينين قبل إنهاء الشهر الثالث من الحمل".

بعد تجربتين فاشلتين في الحمل بمولود ذكر، عن طريق أطفال الأنابيب، حملت زوجة ابراهيم بشكل طبيعي وأنجبت طفلتين. يقول ابراهيم: "سعيد بكوني أباً لخمس بنات جميلات. وحالياً صرفنا النظر عن فكرة إنجاب طفل ذكر، لم تعد الضغوط الاجتماعية تؤثر علينا كما كانت سابقاً".

 

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي